كانت عاد أمة مشركة على شاكلة قوم نوح ﵇، يعبدون أصنامًا اتخذوها آلهة من دون الله، وفشا فيهم الشرك والضلال، وصار التوحيد أمرًا منكرًا وغريبًا عندهم.
ودليل ذلك جوابهم على نبيِّهم هود ﵇ عندما دعاهم إلى عبادة الله وحده، قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ *﴾ [الأعراف]، وفي موضع آخر قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ *﴾ [الأحقاف]، فقد جعلوا الدعوة إلى عبادة الله وحده ونبذ الأوثان أمرًا يُتعجب منه، ولا تستسيغه عقولهم! (^٦).
فأهلك الله ﷻ هذه الأمة المتجبرة المستكبرة، التي بارزت الجبار بالعداوة، وجحدت آياته وعصت رسوله، وهي عاد التي اعتدت بقوتها وشدتها، وقالت مقالتها الشنيعة (^٧): ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ
_________________
(١) يُنظر: تيسير الكريم الرحمن، لعبد الرحمن السعدي (٣٨٤).
(٢) يُنظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (٨/ ٣٩٤).
(٣) ذكرت قصة هود ﵇ وقومه في سورة: الأعراف (٦٥ - ٧٢)، والمؤمنون (٣١ - ٤٠)، والشعراء (١٢٣ - ١٤٠)، وفصلت (١٥ - ١٦)، والأحقاف (٢١ - ٢٥)، والذاريات (٤١ - ٤٢)، والنجم (٥٠ - ٥٥)، والقمر (١٨ - ٢٢)، والحاقة (٦ - ٨)، والفجر (٦ - ١٤).
(٤) الآيات التي احتوت على قصته ﵇ من آية (٥٠ - ٦٠).
(٥) يُنظر: سورة: التوبة (٧٠)، إبراهيم (٩)، الحج (٤٢)، الفرقان (٣٨)، العنكبوت (٣٨)، سورة ص (١٢)، غافر (٣١)، فصلت (١٣)، سورة ق (١٣)، الحاقة (٤).
(٦) يُنظر: أسباب هلاك الأمم السالفة (١٣٢).
(٧) يُنظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (٧/ ١٦٩)، أسباب هلاك الأمم السالفة (٦٤ - ٦٥).
[ ٢١٥ ]
الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ *﴾ [فصلت].
رُوي عن بعض المفسرين في وصف هلاك عاد قوم هود ﵇ أن عذابهم كان من جنس فعلهم وقولهم وتجبرهم، فسلّط الله عليهم ريحًا هي أشد منهم قوة، فمن شدّتها وقوتها، وهولها تثير الهلع في القلوب، والفزع في النفوس، فكانت تدخل في أفواههم، فتخرج ما في أجوافهم من أدبارهم، ثم تحمل الواحد منهم على ضخامته وقوته إلى عنان السماء وتقذف به على رأسه ظاهر الأرض فتكسره، فيصير بدنه كأنه جذع نخلة، فلما نظر بعضهم إلى المعذبين منهم تطير بهم الريح بين السماء والأرض، هربوا وصاروا يختبؤون في البيوت والشعاب والحفر إلا أن الريح تنزعهم منها فتصرعهم (^١).
كما قال تعالى عنهم: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ *﴾ [القمر]، وقال ﷻ في موضع آخر: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ *سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ *﴾ [الحاقة] (^٢)، واستمر هبوب الرياح عليهم سبع ليالٍ حتى صرعهم وجعلهم كأعجاز النخل الخاوية؛ فكان هذا جزاء كِبرهم وقوة بطشهم.
وزيادة في التنكيل بهم فإن الريح أتتهم من حيث كانوا ينتظرون المطر؛ لما أصابهم القحط (^٣) فقال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ *﴾ [الأحقاف].
_________________
(١) يُنظر: جامع البيان (١٢/ ٣٩٤)، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (١٨/ ٢٦١)، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل، للبيضاوي (٥/ ١٦٦)، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير (٧/ ١٦٩) (٨/ ٢٠٩).
(٢) الصرصر: الشديدة الهبوب، مع شدّة بردها. العاتية: تجاوزت الحد في شدة الهبوب والبرودة. يُنظر: جامع البيان (٢٣/ ٢٠٩).
(٣) يُنظر: المرجع السابق (١٢/ ٣٩٤)، أسباب هلاك الأمم السالفة (٦٦).
[ ٢١٦ ]
فلما أهلكهم الله، أرسل إليهم طيرًا سودًا، فنقلتهم إلى البحر فألقتهم فيه، فذلك قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ *﴾ [الأحقاف] (^١).