بناءً على ما سبق تبيَّن أن الآثار النبوية المنفصلة عن جسد النبي ﷺ لها حالتان:
الأولى: ما كانت في عهد الصحابة ﵃ والتابعين ومن بعدهم (^٤)، من الذين وصلهم شيء من الآثار الثابتة نسبتها إلى النبي ﷺ، يقينًا، فهذه بيانها والمحافظة عليها جائزة؛ إذ هي موضع البركة (^٥).
إذ إن الآثار المنفصلة عن جسد النبي ﷺ لها من الخصوصية
_________________
(١) الآثار النبوية، لأحمد تيمور باشا (٧٩).
(٢) المرجع السابق (٨٤).
(٣) نقلًا من أحكام الآثار، لعبد الله الرميح (١/ ٢١٤).
(٤) يُنظر: التحذير من تعظيم الآثار غير المشروعة (٤/ ٢١٦).
(٥) يُنظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٥/ ٦٢).
[ ٨٥ ]
التي خصّه الله ﷻ بها دون غيره من البركة الذاتية، والحسية.
فإقرار النبي ﷺ على الصحابة بتبركهم بريقه (^١)، ونخامته (^٢)، ووضوئه (^٣)، والاحتفاظ بما انفصل عنه ﷺ، دليل على مشروعية فعل ذلك بما انفصل عنه ﷺ وبقي بعد وفاته، وهذا يعتبر نوع من الإحياء لآثاره ﷺ.
ومن المهم التنبيه إلى أنه لا يُقاس إحياء آثار النبي ﷺ بغيره من الصالحين؛ لأن الصحابة ﵃ لم يتبركوا بأحد من فضلائهم، بعد رسول الله ﷺ فكان إجماعًا منهم على تخصيص الرسول ﷺ دون سواه (^٤).
كما أكّد على ذلك الحافظ ابن رجب ﵀ قائلًا: وكذلك التبرك بالآثار ولما كان يفعله الصحابة مع النبي ﷺ ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم بعضًا، ولا يفعله التابعون مع الصحابة مع علو قدرهم (^٥)، كما سيأتي بيان حكمه بالتفصيل في الفصل الثاني (^٦).
الثانية: ما كانت في زماننا الحاضر من الآثار النبوية، فهذه لا يمكن إثبات صحتها؛ بل الدلائل تدل على كذب نسبتها للنبي ﷺ وتزييفها، وعليه فلا يجوز نسبتها إلى النبي ﷺ، فضلًا عن إحيائها والمحافظة عليها.
وإنما الواجب على المسلم أن يحيي الآثار النبوية من أقواله وأفعاله وسننه ويحافظ عليها ويلتزم بها في حياته.
_________________
(١) يُنظر: إلى ما أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب غزوة الطائف (ص ٣٥٤/ ح ٤٣٢٨)، ومسلم في صحيحه، فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين (ص ١١١٧/ ح ١٦٤).
(٢) يُنظر: إلى ما أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد (ص ٢١٧ - ٢١٨/ ح ٢٧٣١ - ٢٧٣٢).
(٣) يُنظر: إلى ما أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب استعمال فضل وضوء الناس (١٨/ ح ١٨٧)، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب سترة المصلي (٧٥٦/ ح ٢٥٠).
(٤) أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة (٤٢٥) بتصرف يسير، ويُنظر: فتح المجيد، لعبد الرحمن بن حسن (١٤٢)، المسائل العقدية المتعلقة بذات النبي ﷺ الشريفة، لفهد الجهني (٦٣٦ - ٦٣٩).
(٥) الحِكَم الجديرة بالإذاعة، لابن رجب «مجموع رسائله» (١/ ٢٥٢).
(٦) كما سيأتي تفصيل ذلك في (٤٩٥).
[ ٨٦ ]
وهذا هو الأولى والأحرى بالمسلم كما وجه بذلك رسول الله ﷺ أصحابه ﵃، حيث صرفهم ﷺ عن التبرك بآثاره الحسية إلى التبرك بآثاره الحديثية.
وذلك لما دعا النبي ﷺ بوضوئه وتوضأ به، بادر الصحابة ﵃ إلى وضوئه فشربوا منه ومسحوا وجوههم ورؤوسهم وصدورهم، فلما رآهم يصنعون ذلك (^١):
قال رسول الله ﷺ: «إن كنتم تحبون أن يحبكم الله ورسوله فحافظوا على ثلاث خصال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وحسن الجوار» (^٢).
علَّق الإمام الشاطبي ﵀ على هذا الحديث قائلًا: … هو مشعر بأن الأولى تركه [التبرك بالآثار النبوية الحسية]، وأن يتحرى ما هو الآكد والأحرى من وظائف التكليف (^٣).
