يتبيَّن من حكم المسألة السابقة عدم جواز دخول ديار المعذبين وقصدها للاعتبار أو إنشاء السير لها من غير حاجة؛ فضلًا عن فتح باب السياحة إليها، والتشجيع لشدّ الرحال لها.
وقد قامت هيئة كبار العلماء بدراسة حول ديار ثمود وتحديد موضعها، وإصدار قرار على المعاملة (^١) المتعلقة بحكم إحياء أرض ديار ثمود.
وبعد دراسة مجلس الهيئة، وتداول الرأي قررت الاتفاق على أنه لا يجوز إحياء أراضي ديار ثمود، للأحاديث الصحيحة (^٢).
وقد تم بعد ذلك تحديد المحظور إحياؤه من أرض ديار ثمود وذلك ببيان ما جاء في نصوص الكتاب والسُّنَّة، وما يتعلق بتحديد ديار ثمود عند أئمة اللغة، والتفسير، وشراح الحديث، وعلماء التاريخ، وبتحري سؤال أهل الخبرة (^٣).
_________________
(١) الوارد إلى رئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، خطاب المقام السامي رقم (٥٥٧٦) بتاريخ ٢٦/ ٣/ ١٣٩٢ هـ، المحال إلى الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، بخصوص رغبة الملك فيصل ﵀ في أن تقوم هيئة كبار العلماء بدراسة: حكم إحياء أرض ديار ثمود، وموافاته ﵀ بما يتقرر. فجرى عرض ذلك على مجلس هيئة كبار العلماء في دورتها الثانية المنعقدة في أول شهر شعبان حتى ١٣ منه عام ١٣٩٢ هـ.
(٢) هيئة كبار العلماء: عبد الرزاق عفيفي، محضار عقيل، محمد الأمين الشنقيطي، عبد الله خياط، عبد الله بن حميد، عبد العزيز بن باز، عبد العزيز بن صالح، عبد المجيد حسن، محمد الحركان، سليمان بن عبيد، إبراهيم بن محمد آل الشيخ، صالح بن غصون، راشد بن خنين، عبد الله بن غديان، محمد بن جبير، صالح اللحيدان. أبحاث هيئة كبار العلماء (٣/ ٧٠).
(٣) بحث مستوفى وشامل لتحديد ديار ثمود، لمعرفة المزيد يُنظر: أبحاث هيئة كبار العلماء (٣/ ٤٩ - ١١٣).
[ ٢٤٤ ]
ثم بعد ذلك أصدرت اللجنة العلمية قرار تحريم إحياء ديار ثمود (^١) مع تحديد الموضع المحرم إحياؤه (^٢).
حيث قامت الدولة وفقها الله آنذاك بتخطيط الأماكن، وعمل سياج حول الأراضي التي صدر القرار بعدم جواز إحيائها (^٣).
قال الشيخ العلامة د. صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله: ولا تجوز الإقامة فيها [ديار المعذبين]، ولا فتح مشاريع استثمارية فيها، من مطاعم ومقاه، وفنادق، مما يُرغب في زيارتها ويجلب الكفار السيّاح إلى بلاد المسلمين (^٤).
وقال حفظه الله: نحن لا ننظر إليها [ديار المعذبين] نظر إعجاب ونفتخر بها، أو ننظر إليها اقتصاديًّا، كما تفعل الدول غير المسلمة، أو المسلمة المقلّدة لها؛ لأن هذا يخالف ما جاء به ديننا نحوها، من عدم العناية بها وحمايتها فضلًا عن استثمارها (^٥).
إذ إن تنظيم البرامج السياحية، وإعداد جولات النزهة، لديار المعذبين يُخشى منها؛ عدم تحقق الشرط المبيح للدخول والمكث (^٦)، هذا على تقدير جواز قصدها بالزيارة لغير حاجة! (^٧)
إذ لم تغن عنهم قوتهم، ولم تردّ عنهم العذاب الذي حاق بهم، وبقيت تلك المساكن بعدهم عبرة وعظة للقرون اللاحقة، كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلًا
_________________
(١) استنادًا على الأئمة والعلماء القائلين بالمنع منهم: الخطابي، أحمد بن حنبل، محمود العيني، ابن القيم، ابن حجر العسقلاني، وغيرهم. يُنظر: أبحاث هيئة كبار العلماء (٣/ ٥١).
(٢) قرار رقم (٣٠) بتاريخ ٢١/ ٨/ ١٣٩٤ هـ. يُنظر: أبحاث هيئة كبار العلماء (٣/ ٧٨ - ٨١).
(٣) يُنظر: تحذير الموحدين من تتبع آثار المشركين، لسعيد العمر (٥٥).
(٤) حكم إحياء الآثار (١٠).
(٥) المرجع السابق.
(٦) يُنظر: حراسة السياحة، لعلي الأحمد (١٧ - ١٨).
(٧) يُنظر: شرح العمدة في الفقه، لشيخ الإسلام ابن تيمية (٥٠٨).
[ ٢٤٥ ]
وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ *﴾ [القصص] (^١).
قال ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية: لم يسكنها إلا المسافر، ومارُّ الطريق يومًا أو ساعة (^٢)؛ لشؤم ما وقع فيها من معاصيهم (^٣).
وعلى هذا التقدير: لم تسكن من بعد هلاك أهلها إلا قليلًا؛ لأن منازل المهلَكين لم تسكن بعد هلاكهم ألبته، ولم يخلفهم فيها أحد، فبقيت خرابًا غير مسكونة (^٤).
ومعلوم أن العقيدة الإسلامية لا تقف ضد الدراسات التاريخية (^٥) من حيث كونها دراسات، ولكن تهمها المقاصد والغايات، فإن كان المقصد التذكير بمآل ومصير الأمم الهالكة فنعم (^٦)، فبالآيات القرآنية التي تقرع القلوب، وبالآثار المروية الصحيحة، التي وصفت لنا حالهم ومآلهم.
وقد قال أحد السلف: مَنْ لم يردعه القرآن والموت، ثم تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع (^٧).
أما الالتزام بربط المسموع بالحس للتعليم والتذكير، فهذا قد يؤثر في مسألة عدم الإيمان وتصديق الخبر إلا إذا كان مرئيًا ماديًا محسوسًا، وهو السبب الرئيس الذي دفع المشركين لتجسيد الآلهة والمعبودات، والمؤدي غالبًا إلى عبادة الأصنام والأوثان (^٨).
_________________
(١) يُنظر: أحكام السياحة، لابن جبرين (٦٠ - ٦١).
(٢) يُنظر: الكشف والبيان، للثعلبي (٧/ ٢٥٦).
(٣) يُنظر: فتح القدير، للشوكاني (٤/ ١٨١).
(٤) يُنظر: التفسير البسيط، للواحدي (١٧/ ٤٢٩)، والوسيط في تفسير القرآن المجيد، له (٣/ ٤٠٤).
(٥) ذكرت في التمهيد لفتة عن أهمية معرفة التاريخ راجع فضلًا (٣٤).
(٦) يُنظر: أحكام السياحة وآثارها، لهاشم ناقور (٢٣٣).
(٧) المقولة للحسن بن عبد العزيز الجذامي الجروي المصري (ت: ٢٦٠ هـ). يُنظر: تاريخ الإسلام، للذهبي (٦/ ٦٦).
(٨) يُنظر: تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، لأبي الريحان البيروني الخوارزمي (٧٨)، تعظيم المشاهد والآثار، لعبد العزيز الجفير (٦٤).
[ ٢٤٦ ]
وختامًا فالصفة الجائزة في هذا المطلب واحدة وهي مماثلة النبي ﷺ في الصورة والقصد عند المرور بديار المعذبين؛ كمروره ﷺ وأصحابه ﵃، عرضًا من غير قصدها، مع الالتزام في حال المرور بالاعتبار والتفكر والبكاء، والاتعاظ بعاقبة أمر المعذبين، مجانبًا الإعجاب بأبنيتهم حتى مغادرة موضع العذاب (^١)؛ لأنه لم يؤثر فيما أعلم عن أحد من السلف أنه كان يقصدها بالزيارة دون حاجة.
فإن قصد به التقرب إلى الله والتعبد فهو من الابتداع في الدين، وإن قُصد به الإعجاب والفخر والتكسّب وراء ذلك فهو من مشابهة المشركين والكفار والملاحدة، نسأل الله تعالى الهداية والتوفيق للجميع.
* * *
_________________
(١) كما نبّه الحافظ ابن حجر ﵀ إلى حال المسلم عند المرور من ديار المعذبين فقال: ليس المراد الاقتصار في ذلك على ابتداء الدخول بل دائمًا عند كل جزء من الدخول. فتح الباري (١/ ٥٣٠).
[ ٢٤٧ ]
المبحث الرابع
الآثار الوثنية والجاهلية
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول:
الآثار الفرعونية.
المطلب الثاني:
الآثار الفينيقية.
المطلب الثالث:
الآثار البابلية.
المطلب الرابع:
الآثار الجاهلية.
المطلب الخامس:
حكم إحياء الآثار الوثنية والجاهلية.
[ ٢٤٩ ]