لم يستمر حكم الفراعنة في مصر إلا حقبة من الزمن، ثم بعد ذلك هجم عليهم الروم، وأغاروا عليهم، وأبطلوا ديانة مصر القديمة، فحكموا مصر في القرن الأول الميلادي، وعمموا الديانة النصرانية (^٣).
حتى وصلت الفتوحات الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب ﵁ إلى مصر، وأصبحت من بلاد المسلمين عام (٢٠ هـ) على يد عمرو بن العاص ﵁ واعتنق أهلها الإسلام، وما زالت ولله الحمد حتى وقتنا الحالي (^٤).
فعاش المسلمون قرونًا طويلة (^٥) لا يعيرون التاريخ القديم وآثار الفراعنة اهتمامًا، ولا يكترثون لها، وذلك يرجع إلى عدم اهتمام المسلمين بما ليس له ارتباط في الدين، ولا أهمية، فكان الغموض يحيط بتاريخ الفراعنة لمرورها
_________________
(١) يُنظر: أصنام في بلاد الإسلام، لأبي الوفاء محمد درويش (٤).
(٢) يقصد: عقيدة الحلول. يُنظر: دراسات في الأديان الوثنية القديمة (٨٥).
(٣) يُنظر: التفسير الديني في المعتقدات العراقية والمصرية القديمة، لصالح القريشي (١٨)، موسوعة تاريخ مصر عبر العصور، لمجموعة من المؤلفين (٤٩٩).
(٤) يُنظر: فتوح مصر والمغرب، لأبي القاسم المصري (١٠٤)، فتوح الشام، للواقدي (٢/ ٣٢)، فتوح البلدان، لأحمد البَلَاذُري (٢١٦).
(٥) تقريبًا (١٢) قرنًا، فتح المسلمين مصر في القرن (٧ م)، ودخلت الحملات الصليبية للتنقيب القرن (١٩ م).
[ ٢٥٧ ]
بفترتين من التحوّل: بالنصرانية، ثم لنور الإسلام (^١)، الذي انتشل الناس من أوحال الوثنية والشرك، وقطع الصلة بينه وبين الجاهلية، التي تعمّ أرجاء بلاد مصر آنذاك.
ولم يُذكر في كتب التاريخ فيما أعلم أن الآثار الفرعونية كانت موجودة عندما فتح المسلمون مصر، أو أنهم رأوها.
كما أشار أحد المؤرخين إلى عدم وجود بعض الآثار آنذاك بقوله: كان أكثرها مغمورًا بالرمال ولا سيما أبا الهول (^٢).
ومما يؤكد ذلك أنّ أبا الهول في القرن التاسع الهجري لم يظهر منه إلا الرأس والعنق فقط كما أشار إلى ذلك مؤرخ الديار المصرية أبو العباس المقريزي ﵀ (^٣).
حتى بدأت رحلات الغرب الاستكشافية للتنقيب عن الآثار، وإحياء التاريخ القديم على أيدي الفرنسيين في القرن التاسع عشر الميلادي (^٤).
فكان الإسهام الكبير في إحياء آثار الفراعنة على يد المستشرقين الذين كان همهم الأكبر هو إحياء القومية الوثنية والجاهلية في بلاد المسلمين؛ لتحقيق مطامعهم (^٥).
فأول وأشهر بعثات الآثار في ديار المسلمين هي تلك الحملة الصليبية التي قادها نابليون (^٦) على بلاد مصر المسلمة عام (١٧٩٨ م)، تجاوز عدد أعضاء الحملة المائة من أهل الاختصاص، وتنوعت تخصصاتهم ما بين علماء الطب، والهندسة، ومنقبي الآثار، وعلماء التاريخ والجغرافيا، وخبراء علم
_________________
(١) يُنظر: موسوعة تاريخ مصر عبر العصور (١٩).
(٢) شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز، للزركلي (٤/ ١١٨٨).
(٣) يُنظر: المواعظ والاعتبار، للمقريزي (١/ ١٢٩).
(٤) يُنظر: موسوعة تاريخ مصر عبر العصور (١٩).
(٥) علم الآثار وبيان المنهج الإسلامي، لعمر بن محمد العمر (١٠١٩) بتصرف.
(٦) نابليون بونابرت، كان قائد عسكريًّا فرنسيًّا، ثم توّج نفسه إمبراطورًا على فرنسا، أبحر إلى مصر عام (١٧٩٨ م) على رأس جيش مؤلف من (٣٨٠٠٠) جندي، وعرفت باسم الحملة الفرنسية على مصر، مات سنة (١٨٢١ م). يُنظر: الموسوعة العربية العالمية (٢٥/ ٩).
[ ٢٥٨ ]
الأرض، ومختصين في شتى العلوم؛ لاستخراج الآثار، وقراءة ما كُتب عليها (^١).
فأمر نابليون بإنشاء المجمع العلمي المصري، وكذلك المتحف الوطني المصري، حيث تولى أحد المستشرقين هيئة الآثار المصرية (^٢).
ويُذكر أن أحد أثرياء اليهود (^٣)، تبرع بعشرة ملايين دولار؛ لإنشاء متحف للآثار الفرعونية في مصر، وألحق به معهدًا لتخريج المختصين في هذا الفن، تحت إشراف لجنة مسؤولة عن إدارة المتحف والمعهد، يهدف إلى إنشاء جيل من المتعصبين للفراعنة (^٤)، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على ما في هذا الاتجاه من مصلحة صهيونية (^٥).
ثم توالت بعد ذلك البعثات الأجنبية الآثارية؛ لمعرفة المزيد من الآثار الفرعونية، ومن القرن (١٩ م) وحتى القرن الحالي ما زال المستشرقون من أوروبا يفدون إلى مصر مظهرين انبهارهم بالآثار الفرعونية الوثنية مشيدين بها (^٦).
وعلل أحد الباحثين سبب بدء المستشرقين بالتنقيب عن الفراعنة في مصر؛ لملائمة البيئة المصرية الدينية في نشر التماثيل حيث كانت تنتشر الأضرحة والقبور والمشاهد والمزارات، وأيضًا لقرب مصر من أوروبا، الذين كان لهم العناية الكبيرة بالآثار الرومانية واليونانية، التي لها امتداد للأراضي المصرية (^٧).
_________________
(١) يُنظر: المدخل إلى علم الآثار (١٥٤)، وملامح علم الآثار وفن المتاحف، لممدوح درويش مصطفى (٥١)، ودور أهل الذمة (٣٣٤).
(٢) يُنظر: دور أهل الذمة (٣٣٥).
(٣) روكفلر الأمريكي، وهو من غلاة الصهاينة، وقد استرد هبته آنذاك، بسبب رفض الحكومة شرط إشراف الأجانب على المعهد الفني. يُنظر: الاتجاهات الوطنية (١٣٢ - ١٣٣)، والإسلام والحضارة الغربية، لمحمد محمد حسين (٢٣٧).
(٤) يُنظر: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر (١٣٢).
(٥) يُنظر: الإسلام والحضارة الغربية (٢٣٧).
(٦) يُنظر: موسوعة تاريخ مصر عبر العصور (٢٢)، تطور الفكر الغربي (٢٧)، دور أهل الذمة (٣٣١ - ٣٣٢).
(٧) يُنظر: تعظيم الآثار والمشاهد، لعبد العزيز الجفير (٣١٤).
[ ٢٥٩ ]