تقدم أن اتباع سُنَّة النبي ﷺ نوع من إحياء آثاره النبوية الحديثية المروية، ولذا فالموقف من اتباع السُّنَّة هو الموقف نفسه من الإحياء، فالقول فيهما واحد.
وقد ضرب رسولنا الكريم ﷺ مثلًا في أحوال الناس حين تلقيهم ما جاء به ﷺ من العلم والهدى، والذي أصبح أثرًا من آثاره النبوية الحديثية المروية.
حيث قال ﷺ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ (^٣)، أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ، لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» (^٤).
_________________
(١) طبقات الحنابلة، لابن أبي يعلى (١/ ٣٢٦).
(٢) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (٧/ ١٣٩).
(٣) قال أبو سليمان الخطابي: أجادب: واللفظة فيها تصحيف، وإنما هو الأجارد يقال: أرض جرداء ومكان أجرد، والجرد من الأرض فضاء لا نبات فيها. يُنظر: غريب الحديث (١/ ٧٢٣).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب فضل من علم وعلم، (١/ ٢٧/ ح ٧٩)، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب بيان مثل ما بعث به النبي ﷺ من الهدى والعلم، (٧/ ٦٣/ ح ٢٢٨٢).
[ ٥٩ ]
فشبّه النبي ﷺ المطر الذي ينزل على الأرض في حال حاجتهم إليه، بحال الناس، فكما أن الغيث يحيي البلد الميت، فكذا علوم الدين تحيي القلب الميت، ثم شبه السامعين له بما جاء به من الهدى، بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنها:
١ طائفة حفظت الماء وأنبتت الكلأ وهو العشب، فارتوى الناس من مخزونات مياهها ورعوا من كلئها وذلك مثل: العلماء العاملين الحفاظ الفقهاء.
٢ طائفة أمسكت الماء ولم تنبت كلأها؛ لأنها أجادب فارتوى الناس من مخزون مياهها؛ لأن لهم قلوب حافظة لكن ليست لهم أفهام ثاقبة، فهم يحفظونه حتى يأتي طالب محتاج متعطش لما عندهم من العلم فيأخذه منهم فينتفع به، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم وهم الحفاظ غير الفقهاء.
وفي كلا الطائفتين خير.
٣ طائفة لم تمسك ماء ولم تنبت كلأ، وهذا مثل من لم يقبل هدى الله الذي جاء به الرسول ﷺ ولم يرفع بذلك رأسًا (^١).
فالقسم الأخير المقابل للحفاظ الفقهاء، هم من لم ينتفعوا بالهدى والعلم، وهذا القسم يتفرع منه طوائف من أهل الضلال:
منهم من قبِل الآثار النبوية الحديثية المروية المتواترة دون الآحاد كالمعتزلة.
ومنهم من قبِل ما يوافق عقولهم، وما يخالفه ردوه ولم يقبلوه كأهل الكلام والعقلانيين وهم من أفراخ المعتزلة.
ومنهم من رد الآثار النبوية الحديثية المروية بأكملها، واكتفوا بالقرآن
_________________
(١) يُنظر: شرح النووي على مسلم (١٥/ ٤٦)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ١٧٦ - ١٧٧).
[ ٦٠ ]
دون السُّنَّة ك القرآنيين كما سيأتي بيان موقفهم (^١).
وقد أخبرنا النبي ﷺ عن هؤلاء وفضحهم قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، فقال ﷺ: «لا ألْفِيَنَّ أحدَكُم متَّكئًا على أريكته، يأتيه أمري: ممَّا أمرتُ به، أو نَهيتُ عنه، فيقولُ: لا أدْرِي، ما وجدْنا في كتاب الله اتَّبعْناهُ» (^٢).
وفي الآونة الأخيرة كثُرت وللأسف الشديد الهجمات الشرسة والحملات الشعواء على لواء السُّنَّة المطهرة، والآثار النبوية الشريفة؛ إذ جعلوا الاهتمام بالسنن، والحرص على تطبيقها في كل شؤوننا؛ عائقًا من عوائق تصحيح مسار المسلمين، وانتشالهم من أوحال الضعف بزعمهم.
فجاءت كتاباتهم، ومحاضراتهم مقررة لهذه الفكرة النكراء، تارة بالتصريح، وأخرى بالتلويح باسم الغيرة على السُّنَّة! (^٣).
فالنبي ﷺ حذرنا من هؤلاء، وبيَّن لنا أنه ﷺ أُعطي القرآن وأُعطي السُّنَّة كلاهما من عند الله ﷿ كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى *﴾ [النجم]، وأما ما زعموه فهو أصل من أصول أهل البدع والضلال والانحراف عن الحق، ولو تم الاستغناء عن السُّنَّة؛ لانهدم الدين من أساسه، ولانفتح باب الزندقة على مصراعيه (^٤).
فالواجب على المسلم أن يسعى سعيًا حثيثًا لإحياء الآثار النبوية الحديثية المروية الصحيحة والدفاع عنها من خلال تعلّمها والعمل بها، وتعلِيمها
_________________
(١) للوصول إلى موقفهم انتقل لطفًا (٣٤٨).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السُّنَّة، باب في لزوم السُّنَّة (٤/ ٣٢٩/ ح ٤٦٠٥)، والترمذي في جامعه، أبواب العلم عن رسول الله ﷺ، باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي ﷺ (٤/ ٣٩٨/ ح ٢٦٦٣)، وابن ماجه في سننه، أبواب السُّنَّة، باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ والتغليظ على من عارضه (١/ ٩/ ح ١٣)، وأحمد في مسنده، مسند الأنصار ﵃، حديث أبي رافع ﵁ (١١/ ٥٧٢٣/ ح ٢٤٣٨٤)، وفي صحيح سنن أبي داود (ج ٣/ ص ١١٨/ ح ٤٦٠٥) حكم عليه الألباني بأنه: صحيح.
(٣) الاهتمام بالسنن النبوية (٢/ ٧) بتصرف.
(٤) يُنظر: مكانة السُّنَّة (٢٦)، الإصباح في بيان منهج السلف في التربية والإصلاح، لعبد الله العبيلان (٢٩).
[ ٦١ ]
وتبليغها للناس، والمحافظة عليها، إذ إن مذهب أهل السُّنَّة والجماعة هو الاحتجاج بها وعدم ردها.
أما الذين يرون الاقتصار على القرآن دون السُّنَّة فهؤلاء ضالون مضلون، كما سيأتي تفنيد شبهاتهم بالتفصيل في الفصل الثاني (^١).
* * *
_________________
(١) للوصول إلى تفنيد شبهاتهم انتقل لطفًا (٣٨٢).
[ ٦٢ ]