العرب في شبه الجزيرة كانوا على قسمين (^٥):
١ قسم اتبع أهل الكتاب: اليهود والنصارى.
٢ قسم كان على الحنيفية: دين إبراهيم وإسماعيل ﵉.
_________________
(١) يُنظر: القواعد الأربع، لمحمد بن عبد الوهاب (٦/ ١٤٤).
(٢) يُنظر: أصول الدين الإسلامي مع قواعده الأربع (٣٦).
(٣) يُنظر: شرح القواعد الأربع، لصالح الفوزان (٣٤ - ٣٦)، شرح القواعد الأربع، لعبد العزيز الراجحي (إلكتروني).
(٤) يُنظر: شرح مسائل الجاهلية، لصالح الفوزان (١٠).
(٥) يُنظر: البداية والنهاية (٧/ ١٧٥).
[ ٢٧٩ ]
واستمروا على ذلك حتى ظهر الشقي عمرو بن لحي الخزاعي، الذي كان ملكًا على الحجاز، وسيدًا مُطاعًا لا يُعصى، يُطعم الطعام، ويحمل المغرم، ويُظهر التنسك، والعبادة والصلاح (^١).
روي أنه مرض وذهب إلى الشام؛ للعلاج، وشاهد أهلها يعبدون الأصنام، فاستحسن ذلك، وعاد ومعه أصنام من الشام.
فجاءه الشيطان فأغواه ودلّه على أماكن أصنام قوم نوح ﵇ ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر والتي طمسها الطوفان ودفنها (^٢). ثم أخذ يبحث وينقّب عنها، فنبشها وأخرجها، ووزعها على قبائل العرب وأمر بعبادتها؛ وقبلوا منه ذلك (^٣).
فاتخذت قبيلة هذيل بن مدركة بأرض ينبع «سواعا»،
واتخذت قبيلة كلب بدومة الجندل ودا (^٤)،
واتخذت قبيلة مذحج وأهل جرش «يغوث»،
واتخذت قبيلة همدان بالقرب من صنعاء «يعوق»،
واتخذت قبيلة حمير «نسرا»،
فكان هو الساعي في إحياء آثار الأصنام الخمسة التي كان يعبدها قوم نوح ﵇، وإخراجها للناس، وإعادة الشرك في جزيرة العرب (^٥).
وأيضًا جعل هبل (^٦) الذي أتى به من الشام في جوف الكعبة (^٧)،
_________________
(١) يُنظر: أخبار مكة، للأزرقي (١/ ١٩٣).
(٢) قِيل: إنها بعد الطوفان أهبط الله الأصنام من أرض إلى أرض، حتى قذفها إلى أرض جدة، فلما نضب الماء بقيت على الشط، فساقت الرياح عليها التراب، حتى وارتها. يُنظر: مختصر سيرة الرسول ﷺ، لمحمد بن عبد الوهاب (٥١).
(٣) يُنظر: البداية والنهاية، لابن كثير (٣/ ١٩٤).
(٤) ودًّا: هدمه خالد بن الوليد ﵁ وجعله جذاذًا، بأمر من رسول الله ﷺ. يُنظر: مختصر سيرة الرسول ﷺ، لمحمد بن عبد الوهاب (٥١).
(٥) يُنظر: الأصنام، لأبي المنذر الكلبي (٩ - ١٣).
(٦) صنم من عقيق أحمر على صورة إنسان، مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش كذلك، فجعلوا له يدًا من ذهب. يُنظر: الأصنام، لأبي المنذر الكلبي (٢٨). ولما فتح رسول الله ﷺ مكة رأى حول البيت (٣٦٠) صنمًا، معهم هُبل، فجعل يطعن في وجوهها فتتساقط، ثم أمر بها فأخرجت من المسجد وحُرّقت. مختصر سيرة الرسول ﷺ، لمحمد بن عبد الوهاب (٥٤).
(٧) يُنظر: أخبار مكة، للأزرقي (١/ ١٩٣)، مختصر سيرة الرسول ﷺ، لمحمد بن عبد الوهاب (١٢).
[ ٢٨٠ ]
ونصب مناة (^١) على ساحل البحر الأحمر بين المدينة ومكة،
واللات (^٢) بالطائف، والعزى (^٣) بوادي نخلة بين مكة والطائف،
فعمّ الشرك أرجاء البلاد، وكثرت الأصنام والأوثان في كل بقعة من الحجاز (^٤).
فكان من تلك الأصنام ذو الخلصة (^٥) بتبالة، بين مكة واليمن (^٦).
ورُوي أنه أمر الناس بعبادة وثنيّ: إساف ونائلة (^٧) والتمسح بهما، بعد
_________________
(١) قام بهدمها علي بن أبي طالب ﵁ بعدما بعثه الرسول ﷺ عام الفتح. يُنظر: مختصر سيرة الرسول ﷺ، لمحمد بن عبد الوهاب (٥٢)
(٢) اللات عبارة عن صخرة مربعة، كان أحد اليهود يلت عندها السويق. يُنظر: الأصنام، لأبي المنذر الكلبي (١٦). قام بهدمها وحرقها بالنار المغيرة بن شعبة ﵁، بعدما بعثه النبي ﷺ. يُنظر: مختصر سيرة الرسول ﷺ، لمحمد بن عبد الوهاب (٥٢).
(٣) يقول الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد ﵀ فقال: «ائت بطن نخلة فإنك ستجد ثلاث سمرات فاعضد الأولى». فأتاها فعضدها. فلما جاء إليه قال: «هل رأيت شيئًا؟» قال: «لا» قال: «فاعضد الثانية»، فعضدها. ثم أتى النبي ﷺ قال: «هل رأيت شيئًا؟» قال: «لا» قال: «فاعضد الثالثة». فأتاها فإذا هو بحبشية نافشة شعرها واضعة يديها على عاتقيها، تضرب بأنيابها، وخلفها سادنها ثم ضربها ففلق رأسها فإذا حممة، ثم عضد الشجرة وقتل السادن. ثم أتى النبي ﷺ فأخبره فقال: «تلك العزى، ولا عزى بعدها للعرب». مختصر سيرة الرسول ﷺ (٥٣).
(٤) يُنظر: مختصر سيرة الرسول ﷺ، لمحمد بن عبد الوهاب (١٣).
(٥) مروة بيضاء منقوش عليها كهيئة التاج. يُنظر: الأصنام، لأبي المنذر الكلبي (٣٤). وقيل: بأنها بيت بداخله صنم يدعى الخلصة، وتسمى كذلك ب الكعبة اليمانية. يُنظر: لسان العرب (٧/ ٢٦).
(٦) يُنظر: الأصنام، لأبي المنذر الكلبي (٢٨ - ٣٤). قام بهدمها جرير بن عبد الله البجلي ﵁ بعدما قال له رسول الله ﷺ: «ألا تريحني من ذي الخلصة». يُنظر: إلى ما أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب حرق الدور والنخيل (٤/ ٦٢/ ح ٣٠٢٠)
(٧) إساف ونائلة: رجل وامرأة من جرهم فجرا في الكعبة، فمُسخا حجرين، وعُلقا في بيت الله؛ ليتعظ الناس بهما، فلما طال مكثهما وعُبدت الأصنام، عُبدا معها، وكانوا ينحرون ويذبحون عندهما. يُنظر: أخبار مكة، للأزرقي (١/ ١٩٣)، سيرة ابن إسحاق (٢٤ - ٣٤).
[ ٢٨١ ]
أن نقلهما إلى الكعبة ونصبهما (^١).
فكان الشقي عمرو بن لحي هو أول من أحيا آثار الأصنام والأوثان في جزيرة العرب، وأخرجها من تحت الرمال، وغيّر دين الحنيفية، وسيب السائبة (^٢)، ووصل الوصيلة (^٣)، وبحر البحيرة (^٤)، وحمى الحامية (^٥)؛ (^٦) ولذلك رآه النبي ﷺ: «يجرُّ قُصْبَهُ (^٧) في النار» (^٨).
فكانت حالة العالم آنذاك في ضلال وظلام حالك.
حتى أرسل الله ﷻ خاتم المرسلين نبيّنا محمد ﷺ؛ ليقضي على مظاهر الوثنية والجاهلية، فكسر الأصنام والأوثان، وطهر الله ﷻ به ﷺ الجزيرة العربية بأسرها من رجس الأوثان، وعادت غالب العرب بفضل الله إلى التوحيد.