آثار المساجد وأماكن التعبّد
سبق في التمهيد بيان المعنى المراد من الآثار عند خبراء الآثار (^١)، حيث إنهم يركزون على العمر التاريخي للأثر وأن قيمته تُكتسب من خلال تقادم الزمن وتراكمه عليه وتباعده (^٢)، هذا من حيث اصطلاح المختصين بالآثار.
فالآثار المكانية: الدينية والتاريخية، من حيث اصطلاح خبراء الآثار، كل منهما يعد أثرًا مكانيًّا، لكن لا نسلّم لهم من حيث اكتساب القيمة والأهمية، ولا حتى بالتسمية المطلقة بكون المساجد وأماكن التعبد آثارًا؛ لأن المساجد وأماكن التعبد اصطبغت بالصبغة الدينية، واتصفت بالصفة الشرعية، واتسمت بكونها أماكن تعبد لا كونها آثارًا تاريخية (^٣).
وحيث إنه لا يجري ولا ينطبق اصطلاح خبراء الآثار على آثار المساجد
_________________
(١) راجع لطفًا التمهيد (٣٠).
(٢) يُنظر: تاريخ علم الآثار، لجورج ضو (٧)، ويُنظر كذلك: الآثار من منظور حضاري، لخيري، ومجلة الآثار، نقلًا من حماية الآثار في الفقه الإسلامي، لأحمد نوفل (١٠).
(٣) بالمقارنة مع الدراسات الأخرى، اختلف بعض الباحثين في إطلاق مسمى الآثار على الأماكن الدينية الإسلامية، على قولين هما: الأول: إثبات مسمى الآثار على الأماكن الدينية الإسلامية إطلاقًا، وممن ذهب إلى هذا الإطلاق: د. عبد العزيز الجفير في رسالته الماجستير والتي بعنوان: المشاهد والآثار. الثاني: نفى هذه التسمية إطلاقًا، وممن ذهب إلى هذا: د. خالد السيف في بحثه المعنون: أحكام الآثار في الشريعة الإسلامية والذي يظهر لي والله أعلم أنه يمكن الجمع بين هذين الرأيين والتوفيق بينهما كما تقدم الإشارة إليه في الأعلى بحيث إن الأماكن الدينية الإسلامية: إذا تم النظر إليها بتجرد عن الأدلة الشرعية تعتبر آثارًا. لكن لكون الشريعة الإسلامية أمرت بتعظيمها خرجت وارتقت وتُنزّه عن كونها آثارًا تاريخية إلى أماكن دينية إسلامية؛ لاكتساب قيمتها من الشريعة الإسلامية وليس من التراكم الزمني، والتباعد التاريخي.
[ ١٧٠ ]
وأماكن التعبد؛ لأنها لم تكتسب قيمتها الدينية لدى المسلمين من تقادم الزمن وتراكمه، وإنما بورود النص الشرعي في بيان فضلها وقدرها، والأمر بتعظيمها وإحيائها.
فالآثار التاريخية اكتسبت قيمتها عند الآثاريين من تباعد التاريخ، وتقادم الزمن كما ذكرت آنفًا بينما المساجد وأماكن التعبد الإسلامية اكتسبت قيمتها الدينية من خلال ورود الأدلة الشرعية في فضلها، والأمر الإلهي بتعظيمها، وليس من مضي السنين وتقادم الزمن.
فالعمر التاريخي للمساجد وأماكن التعبد وإن زادت أهميتها لدى خبراء الآثار غير المسلمين، إلا أنها لدى المسلمين ليست كذلك؛ بل إن فضلها ثابت ولا يختلف عند من عاصر بناها أو من جاء بعده إلى أن تقوم عليه الساعة (^١).
فنخلص إلى أن قيمة المساجد وأماكن التعبد ومكانتها بحسب ما ورد بالشرع من تفضيل، وبيان أن بعضها أعظم مكانة من بعض، بغض النظر عن عمرها الزمني.
كما هو حال المساجد الثلاثة، فالمسجد الأقصى أقدم من المسجد النبوي، ومع ذلك جاء الشرع بتفضيل المسجد النبوي على المسجد الأقصى في ثواب الصلاة فيه كما سيأتي بيانه في موضعه.
وبسط هذا المطلب في المسائل التالية: