أرسل الله ﷻ إلى أصحاب مدين شعيبًا ﵇ رسولًا منهم يدعوهم بدعوة جميع الأنبياء والرسل قبله إلى توحيد الله ونبذ الشرك، ثم نبههم على ما هم عليه من ظلم وجور، ومنكرات من التطفيف في المكيال والميزان (^٣).
وقد تلطّف في دعوته ﵇ بالترغيب والترهيب، وأحسن مراجعتهم، وتذكيرهم بالبعث والنشور واليوم الآخر، ثم توعدهم وحذّرهم من مصير من قبلهم، فاستجاب له رهط من قومه وآمنوا به.
ولكن على الرغم من الجهود التي بذلها نبي الله شعيب ﵇ في دعوتهم، ومعالجة هذه الانحرافات، لم يلق منهم غير العناد والتكذيب، والصدّ والإعراض، والسخرية، والأذية، والتهديد بالرجم، كما جاء وصفهم في القرآن: ﴿قَالُوا ياشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ *﴾ [هود].
_________________
(١) يُنظر: المعالم الأثيرة في السُّنَّة والسيرة (٢٤٣).
(٢) يُنظر: أسباب هلاك الأمم السالفة (٢٢٧ - ٢٣٢ وأيضًا ٤٥٢).
(٣) المقصود به هنا: التطفيف بالمعاملات وحق الأموال، كما توعّد الله تعالى من فعل فعلهم بقوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ *﴾ ومن المهم التنبيه إلى أن التطفيف لا يقتصر على المعاملات المالية، وإنما يشمل جميع الحقوق، فكل من يستوفي حقه كاملًا، ولا يفي بالحق الذي عليه فهو مطفف موعود بالويل، مثال ذلك من واقعنا: الموظف الذي يأخذ راتبه كامل، ويتهاون بأداء عمله ونظام أوقات العمل المحددة، وكذلك بعض الأزواج يطالب زوجته بأن تقوم بحقه كاملًا ولكنه يتهاون بحقها وغيره من الأمثلة كثير، فهؤلاء مطففون موعودون بالويل. يُنظر: اللقاءات الشهرية، لابن عثيمين (٣/ ٣٤٦ - ٣٥٤).
[ ٢٣٠ ]
ومن مظاهر استكبارهم واستعلائهم، تهديد الملأ المستكبرين من قومه بإخراجه ﵇ هو ومن معه، كما قال الله ﷻ عنهم: ﴿قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ *﴾ [الأعراف].
فخلّد الله ﷻ ذكره في القرآن الكريم، فذُكرت قصته في كثير من السور (^١)، وذكر قومه مع مجمل الأمم في سور أخر (^٢).