مقدمة الرسالة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ، أما بعد
فقد قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].
فطر الله ﷾ البشر على التوحيد، وهو الأصل الذي كانوا عليه، ثم بعد ذلك تفرقوا واختلفوا بسبب الشرك، والذي كانت بدايته إحياء آثار قوم صالحين.
فأول شرك حصل على وجه الأرض كان في قوم نوح ﵇، ولم يظهر ذلك إلا بعد مرور نحو عشرة قرون بعد آدم ﵇، حيث إنهم كانوا على التوحيد، ولم يزل الشيطان دائبًا جادًّا مشمرًا في عداوة بني آدم، فزين لقوم نوح إحياء آثار الصالحين بنصب صورهم، ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وذهب العلم وجاء جيل جاهل عُبدت، كما جاء في الأثر الصحيح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أَمَّا وَدٌّ: كانت لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ: كانت لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ: فكانت لِمُرَادٍ، ثم لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ عند سَبَأٍ، وَأَمَّا يَعُوقُ: فكانت لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ: فكانت لِحِمْيَرَ، لآِلِ ذِي الْكَلَاعِ.
[ ١١ ]
أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسمّوها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك، وَتَنَسَّخَ العلم عُبِدَتْ (^١).
فلو جاءهم الشيطان نعوذ بالله منه من أول مرة وأمر قوم نوح بعبادتهم لم يطيعوه ولم يقبلوا ذلك؛ بل أمر الأولين بنصب الصور لتكون ذريعة لمن بعدهم أن يعبدوا الله عندها، ثم تكون عبادة الله عندها ذريعة إلى عبادتها ممن يخلفهم.
وللأمم المتأخرة ورث من الأمم الأولى فالأصنام التي في الأمم البائدة قد انتقلت إلى العرب كما جاء في الأثر الصحيح الموقوف عن ابن عباس ﵄ المذكور آنفًا.
والتي لم تضمحل إلا بعد أن بعث الله محمدًا ﷺ بالدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك، فقام ﷺ بتبليغ ما بعثه الله به أكمل قيام، وأوذي في الله أشد الأذى فصبر على ذلك وصبر معه أصحابه ﵃ على تبليغ الدعوة.
حتى أزال الله من الجزيرة العربية جميع الأصنام والأوثان التي كانت تُعبد من دون الله، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وكسرت الأصنام، وهدمت الأوثان، وعلت كلمة التوحيد وظهر الإسلام.
ولعل من خلال الإشارة إلى ما سبق، وجب التنبه إلى ما حدث في هذا الزمان الذي عج بالفتن، وتخبط الناس فيه بين الشبهات والشهوات، وكثرت فيه الدعوات حول إحياء معالم الماضي والتراث، والتباكي على اندراس الآثار، والمناداة بإحيائها، والافتتان بتتبعها، والعناية بها في مواضعها أو في معارض مخصصة، ولا يزال الجدال قائمًا بين الكثير من الناس حولها.
فالحديث عن هذا الموضوع الشائك يحتاج إلى بحث علمي دقيق رصين، بعيدًا عن الأحاسيس والعواطف الجياشة، من منظور شرعي عقدي
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، سورة نوح، باب: ودا ولا سواعا ولا يعوث ويعوق (٦/ ١٦٠/ ح ٤٩٢٠).
[ ١٢ ]
بحت؛ حفاظًا على الدين، وصيانة له من الوثنيات الجاهلية، وتجنبًا للانجراف في مستنقع الشرك والبدع.
ونظرًا لما يؤدي إليه إحياء الآثار من مخاطر تمس العقيدة، تقدمت بأطروحة ماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تحت عنوان:
تحريًا للحق، وتقصيًا لما كتبه أهل العلم الراسخون في ذلك؛ لكشف الشبهة، وإيضاح الحجة، والنصح لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم.