١ إحياء الآثار المروية بالعلم والحفظ والدراسة والمذاكرة.
٢ إحياء الآثار المرئية يشمل عدة معاني، منها ما يلي:
أ إحياؤها بالزيارة والتردد عليها.
ب إحياؤها بالتنقيب عنها ونبش الأرض لاستخراجها بعد أن كانت مطمورة.
ج إحياؤها بالاهتمام بها والترميم والتحسين وعمارتها والبناء عليها، وتهيئتها، وتسهيل الوصول إليها، وتزيينها بالجص والزخارف ونحو ذلك.
ولعل من المناسب الإشارة إلى أن علم الآثار والتنقيب عن القطع والهياكل الأثرية بصورته الحديثة علمٌ غربي محض، لا اهتمام للمسلمين به ولا عناية؛ بل اهملوه؛ لعدم أهميته.
ويُلاحظ ذلك من خلال ما تم عرضه من معاني الآثار المذكورة آنفًا عند السلف المتقدمين والمصنفين المتأخرين إذا ذُكر علم الآثار فإنه يقصد به: المرويات النبوية التي من أقواله وأفعاله وسيرته ﷺ، فتلك الكتب التي تجمع سُنَّة الرسول ﷺ هي كتب الآثار، وكذلك آثار السلف الصالح.
[ ٣٢ ]
هذا هو المراد من مصطلح علم الآثار عند المسلمين وقد سبق أن بيّنت مدلول هذه الكلمة آنفًا.
وكذلك ما اصطلحه أهل اللغة، في المعاجم الكبرى والتي شملت جميع العلوم والفنون، حيث إنهم يترجمون علم الآثار بأنه: علم يبحث عن أقوال وأفعال العلماء الراسخين وسيرهم في أمر الدين والدنيا (^١)، وهذا هو غاية ما يفهم من مصطلح علم الآثار قبل قرنين تقريبًا.
أما عن تأسيس «علم الآثار» كعلم مستقل له مقدماته وأدواته ونظرياته، وتصنيفه من العلوم الإنسانية المعروفة بالمصطلح العصري إنما هو من اختراعات الغرب.
فقد نشأ وأُسس على أيديهم؛ بل وتولوه حتى في ديار المسلمين، وتربعوا على أعلى المناصب من خلاله وصنف فيه مؤلفوهم المؤلفات والرسائل (^٢).
وبالطبع من خلال ما تقدّم يتبين مدى البون الشاسع بين مراد المسلمين وأهدافهم من الآثار، وبين نظرة الغرب المادية البحتة من دراسة الآثار واعتبارها حضارة من الحضارات (^٣).
حتى إنهم جعلوا مقياس الحضارة ما يكتشفون ويجدون من المخلفات المادية والفكرية التي سيطرت في القديم على الإنسان من علو طبقة على طبقة.
بينما مقياس الحضارة الحقيقي هو تخليص الإنسان وتحريره من عبودية
_________________
(١) يظهر ذلك عند النظر في معجم اصطلاحات العلوم والفنون: مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، والذي شمل معاني اصطلاحات أغلب العلوم: الغث منها والسمين، يقول مؤلفه في تفسير معنى علم الآثار: هو علم يبحث فيه عن أقوال العلماء الراسخين من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين وأفعالهم وسيرهم في أمر الدين والدنيا. يُنظر: مفتاح السعادة، لطاشْكُبْري زَادَهْ (٥٥٢).
(٢) يُنظر: دور أهل الذمة في إقصاء الشريعة، لماجد المضيان (٣٣٣).
(٣) يُنظر: المرجع السابق (٣٣٢).
[ ٣٣ ]
المخلوق، بإثراء فكره، ونشر العلوم النافعة، وتفقيه الناس، وسد فاقتهم واحتياجاتهم، وتوفير الأمن الفكري والأمان المعيشي.
لذلك نجد أن المجتمع الإسلامي يبرز في عصور القوة بالعلم النافع بين أفراده، وتفتح فيه المدارس والجامعات على اختلاف تخصصاتها، وتكثر فيها المؤلفات النافعة.
وفي المقابل فإن في عصور الضعف والظلم والطغيان يبرز فن العمارة والزخارف، وتشييد القصور التي يتفاخر أصحابها على أنها من عجائب الدنيا، ثم تصنف بعد انهيار الدولة وسقوط أصحابها بأنها آثار (^١).
والنتيجة التي نخرج بها أن علم الآثار في أصله غربي، ولا علاقة للمسلمين بالمفهوم الذي يرمي إليه المستشرقون.
ولا يُفهم من ذلك تنقّص علم التاريخ أو نبذه والتحذير منه؛ بل إن التاريخ هو أداة ربط الخلف بالسلف، إذ إن معرفة تاريخ الأمم مهم، وكما قيل: من ليس له ماضٍ ليس له حاضر.
فالتاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا (^٢).
كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فينبغي للعقلاء أن يعتبروا بسُنَّة الله وأيامه في عباده، ودأب الأمم وعاداتهم (^٣).
وقد أغنى الله ﷻ المسلمين بأعظم تاريخ، وأروع سيرة تحكي حياة أفضل البشر نبيّنا محمد ﷺ، وسيرة خلفائه ﵃ ومن بعدهم من الأئمة والحفاظ والقادة والفاتحين، والعلماء الأفذاذ، بما تشحذ به عقول المسلمين
_________________
(١) يُنظر: دور أهل الذمة في إقصاء الشريعة (٣٤٦ - ٣٤٧).
(٢) يُنظر: تاريخ ابن خلدون (١/ ١٣) بتصرف يسير.
(٣) يُنظر: مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٢٧).
[ ٣٤ ]
اليوم؛ ليتغذوا من سيرهم وأخلاقهم وصبرهم ومثابرتهم وجدهم، وثمرة جهودهم التي لا زال المسلمون ينهلون ويحصدون منها كل نافع ومفيد (^١)، هذا هو التاريخ الذي يحتاجه المسلمون اليوم.
أما عن تاريخ الأمم الهالكة، والتاريخ الجاهلي وتاريخ الفراعنة والبابلية وغيرهم من الآثار الوثنية، فلا حاجة للمسلمين إلا الاعتبار والاتعاظ بما حصل لهم من عذاب ونكال بسبب كفرهم وطغيانهم.
ولم يظهر الشغف لمعرفة التاريخ القديم وتعظيم الأمم البائدة والفخر والاعتزاز بهم إلا بعد ظهور الاهتمام بعلم الآثار الذي يزعمون أنه فرع من فروع علم التاريخ (^٢).
وما حصل بسببه من افتتان الناس بأمور تنافي الدين الإسلامي، والعقيدة الصحيحة: كاستخراج الأصنام، والتعصب للوثنيات، وإحياء القبور والغلو فيها وتعظيمها وتقديسها.
* * *
_________________
(١) يُنظر: تعظيم الآثار والمشاهد (٢٧٧).
(٢) يُنظر: الآثار والمشاهد وحكم المحافظة عليها في الشريعة الإسلامية، لنائل الصرايرة (١٢).
[ ٣٥ ]
الفصل الأول