إن مما ينبغي أن يُعلم أن للمسجد في المجتمع الإسلامي رسالة عظمى، ألزم ما يكون على المسلمين إحياؤها: وهي أن المسجد لهم هو بيت الأمة فيهم؛ لجميع مصالحهم العامة والخاصة تقريبًا (^١).
فتعتبر المساجد بوجه عام من المواضع الدينية الثابت إحياؤها، وتقصد بالعبادة، وباستقراء أنواع المساجد نجد أنها لا تخرج عن ثلاثة أنواع: (^٢)
النوع الأول: مساجد المسلمين العامة، فهذه لها ما لعموم المساجد، ولا يثبت لها فضل يخصها، ولا ميزة في قصدها عن بقية المساجد، وإنما حكمها عام.
النوع الثاني: مساجد بدعية محدثة، وهي على نوعين:
أ مساجد بُنيت على مقامات النبي ﷺ التي صلى فيها.
ب مساجد نُسبت إلى العهد النبوي، وعهد الخلفاء الراشدين ﵃، واتخذت مزارًا، كالمساجد السبعة، ومسجد في جبل أُحد، وغيرها.
فهذه المساجد لم يثبت لها فضيلة تخصها، ولم يرد الترغيب في قصدها، وليس لها أصل في الشرع المطهر، ولا يجوز قصدها لعبادة ولا لغيرها؛ بل هي بدعة ظاهرة كما سبق بيان ذلك في موضعه (^٣).
النوع الثالث: مساجد ثبت فضلها في الشرع، وخصّت عن بقية المساجد بمزايا، وهي أربعة مساجد:
١ المسجد الحرام:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، خلق الله ﷻ موضع البيت قبل أن تُخلق الأرض بألفي عام فمحي الموضع واندرس، فأطلع الله ﷻ الخليل وابنه إسماعيل ﵉ على الموضع، فرفعا
_________________
(١) يُنظر: تتمة أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لعطية سالم (٨/ ٣٢٧).
(٢) يُنظر: فتاوى اللجنة الدائمة (المجموعة الثانية/ ٥/ ١٧٩ - ١٨٥).
(٣) سبق الحديث عنها في مطلب مقامات النبي ﷺ راجع لطفًا (١٠١).
[ ١٧٢ ]
قواعد البيت على تلك الأركان (^١).
ومن المناسب قبل أن أعرض بعضًا من صور إحياء المسلم للمسجد الحرام، سأذكر خصائصه وفضائله، فمن ذلك:
١ أول مسجد وُضع في الأرض وأقدم موضع متعبد فيه (^٢)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ *﴾ [آل عمران] …
وقد سئل النبي ﷺ عن أول مسجد وضع في الأرض؟
قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ». قيل: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الأَقْصَى».
قيل: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ عَامًا» (^٣).
جاء في التفسير الوسيط: أن أولوية المسجد الحرام في الزمان تستلزم أولويته في الشرف والمكانة (^٤).
٢ فضل الصلاة فيه، ومضاعفة الثواب؛ لقول النبي ﷺ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ» (^٥) وهذا صريح بأنه أفضل بقاع
_________________
(١) يُنظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري (٢/ ٥٦١)، الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (٢/ ١٢٠).
(٢) يُنظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (٤/ ١٣٧).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ *﴾ (٤/ ١٦٢/ ح ٣٤٢٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٢/ ٦٣/ ح ٥٢٠).
(٤) التفسير الوسيط، للزحيلي (١/ ٢١٧) بتصرف يسير. قوله: الأولوية في الزمان تستلزم الأولوية في الشرف والمكانة، ليس على إطلاقه؛ فالمسجد الأقصى أقدم من المسجد النبوي، وفضل الصلاة في المسجد النبوي وأجرها أكثر وأعظم من المسجد الأقصى.
(٥) أخرجه ابن ماجه في سننه، أبواب إقامة الصلاة والسُّنَّة فيها، باب ما جاء فِي فضل الصلاة فِي المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ (٢/ ٤١٢/ ح ١٤٠٦)، والإمام أحمد في مسنده، مسند جابر بن عبد الله ﵄ (٦/ ٣١٠٣/ ح ١٤٩٢٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٢/ ٧١٤/ ح ٣٨٣٨).
[ ١٧٣ ]
الأرض على الإطلاق (^١).
٣ فيه الكعبة قبلة لأهل الأرض كلهم، فليس على وجه الأرض قبلة غيرها (^٢)؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
٤ تشد الرحال إليه؛ لقوله ﷺ: «لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى» (^٣).
٥ جعله الله ﷾ حرمًا آمنًا يُمنع فيه القتال، قال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، يأمن الناس فيه على أنفسهم وأموالهم، فهو الأمان التام لكل خلق الله (^٤).
٦ اختصاصه بانجذاب أفئدة المؤمنين إليه، حيث جعله الله ﷻ محلًّا تشتاق إليه القلوب وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرًا، ولو ترددت إليه كل عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] (^٥).
يقول الإمام ابن القيم ﵀ في معرض حديثه عن المسجد الحرام وانجذاب الأفئدة إليه: وقد ظهر سر هذا التفضيل، والاختصاص في انجذاب الأفئدة، وهوى القلوب، وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين، فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد …
_________________
(١) يُنظر: زاد المعاد، لابن القيم [ط: ٢٧] (١/ ٤٩).
(٢) زاد المعاد، لابن القيم [ط: ٢٧] (١/ ٥٠)، ويُنظر: جامع البيان (٢/ ٦٦١).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب مسجد بيت المقدس (٢/ ٦١/ ح ١١٩٧)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره (٤/ ١٠٢/ ح ٨٢٧)، واللفظ لمسلم.
(٤) يُنظر: زاد المعاد، لابن القيم [ط: ٢٧] (١/ ٤٧).
(٥) يُنظر: جامع البيان (١٣/ ٦٩٩ - ٧٠٠)، تفسير القرآن العظيم، لابن أبي حاتم (٧/ ٢٢٤٩ - ٢٢٥٠)، زاد المعاد، لابن القيم [ط: ٢٧] (١/ ٥٢)، تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (٥/ ٤١٤).
[ ١٧٤ ]
ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس؛ أي: يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرًا؛ بل كلما ازدادوا له زيارة، ازدادوا له اشتياقًا (^١).
٧ احتواؤه على مشاعر دينية وأماكن تعبدية، يرتادها المسلمون لأداء المناسك؛ كمقام إبراهيم، والحجر الأسود، والركن اليماني، والصفا والمروة.
وقد اختص المسجد الحرام لإحيائه وعمارته بعبادات لا تشرع في غيره، ومن جملة تلك العبادات:
أ الطواف حول الكعبة (^٢):
الطواف حول الكعبة طاعة لله ﷿، وامتثالًا لأمر رب الكعبة بالتعبّد والتقرّب، قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ *﴾ [الحج]، فليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها والطواف بالبيت الذي فيها غيرها (^٣).
ب الصلاة خلف مقام إبراهيم ﵇ (^٤):
الصلاة ركعتا الطواف خلف مقام إبراهيم ﵇ كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة: ١٢٥].
_________________
(١) زاد المعاد، لابن القيم [ط: ٢٧] (١/ ٥٢).
(٢) الكعبة: هي بيتُ الله الحرام، لقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧]، وقبلة المسلمين، التي أمر الله ﷻ باستقبالها في الصلاة، والطواف حولها تحية لدخول المسجد الحرام، أو الطواف لأداء ركن من أركان الحج أو العمرة، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ *﴾ [الحج]، يُنظر: زاد المعاد، لابن القيم [ط: ٢٧] (١/ ٤٩).
(٣) يُنظر: زاد المعاد، لابن القيم [ط: ٢٧] (١/ ٤٩).
(٤) مقام إبراهيم ﵇: يقع شرق الحجر الأسود، يبعد عن شاذروان الكعبة (١٣. ٢٥ م)، وهو المقام المقابل لباب الكعبة، والذي قامَ عليه الخليل إبراهيمُ ﵇ عندَ بناءِ البيت؛ يقول ابن عباس ﵄: سمي بذلك؛ لقيامه عليه ﵇. يُنظر: أخبار مكة، للأزرقي (١/ ٥٩)، فتح الرحمن في تفسير القرآن، لمحمد العليمي المقدسي (١/ ١٩١)، تيسير الكريم الرحمن (١٣٨)، مكة المكرمة تاريخ ومعالم، لمحمود حمو (٦٠). والشاذروان: هي الحجارة المائلة الملتصقة بأسفل جدار الكعبة من جوانبها الثلاثة. يُنظر: مكة المكرمة تاريخ ومعالم، لمحمود حمو (٥٣).
[ ١٧٥ ]
ج تقبيل الحجر الأسود (^١)، واستلام الركنين اليمانيين (^٢):
الكعبة المشرفة لها أربعة أركان: ركنان يمانيان، وركنان شاميان، فالركنان اليمانيان هما:
١ ركن الحجر الأسود (^٣):
يستحب للمسلم عند الطواف حول الكعبة تقبيل الحجر الأسود واستلامه: والدليل: لما جَاءَ عُمَر ﵁ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ وقَبَّلَهُ، قَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ (^٤).
_________________
(١) الحجر الأسود: وهو الحجر الموجود في الركن الشرقي من الكعبة الشريفة، وهو على قواعد إبراهيم ﵇، ويرتفع عن أرض المطاف (١. ١٠ م)، هذا مقدار الارتفاع بالمقاييس الحالية. يُنظر: مكة المكرمة تاريخ ومعالم، لمحمود حمو (٤٨)، أما بالمقاييس القديمة يُنظر: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، للقسطلاني (٣/ ١٦١)
(٢) الركن اليماني: هو الركن الجنوبي للكعبة المشرفة، الواقع غرب الحجر الأسود، وهو على قواعد إبراهيم ﵇. يُنظر: مكة المكرمة تاريخ ومعالم، لمحمود حمو (٥٠).
(٣) كان الحجر الأسود حين نزوله من الجنة أبيض اللون كما ورد في الحديث عن رسول ﷺ قال: «نَزَلَ الحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الجَنَّةِ، وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ؛ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ» أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب الحج عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في فضل الحجر الأسود والركن والمقام (٢/ ٢١٥/ ح ٨٧٧)، وقال: حديث حسن صحيح، وكذلك صححه الألباني في صحيح الترمذي (٣/ ٢١٧/ ح ٨٧٧). وهنا لفتة لطيفة أشار إليها الحافظ محب الدين الطبري ﵀ في تأثير الخطايا على الحجر الأسود بقوله: في بقائه أسود عبرة لمن له بصيرة؛ فإن الخطايا إذا أثّرت في الحجر الصلد، فتأثيرها في القلب أشد!. يُنظر: كوثر المعاني الذراري في كشف خبايا صحيح البخاري، للشنقيطي (١٣/ ٢٠٧)، الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم، لمحمد الأمين الهرري (١٤/ ٢١٥). وللاستزادة يُنظر: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة الدينوري (٤١٣)، التوشيح شرح الجامع الصحيح، للسيوطي (٣/ ١٢٦٨). وقد كان الحجر الأسود قطعة واحدة، لكنه مع الحوادث والكوارث التي مرت عليه تكسر، ولم يبق منه إلا ثمانية قطع صغار مختلفة الحجم، ولعل أسوأ مرحلة مرّ بها الحجر الأسود، وأشنع ما تعرّض، وحدث له حادثة القرامطة عندما أخذوه في شهر ذي الحجة سنة (٣١٦ هـ)، وغيبوه، ثم رُدّ إلى موضعه يوم النحر من سنة (٣٣٩ هـ). يُنظر: مكة المكرمة تاريخ ومعالم، لمحمود حمو (٤٨).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب ما ذكر في الحجر الأسود (٢/ ١٤٩/ ح ١٥٩٧)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب استحباب تقبيل الحجر الأْسود فِي الطواف (٤/ ٦٦/ ح ١٢٧٠)، واللفظ للبخاري.
[ ١٧٦ ]
قال المحدِّث أبو القاسم الطبراني ﵀: إنما قال ذلك عمر ﵁؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر ﵁ أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم الأحجار، كما كانت العرب تفعل في الجاهلية (^١).
فتقبيل الحجر الأسود ليس لأجل ذات الحجر؛ بل هي عبادة محضة لله ﷾ امتثالًا لأمره (^٢)، وتأسيًا بالنبي ﷺ صورةً وقصدًا؛ لحصول بركة الثواب، خلافًا لمن يظنُّ أن به بركة حسية؛ فيقبّله ويستلمه، ثم يمسح على سائر بدنه تبركًا بذلك (^٣).
٢ الركن اليماني:
يستحب للمسلم عند الطواف حول الكعبة استلام الركن اليماني: والدليل: كَانَ النبي ﷺ لا يَسْتَلِمُ إِلاَّ الْحَجَرَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ (^٤).
ولهذا اتفق العلماء على أنه لا يشرع تقبيل شيء من الأحجار إلا الحجر الأسود، ولا استلام إلا الركنان اليمانيان (^٥).
فالحجر الأسود يقبّل ويستلم، والركن اليماني يستلم فقط.
يقول صاحب كتاب ذخيرة العقبى في شرح المجتبى:
اعلم أن للبيت أربعة أركان: الركن الأسود، والركن اليماني، ويقال لهما: اليمانيان، وأما الركنان الآخران، فيقال لهما: الشاميّان.
_________________
(١) نقلًا من التوشيح شرح الجامع الصحيح، للسيوطي (٣/ ١٢٦٨).
(٢) يُنظر: الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، لمحمد الأمين الهرري (١٤/ ٢١٥).
(٣) يُنظر: القول المفيد، لابن عثيمين (١/ ١٩٦).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين (٢/ ١٥١/ ح ١٦٠٩)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب استحباب استلام الركنين اليمانيين فِي الطواف دون الركنين الآخرين (٤/ ٦٦/ ح ١٢٦٧)، واللفظ لمسلم.
(٥) يُنظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣/ ٢٧٤).
[ ١٧٧ ]
فالركن الأسود فيه فضيلتان:
إحداهما: أنه على قواعد إبراهيم ﵇.
والثانية: أن فيه الحجر الأسود.
وأما اليمانيّ: ففيه فضيلة واحدة، وهي كونه على قواعد إبراهيم ﵇.
وأما الركنان الآخران فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين،
فلهذا خصّ الحجر الأسود بشيئين: الاستلام، والتقبيل؛ للفضيلتين.
وأما اليمانيّ، فيستلمه (^١)، ولا يقبّله؛ لأن فيه فضيلة واحدة.
وأما الركنان الآخران، فلا يقبلان، ولا يستلمان. والله أعلم (^٢).
فليس على وجه الأرض موضع يشرع استلامه، وتحط الخطايا والأوزار فيه غير الركنين اليمانيين (^٣)؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ مَسْحَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي وَالرُّكْنِ الأَسْوَدِ يَحُطُّ الْخَطَايَا حَطًّا» (^٤).
د السعي بين الصفا والمروة (^٥):
الصفا والمروة يقصدان بالسعي بينهما في الحج والعمرة؛ لقوله تعالى:
_________________
(١) يستلم فقط: أي: يمسح عليه بيده اليمنى. يُنظر: اللقاءات الشهرية، لابن عثيمين (١/ ١٤١).
(٢) ذخيرة العقبى في شرح المجتبى، والمعروف بشرح سنن النسائي، لمحمد الأتيوبي (٢٥/ ٢٤٤).
(٣) يُنظر: زاد المعاد، لابن القيم [ط ٢٧] (١/ ٤٩).
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، مسند عبد الله بن عمر ﵄ (٣/ ١٢١٤/ ح ٥٧٢٥)، وعبد بن حميد في المنتخب من مسنده، أحاديث ابن عمر ﵄ (١/ ٢٦٣/ ح ٨٣١)، وعبد الرزاق في مصنفه، كتاب المناسك، باب الطواف واستلام الحجر وفضله (٥/ ٢٩/ ح ٨٨٧٧)، والطبراني في الكبير، باب العين، عبيد بن عمير عن ابن عمر ﵄ (١٢/ ٣٨٩/ ح ١٣٤٣٨)، والطبراني في الأوسط، باب الميم، محمد بن النضر الأزدي (٥/ ١٩١/ ح ٥٠٤٤)، صححه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (١/ ٤٨٩/ ح ١٨٠٥)، والصنعاني في التنوير شرح الجامع الصغير (٤/ ١٠٣)، ويُنظر: فتح الغفار الجامع لأحكام سُنَّة نبيّنا المختار، للصنعاني (٢/ ١٠٢٣).
(٥) الصفا: جبل صغير في الجهة الجنوبية الشرقية من الكعبة، وهو الذي يبدأ منه السعي. المروة: جبل صغير في الجهة الشمالية الشرقية من الكعبة، وإليه ينتهي السعي. يُنظر: مكة المكرمة تاريخ ومعالم، لمحمود حمو (٦٦).
[ ١٧٨ ]
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨].
والدليل من السُّنَّة على تخصيص الكعبة بالطواف، والمقام بالصلاة خلفه، والصفا والمروة بالسعي بينهما المذكورة آنفًا فعل النَّبِيُّ ﷺ: «أنه طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ» (^١).
فيستحب إحياء المسجد الحرام بتلك العبادات التي جاء الشرع بتخصيصها؛ امتثالًا لأمر الله ﷻ، وتأسيًا برسول الله ﷺ واقتداءً به ﷺ صورةً وقصدًا.
٢ المسجد النبوي:
ذكر الله ﷻ المسجد النبوي في القرآن الكريم عند قوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨] (^٢).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه، فقلت: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الْمَسْجِدَيْنِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟
قَالَ: فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ، فَضَرَبَ بِهِ الأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ: «هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب قول الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ (١/ ٨٨/ ح ٣٩٥).
(٢) اختلفوا في هذه الآية بالمسجد الذي أسس على التقوى: فمنهم من قال بأن المقصود هو مسجد قباء، وقال آخرون: المقصود به المسجد النبوي، وهو الذي يرجحه ابن جرير الطبري في جامع البيان (١١/ ٦٨٥) بقوله: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو مسجد الرسول ﷺ لصحة الخبر بذلك عن رسول الله ﷺ، ولا معارضة بين الأحاديث الواردة في تفسير الآية في أنه المسجد النبوي أو مسجد قباء، إذ كلا المسجدين أُسس على التقوى. للاستزادة في تحقيق هذه المسألة، وتحريرات العلماء يُنظر: الأحاديث الواردة في فضائل المدينة جمعًا ودراسة، لصالح الرفاعي (٣٧٢ - ٣٧٣).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي ﷺ بالمدينة (٤/ ١٢٦/ ح ١٣٩٨).
[ ١٧٩ ]
من خصائص المسجد النبوي وفضائله:
١ أنه أُسس على التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨].
٢ فضل الصلاة فيه ومضاعفة الثواب؛ لقول النبي ﷺ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ …» (^١).
٣ اختصاصه بشد الرحال إليه مع المسجد الحرام والأقصى؛ لقول النبي ﷺ: «لا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى» (^٢).
٤ فضل ما يحويه من الروضة الشريفة والتي هي روضة من رياض الجنة (^٣)؛ لقول النبي ﷺ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» (^٤).
٣ المسجد الأقصى:
ذكر الله ﷻ المسجد الأقصى في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١].
وقال رسول الله ﷺ: «أَنَّ سُلَيْمَانَ بن دَاوُدَ ﵉ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ، سَأَلَ اللهَ ﷿ خِلَالًا ثَلَاثَةً، سَأَلَ اللهَ ﷿: حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَلَ اللهَ ﷿: مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَلَ اللهَ ﷿ حِينَ فَرَغَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (٢/ ٦٠/ ح ١١٩٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة (٤/ ١٢٤/ ح ١٣٩٤)، واللفظ لمسلم.
(٢) سبق تخريجه راجع فضلًا (١١٦).
(٣) يُنظر: تتمة أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لعطية سالم (٨/ ٣٢٥).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل ما بين القبر والمنبر (٢/ ٦١/ ح ١١٩٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة (٤/ ١٢٣/ ح ١٣٩٠).
[ ١٨٠ ]
مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ: أَنْ لا يَأْتِيَهُ أَحَدٌ لا يَنْهَزُهُ إِلاَّ الصَّلَاةُ فِيهِ، أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيئَتِهِ، كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (^١).
من خصائص المسجد الأقصى وفضائله:
١ أنه أول قبلة للمسلمين قبل أن يتحولوا عنها إلى الكعبة، بأمر من الله سبحانه ﷻ، أَوَّلَ ما قَدِمَ النبي ﷺ المَدِينَةَ …، صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أو سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلاَّهَا صَلَاةَ العَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ البَيْتِ … (^٢).
٢ أنه ثاني بيت وضع في الأرض بعد المسجد الحرام: لحديث أبي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أي مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلَ؟ قَالَ: «المَسْجِدُ الحَرَامُ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «المَسْجِدُ الأَقْصَى»، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ، فَإِنَّ الفَضْلَ فِيهِ» (^٣).
٣ اختصاصه بشد الرحال إليه مع المسجد الحرام والنبوي؛ لقول النبي ﷺ: «لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى» (^٤).
_________________
(١) أخرجه النسائي في المجتبى، كتاب المساجد، باب فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه (١/ ١٥٨/ ح ٦٩٢/ ١)، إسناد صحيح. يُنظر: المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٢/ ١١٣)، فتح الباري شرح صحيح البخاري (٦/ ٤٦٨)، سنن النسائي بشرح جلال الدين السيوطي (٢/ ٣٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الصلاة من الإيمان (١/ ١٧/ ح ٤٠).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حدثنا موسى بن إسماعيل (٤/ ١٤٥/ ح ٣٣٦٦)، ومسلم في صحيحه كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٢/ ٦٣/ ح ٥٢٠)، واللفظ للبخاري.
(٤) سبق تخريجه راجع فضلًا (١١٦).
[ ١٨١ ]
٤ أنه أُسري برسول الله ﷺ إليه، وعُرج به ﷺ منه إلى السماء، لقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١].
٥ أنه فضل الصلاة فيه، ومضاعفة ثوابها لقول النبي ﷺ: «فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى غَيْرِهِ مِائَةُ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَفِي مَسْجِدِي أَلْفُ صَلَاةٍ، وَفِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَمْسُمِائَةِ صَلَاةٍ» (^١).
٦ مبارك ما حوله: لقول الله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]، وقوله: ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ *﴾ [الأنبياء]؛ أي: أن البركة جُعلت لسكانه في معايشهم، وأقواتهم، وحروثهم، وغروسهم (^٢).
٤ مسجد قُباء:
قال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨] (^٣).
وهو أول مسجد بُني في المدينة بعد هجرة النبي ﷺ، قبل بناء المسجد النبوي، وقد شارك النبي ﷺ في تأسيسه، وكان يقصده ﷺ بين الحين والآخر (^٤).
