آثار مقامات النبي (ص) المكانية
إن معرفة الأماكن التي سلكها النبي ﷺ في جميع أحواله ﷺ المنقولة عنه؛ حفاظًا على السُّنَّة، هو مسلك العلماء الذين ألفوا في السيرة النبوية، وجمعوا الأحاديث وكتبوها، وضبطوا العلم الموروث عن الصحابة ﵃، وكذلك ما يترتب عليها من مسائل شرعية وقواعد مرعية متعلقة بتلك الأماكن.
كمسألة حدود الحرم، وما يتعلق بمضاعفة ثواب الصلاة فيه، وبئر بضاعة وعلاقتها بطهارة الماء، وحدود مشاعر الحج كمنى وعرفة ومزدلفة (^١).
وكذلك الاهتمام بمعرفة الأماكن التي تُقصد بالعبادة والقربة، من الصلاة والدعاء والوفاء بالنذر وما يترتب على تلك الأماكن من أحكام شرعية.
كما جاء عن رجل في عهد النبي ﷺ أنه نذر أن ينحر إبلًا بِبُوَانَةَ (^٢)
فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة،
فقال النبي ﷺ: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟» قالوا: لا.
قال: «هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» قالوا: لا.
قال: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَا لا يَمْلِكُ ابن آدَمَ» (^٣).
_________________
(١) يُنظر: أحكام عرفة، لصالح العصيمي (٥٧)، المزدلفة، لعبد العزيز الحميدي (١١ - ٥٨).
(٢) بوانة: هضبة من وراء ينبع قريبة من ساحل البحر. معجم البلدان، لياقوت الحموي (١/ ٥٠٥).
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأيمان والنذور، باب ما جاء في الحلف بالبراءة وبملة غير الإسلام (٣/ ٢١٩/ ح ٣٢٥٧)، وأيضًا في كتاب الأيمان والنذور، باب ما يؤمر به من وفاء النذر (٣/ ٢٣٦/ ح ٣٣١٣)، قال ابن الملقن: إسناد صحيح. يُنظر: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير: (٩/ ٥١٨)، وكذلك ابن حجر صحح سنده. يُنظر: التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير: (٤/ ٣٣١).
[ ٩٠ ]
فإحياء آثار المقامات المكانية التي قصدها النبي ﷺ، ومواضع السيرة النبوية بالدراسة، والتعلّم، وفهم الوقائع الحادثة؛ لأغراض علمية تقوم وتبنى عليها الأحكام الشرعية، هو المطلوب إحياؤه شرعًا (^١).
وأما ما جاء عن بعض المتأخرين والمهتمين بالآثار من إحياء مقامات النبي ﷺ التي لم يقصدها، بالعناية والاهتمام، وتسمية بعض المواضع بأنها نبوية؛ لمرور النبي ﷺ عليها ولو لبرهة من الزمن، وبناء المساجد لا للحاجة إلى المسجد لكن لأجل صلاته ﷺ فيه (^٢) وتسميته: مسجد نبوي (^٣)، واعتقاد فضل الصلاة فيه، وكذلك إطلاق على بعض الآبار بأنها نبوية؛ لاستقاء النبي ﷺ أو وضوئه منها، أو جلوسه عليها، وغيرها من المواضع، كلها إطلاقات لا تصح؛ لعدم ورودها عن السلف الصالح (^٤).
وعندما أُدرج بعض الأمثلة من المواضع والبقاع التي أُثر أن النبي ﷺ مكث فيها، أو وطئها عرضًا (^٥)، ضمن تقسيم المسألة الثانية، فهو من باب الحكاية عن القوم الذين سموها بذلك وحرصوا على التردد إليها، وليس من باب الإقرار والرضا بفضلها أو الحث والاهتمام بها؛ نزولًا للمخالف بهذه التسمية، وهو اصطلاح فُرض علينا ونحن نناقشه، كما أورد أهل العلم في كتبهم تلك المواضع لبيان حكم قصدها بالزيارة والتعبد، وليس لفضل كونها مقامات نبوية (^٦).
_________________
(١) وهي المواضع التي سأتحدث عنها بالتفصيل في المبحث الذي يليه، للوصول إليه انتقل فضلًا (١٧١).
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، لابن تيمية (٢/ ٢٧٦).
(٣) باستثناء المسجد النبوي، والمقصود بها المواضع التي صلى فيها النبي ﷺ عرضًا.
(٤) يُنظر: براءة الصحابة الأخيار من التبرك بالأماكن والآثار (٦٦١، ٦٩٤).
(٥) عرضًا أي: مصادفة واتفاقًا دون قصد أو عمد. يُنظر: المعجم المفصل، لإميل بديع (٢٣٧).
(٦) يُنظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٧١)، فيض الباري على صحيح البخاري، للديوبندي (٢/ ١٠٢)، فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية، لمحب الدين الخطيب (٢/ ٢٨٣)، الثمر المستطاب في فقه السُّنَّة والكتاب، للألباني (١/ ٤٧٢)، تسهيل العقيدة الإسلامية، لابن جبرين (٢٩٨)، شرح مسائل الجاهلية، لصالح الفوزان (٢٢٥).
[ ٩١ ]
وبسط هذا المطلب في المسائل التالية: