دعا لوط ﵇ قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وحذرهم من فعل الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، فاجتمع شركهم مع سوء طويتهم، وفعلتهم الشنعاء.
ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ بأن لوطًا ﵇ لم يؤمن به أحد من قومه ولا من أهل بيته إلا ابنتاه (^٤)، أما امرأته فقد آثرت البقاء على دين قومها فأصابها ما أصابهم (^٥).
فلم يستجيبوا لدعوة نبيهم وكذبوا ولم يؤمنوا به، واستمروا على حالهم في غيهم وضلالهم، وهموا بإخراج رسولهم، كما قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ *﴾ [النمل]، ولم يزدادوا إلا عتوًّا وتماديًا فيما هم فيه من غيّ وضلال (^٦).
_________________
(١) يُنظر: صحيح قصص الأنبياء، لابن كثير، تحقيق سليم الهلالي (١٥٩).
(٢) ذكرت قصة لوط ﵇ وقومه في سورة: الأعراف (٨٠ - ٨٤)، هود (٦٩ - ٨٣)، الحجر (٥١ - ٧٧)، الشعراء (١٦٠ - ١٧٥)، النمل (٥٤ - ٥٨)، العنكبوت (٢٨ - ٣٥)، الصافات (١٣٣ - ١٣٨)، الذاريات (٣١ - ٣٧)، القمر (٣٣ - ٤٠).
(٣) يُنظر: سورة: هود (٨٩)، الحج (٤٣)، سورة ص (١٣).
(٤) يُنظر: صحيح قصص الأنبياء، لابن كثير، تحقيق سليم الهلالي (١٦٣، ١٦٩).
(٥) يُنظر: المرجع السابق (١٦٩)، أسباب هلاك الأمم السالفة (٣٢).
(٦) يُنظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٦/ ٢٤٩).
[ ٢٢٦ ]
فطلبوا من لوط ﵇ الإتيان بالعذاب إن كان صادقًا في رسالته، ومصيبًا في إنكاره عليهم فعل الفاحشة (^١).
كما قال تعالى: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ *قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ *﴾ [العنكبوت].
فلما أراد الله ﷻ أن ينصر رسوله ﵇، ويهلكهم أرسل الملائكة إلى لوط ﵇ بصورة أضياف آدميين شباب، فساء لوطًا ﵇ ذلك؛ لعلمه بما عليه قومه من جرأة شنيعة، فوقع ما خاف منه (^٢).
فقال الله تعالى في وصف حاله ﵇: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ *وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَال ياقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ *قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ *﴾ [هود].
ويُروى أن لوطًا ﵇ أغلق الباب حتى لا يصل قومه إلى أضيافه، وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب، وهم يرومون فتحه، وولوجه في إلحاح وإلعاج (^٣)، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير ﵀ (^٤).
فلما ضاق الأمر وعسر الحال قال لوط ﵇ لهم: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ *قَالُوا يالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ *﴾ [هود].
وقال تعالى في موضع آخر عن العذاب المعجل لمن باشروا مراودة أضياف لوط ﵇: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ *﴾ [القمر].
_________________
(١) يُنظر: أسباب هلاك الأمم السالفة (٢٢٦).
(٢) يُنظر: تيسير الكريم الرحمن، لعبد الرحمن السعدي (٣٨٦).
(٣) إلعاج: اتقاد الشهوة وثورانها. يُنظر: حاشية صحيح قصص الأنبياء، لسليم الهلالي (١٦٨).
(٤) يُنظر: صحيح قصص الأنبياء، لابن كثير، تحقيق سليم الهلالي (١٦٨).
[ ٢٢٧ ]
قال الحافظ ابن كثير ﵀: فخرج إليهم جبريل ﵇ فضرب وجوههم خفقة، فطمس أعينهم، فرجعوا يتحسسون الحيطان، ويتوعدون رسول الرحمن (^١).
وبعدما خرج لوط ﵇ بأهله ليلًا باستثناء امرأته، وخلصوا من بلادهم، وجاء الصبح، وطلعت الشمس، وحان موعد العذاب، جاءهم من أمر الله ما لا يُرد، ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يُصد (^٢).
قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ *﴾ [الحجر]، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ *مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ *﴾ [هود].
اقتلع جبريل ﵇ بطرف جناحه أراضي تلك المنطقة من أصولها بمن فيها من القوم المعذبين، ومن معهم من حيوانات، فرفع الجميع إلى عنان السماء، حتى سمعت الملائكة التي في السماء أصوات ديكتهم، ونباح كلابهم، ثم قلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها (^٣).
وبعد قلب ديارهم أتبعهم بحجارة صلبة شديدة قوية، متتابعة، مرقومة على كل حجر اسم صاحبه الذي تسقط عليه فتدمغه (^٤).
فعذبوا بأنواع من أشدّ العذاب لم يعذب بها أمة غيرهم، فجمع لهم بين الهلاك بطمس الأبصار، والصيحة، وقلب ديارهم عليهم بأن جعل عاليها سافلها، والرجم بالحجارة من السماء، والخسف بهم إلى أسفل سافلين (^٥) نسأل الله السلامة والعافية.
فالعذاب عمّ الجميع: الفاعلين للفاحشة، والراضين عن المنكر، والساكتين عنه (^٦)، فأبيدوا عن آخرهم، وبقيت قصتهم عبرة للمعتبرين.
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) يُنظر: صحيح قصص الأنبياء، لابن كثير، تحقيق سليم الهلالي (١٦٩).
(٣) يُنظر: المرجع السابق.
(٤) يُنظر: المرجع السابق (١٦٩ - ١٧٠).
(٥) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٦/ ٢٥٠) بتصرف.
(٦) يُنظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (٧/ ٢٤٣).
[ ٢٢٨ ]