_________________
(١) أخرجه البزار في مسنده، مسند أبي الدرداء ﵁، ما روى فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء (١٠/ ٧٧/ ح ٤١٤٢)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار، باب بيان مشكل ما روي عنه ﵇ في المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها (٢/ ٦٩/ ح ٦٠٩). حسّن الحديث والإسناد جمع من الأئمة والمحدثين. يُنظر: مسند البزار (١٠/ ٧٧/ ح ٤١٤٢)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٦٦٨)، الاستذكار، لابن عبد البر (٧/ ٢٢٢)، فتح الباري، لابن حجر (٣/ ٨٠)، تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي (١/ ٢٦٩)، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٦/ ١٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٢/ ٧٧٦/ ح ٤٢١١)، وإرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (٤/ ٣٤٢/ ح ١١٣٠).
(٢) جامع البيان (١٤/ ٤٤٨). كما سيأتي بيان المقصود بالبركة في المسجد الأقصى، للوصول إلى تفصيل المسألة انتقل فضلًا (٤٩٨).
(٣) تقدّم قبل صفحات قليلة في الحاشية الجمع بين القولين في الآية. راجع لطفًا (١٧٩).
(٤) يُنظر: العرف الشذي شرح سنن الترمذي، لمحمد أنور شاه (١/ ٣٢٥).
[ ١٨٢ ]
من خصائص مسجد قُباء وفضائله:
١ أنه أول مسجد بُني في المدينة، يقول عروة بن الزبير ﵁ عندما نزل الرسول ﷺ في بني عمرو بن عوف ولبث فيهم بضع عشرة ليلة: «… وَأُسِّسَ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَسَارَ يَمْشِي مَعَهُ النَّاسُ حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ …» (^١).
٢ أن فضل الصلاة في مسجد قباء وأجره كعمرة، لمن تطهر في بيته وخرج إليه، والدليل: قول النبي ﷺ: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءَ فَصَلَّى فِيهِ صَلَاةً كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ» (^٢).
٣ تسن زيارته يومًا من كل أسبوع، ودليله أن النبي ﷺ كان: «… يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا» (^٣)، وفي رواية: «فيصلي فيه ركعتين» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ (٥/ ٦٠/ ح ٣٩٠٦).
(٢) أخرجه النسائي في المجتبى، كتاب المساجد، باب فضل مسجد قباء والصلاة فيه (١/ ١٥٩/ ح ٦٩٨/ ٢)، والنسائي في الكبرى، كتاب المساجد، فضل مسجد قباء والصلاة فيه (١/ ٣٨٧/ ح ٧٨٠)، وابن ماجه في سننه، أبواب إقامة الصلاة والسُّنَّة فيها، باب ما جاء فِي الصلاة فِي مسجد قباء (٢/ ٤١٦/ ح ١٤١٢)، وأحمد في مسنده، مسند المكيين ﵃، حديث سهل بن حنيف ﵁ (٦/ ٣٤٤٩/ ح ١٦٢٢٨)، والحاكم في مستدركه، كتاب الهجرة، من صلى في قباء كان كعدل عمرة (٣/ ١٢/ ح ٤٣٠٢)، واللفظ لابن ماجه، صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٤٨/ ح ١١٨١).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب من أتى مسجد قباء كل سبت (٢/ ٦١/ ح ١١٩٣)، ومسلم في صحيحه كتاب الحج، باب فضل مسجد قباء (٤/ ١٢٧/ ح ١٣٩٩)، واللفظ للبخاري.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب إتيان مسجد قباء ماشيًا وراكبًا (٢/ ٦١/ ح ١١٩٤)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل مسجد قباء (٤/ ١٢٧/ ح ١٣٩٩).
[ ١٨٣ ]
ومعنى أنه ﷺ كان يأتي قباء كل سبت؛ أي: يزوره مرة في كل أسبوع، وعُبر بالسبت عن الأسبوع كما يعبر عن الأسبوع بالجمعة (^١).
ولا يشرع قصد مسجد قباء بشد الرحال إليه؛ لخصوصية ذلك بالمساجد الثلاثة السابق ذكرها، وإنما يقصده من بيته كما يقصد الرجل مسجد مصره الذي يأتيه من القرب، فمسجد قباء يُختص بإحيائه بالزيارة أسبوعيًّا دون السفر (^٢).
وقد اشتركت تلك المساجد الأربعة بأمور تربط بينها، واختصت بها دون بقية المساجد، أهمها أمران (^٣):
١ جاء تحديد مكانها بوحي من الله ﷻ.
٢ كلها بناها رسل الله ﵈.
وأن المساجد الثلاثة: النبوي والأقصى، وقباء، يتم إحياؤها بالعبادات المشروعة كالصلاة والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف.
فكل ما يشرع فيها من العبادات، يشرع في سائر المساجد، ولم يشرع فيهم عبادات خاصة كالمسجد الحرام.
_________________
(١) يُنظر: موسوعة العلامة الألباني في العقيدة (٢/ ٥٠٩). ومما يؤيد أن المقصود بزيارة النبي ﷺ لقباء السبت؛ يعني: مرة في الأسبوع وليس يوم السبت بعينه: ١ جاء عن النبي ﷺ أنه زار قباء في غير يوم السبت. ٢ ورد في الحديث السبت مجرد عن إضافة كلمة: يوم قبله. ٣ جاء في كلام العرب وأشعارهم إطلاق السبت يريدون بذلك مرور أسبوع؛ كقول أنس بن مالك ﵁ في حديث الاستسقاء: لم نرَ الشمس سبتا فدل على أن المقصود به الأسبوع وليس يوم السبت بعينه، يُراجع تفسير العلماء لقول الصحابي: كالزين بن المنير، المحب الطبري، والنووي، يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (٢/ ٥٠٤)، عمدة القاري، للعيني (٧/ ٤٠)، النهاية، لابن الأثير (٢/ ٣٣١).
(٢) يُنظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٣٤٢)، قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق، لابن تيمية (٤٧).
(٣) يُنظر: تتمة أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لعطية سالم (٨/ ٣٢٤ - ٣٢٥).
[ ١٨٤ ]
كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: المساجد جميعها تشترك في العبادات، فكل ما يفعل في مسجد يفعل في سائر المساجد، إلا ما خص به المسجد الحرام، من الطواف ونحوه، فإن خصائص المسجد الحرام لا يشاركه فيها شيء من المساجد، كما أنه لا يصلى إلى غيره.
وأما مسجد النبي ﷺ، والمسجد الأقصى، فكل ما يشرع فيهما من العبادات، يشرع في سائر المساجد: كالصلاة والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف، ولا يشرع فيهما جنس لا يشرع في غيرهما: لا تقبيل شيء، ولا استلامه، ولا الطواف به ونحو ذلك، لكنهما أفضل من غيرهما، فالصلاة فيهما تضاعف على الصلاة في غيرهما (^١).
وقال أيضًا ﵀: وقد اتَّفق المسلمون على أنَّه لا يُشرَعُ الطوافُ إلاَّ بالبيتِ المعمور، فلا يَجوزُ الطوافُ بصَخرَةِ بيت المقدس، ولا بِحُجرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، ولا بالقُبَّةِ الَّتِي في جبَلِ عرفات ولا غير ذلك، وكذلك اتفق المسلمون على أنه لا يشرع الاستلام ولا التقبيل إلا للركنين اليمانيين؛ فالحجر الأسود يستلم ويقبل واليماني يستلم، …
وأما غير ذلك فلا يشرع استلامه ولا تقبيله؛ كجوانب البيت والركنين الشاميين؛ ومقام إبراهيم والصخرة والحجرة النبوية وسائر قبور الأنبياء والصالحين (^٢).
يتبين مما سبق أن المسجد الحرام تميز بصور من الإحياء، وأنواع من العبادات الخاصة، وأن المساجد الثلاثة (النبوي الأقصى قُباء)، تميزت واختصت بالفضل ومضاعفة الأجر، وكذلك اختصت المساجد الثلاثة دون قباء بشدّ الرحال إليها.
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٣٥٤).
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٥٢١).
[ ١٨٥ ]