وقال العلامة المحدّث ناصر الدين الألباني ﵀ معلقّا على هذا الحديث: انظر هذا اللطف في النقد من الأمر المفضول إلى الحكم الفاضل، لم يصدهم الرسول ﷺ صدًّا، وإنما مهد لهم تمهيدًا بأسلوب عظيم جدًّا: ما الذي يحملكم على هذا؟ قالوا: حب الله ورسوله وهم صادقون في ذلك،
فقال لهم: هذا لا يدل [على] حبكم لله والرسول!
الذي يدلكم على ذلك هو أن تعملوا بما جاء به الرسول ﷺ عن ربه ﷾ (^٤).
هذا ولا بد من التنبيه إلى جواز التبرك بآثار النبي ﷺ وعدم إنكاره،
_________________
(١) يُنظر: فتاوى الإمارات، الموسوعة العقدية للعلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني (٣/ ٩٠٢).
(٢) رواه الخلعي في الفوائد (١٨/ ٧٣/ ١)، وابن وهب في جامعه نقلًا عن الإمام الشاطبي في الاعتصام (٢/ ١٣٩)، ورواه عبد الرزاق في المصنف (١١/ ٧/ ١٩٧٤٨)، الطبراني في الأوسط (١/ ١٥٢/ ١)، والمعجم الكبير أيضًا (٤٧/ ١ مجموع ٦)، أخرجه ابن منده في المعرفة (٢/ ٢١/ ١)، (٢/ ٢٥٩/ ٢)، وكذا أبو نعيم في فوائد ميمونة كما في الإصابة، حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (ج ٦/ ق ٢/ ص ١٢٦٤/ ح ٢٩٩٨).
(٣) الاعتصام، للشاطبي (١/ ٤٨٥).
(٤) فتاوى الإمارات، الموسوعة العقدية للعلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني (٣/ ٩٠٢).
[ ٨٧ ]
ولكن لهذا التبرك شروط، منها (^١):
١ الإيمان الشرعي المقبول عند الله، فمن لم يكن مسلمًا صادق الإسلام فلن يحقق الله له أي خير بسبب تبركه هذا.
٢ الحصول يقينًا على أثر من آثار النبي ﷺ، ومن المعلوم أن آثاره ﷺ من ثياب أو شعر وغيرها قد فقدت، وليس لأحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين.
وإذا كان الأمر كذلك فإن التبرك بهذه الآثار أصبح أمرًا يستحيل في زماننا هذا.
نخلص مما سبق إلى الموقف الشرعي للمسلم تجاه الآثار المرئية المحسوسة المنسوبة إلى النبي ﷺ: كالشعر، البردة، النعل، العمامة، القدح، العصا … وغيرها:
أولًا: أن يعتقد المسلم قلّة ما خلّفه النبي ﷺ بعد وفاته، كما جاء في السُّنَّة الصحيحة (^٢)، وأن يعلم أن الآثار القليلة التي خلفها النبي ﷺ خضعت، وتعرّضت لأمور، منها:
١ الاستهلاك والدفن؛ وذلك لأن من يمتلك أثرًا نبويًّا ضَنِين به لنفسه، فغالبها يستهلكها أصحابها، أو يوصوا بأن يكفنوا بها، أو تدفن معهم في القبر.
٢ الفقدان، والتلف، والضياع؛ بسبب ما عانته الأمة الإسلامية وتعرضت له من: حروب، ونكبات، وفتن، وكربات.
ثانيًا: أن لا يقبل المسلم دعوى وجود الآثار النبوية المرئية المحسوسة في زماننا هذا؛ لأنها دعوى مجردة عن البرهان والدليل القاطع، إذ لا بد من إثبات الأثر المرئي المحسوس بأسانيد متصلة صحيحة تؤكد صحة نسبة هذا الأثر إلى النبي ﷺ كالأثر المروي تمامًا؛ لما يترتب عليه من أحكام شرعية، وقواعد مرعية.
_________________
(١) يُنظر: التوسل أنواعه وأحكامه، للألباني (١٤٤).
(٢) راجع لطفًا (٨١).
[ ٨٨ ]
فكما أن الآثار الحديثية المروية عن النبي ﷺ لا يُقبل منها إلا ما كان متصل السند عن الثقات العدول، كذلك الآثار المرئية! وهذا ما تميزت به هذه الأمة، بأنها: أمة إسناد.
كما قال الإمام عبْد الله بن المبارك (ت: ١٨١ هـ) ﵀: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء، ما شاء (^١).
* * *
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم (٦٧٦/ أثر: ٣٢).
[ ٨٩ ]