حكى جماعة من أئمة السلف، من الصحابة (^١) والتابعين (^٢)، ومن بعدهم (^٣)، عدم مشروعية إحياء آثار مقامات النبي ﷺ المكانية بالزيارة بقصد تحري العبادة، والتقرب إلى الله ﷻ.
_________________
(١) إقرار جمهور الصحابة ﵃ على فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لما: ١ نهى ﵁ عن تتبع المواضع التي صلَّى فيها النبي ﷺ عرضًا. ٢ قطع ﵁ الشجرة.
(٢) كسعيد بن المسيب، ومالك، وسفيان، ووكيع وغيرهم ﵏.
(٣) يُنظر: البدع والنهي عنها، لابن وضاح (٩١)، الاعتصام، للشاطبي، (١/ ٤٤٨)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٧٥ - ٢٧٩)، وأيضًا: مجموع الفتاوى (٣/ ٢٧٤)، زاد المعاد، لابن القيم [ط: ١٥] (١/ ٥٤)، وتيسير العزيز الحميد، سليمان بن عبد الله آل الشيخ (٢٨٦)، فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (١/ ١٥٦ - ١٥٧)، مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز (١/ ٤٠٣)، موسوعة العلامة الألباني في العقيدة (٢/ ٤٩٣ - ٥١٥)، اللقاءات الشهرية، لمحمد العثيمين (٤/ ١٣٣)، البيان لأخطاء بعض الكُتّاب، لصالح الفوزان (٢/ ٥ - ٨) وأيضًا (٣٧ - ٤٣) وأيضًا (٥/ ٩٣ - ١٢٠)، حكم زيارة أماكن السيرة النبوية، لسعد الشثري (١٦)، التبرك أنواعه وأحكامه، لناصر الجديع (٣٤٣).
[ ١٠٤ ]
وأول من تصدى لبدعة تتبع آثار مقامات النبي ﷺ المكانية وتحري العبادة عندها، الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ (^١)، ثم بعد ذلك توالى أئمة السلف في كل قرن ينهون عن تحري العبادة عند الآثار، ويكرهون زيارتها.
ولتوضيح ذلك سأذكر أوجه تحريم إحيائها بالزيارة قصد التعبّد والقربة، كالتالي:
١ ثبوت النهي المقتضي للتحريم؛ استنادًا على فعل الخليفة الراشد، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ (^٢)، وإقرار الصحابة ﵃ له عندما نهى ﵁ عن الصلاة في المواضع التي صلى بها النبي ﷺ عرضًا.
كما جاء في الأثر الثابت عن المعرور بن سويد ﵀ قال: خرجنا مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ من مكة إلى المدينة، فلما أصبحنا صلى بنا الغداة، ثم رأى الناس يذهبون مذهبًا، فقال: أين يذهب هؤلاء؟
قيل يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ هم يأتون يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، يتبعون آثار أنبيائهم فيتخذونها كنائس وبيعًا، من أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل، ومن لا، فليمض، ولا يتعمّدها (^٣).
_________________
(١) أمر النبي ﷺ باتباع سُنَّته كما جاء في الحديث الصحيح قال ﷺ: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» سبق تخريجه راجع فضلًا (٤٨).
(٢) التحذير من تعظيم الآثار غير المشروعة (٤/ ٢٢٣).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢/ ١١٨/ ح ٢٧٣٤)، وسعيد بن منصور في سننه كما أشار شيخ الإسلام في الاقتضاء (٢/ ٢٧٣)، وابن وضاح في البدع والنهي عنها (٨٧)، وحكم عليه محققه: عمرو عبد المنعم سليم بأن: إسناده حسن، وأخرجه أيضًا الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٤/ ٣٩٧/ ح ٥٧٠٨)، وصحح الألباني: إسناده، وقال: على شرط الستة. يُنظر: الثمر المستطاب (١/ ٤٧٢)، وقال أيضًا في تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد (١٢٥): سنده صحيح على شرط الشيخين.
[ ١٠٥ ]
فهذه الحادثة حصلت في عهد الصحابة ﵃ عندما تتبعوا الآثار التي صلى بها النبي ﷺ، وأحيوها بالصلاة متابعةً واقتداءً به ﷺ.
وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا فعل فعلًا على وجه العبادة، شُرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة، خصصناه بذلك …
فلما كان النبي ﷺ لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه؛ بل صلى فيه لأنه موضع نزوله، رأى عمر ﵁ أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة؛ بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب، التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي ﷺ في الصورة، ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب، وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في النية أبلغ من المتابعة في صورة العمل (^١).
فالنبي ﷺ نزلها لكونها في طريقه، ولم يقصد الموضع أو البقعة بالعبادة، وإنما حصلت منه ﷺ اتفاقًا، وجلس ﷺ فيها مصادفة، وسلكها ﷺ عرضًا، ومن قصدها بالعبادة؛ فإنه يكون مخالفًا للنبي ﷺ في النية والقصد (^٢).
فلما أنكر عليهم أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين عن تتبع الآثار التي صلى فيها النبي ﷺ، دل ذلك على عدم مشروعية التتبع فضلًا عن القربة والتبرك، ولو اقتصرنا على هذا الدليل في عدم مشروعية إحياء آثار مقامات النبي ﷺ وتتبُعها لكفى.
٢ جاء في الأثر الثابت عن الإمام نافع ﵀: أن عمر ﵁ لما بلغه أن ناسًا يأتون الشجرة التي بويع تحتها، فأمر بها فقطعت (^٣)؛ أي: أنه ﵁
_________________
(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، لابن تيمية (٢٢٠ - ٢٢١).
(٢) يُنظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٧٨)، حكم زيارة أماكن السيرة النبوية (١٤ - ١٥).
(٣) سيأتي تخريجه انتقل فضلًا (١٢٢).
[ ١٠٦ ]
قطعها لما رأى مجرد تتبع موضعها فضلًا عن التعبّد عندها.
٣ أن زيارة آثار مقامات النبي ﷺ المكانية للتعبد بدعة محدثة؛ بدليل أن النبي ﷺ وصحابته الكرام ﵃ عاشوا سنوات عديدة قبل الهجرة وبعدها، في مكة والمدينة، ولم يقصدوا بقعة منها للعبادة، ولم يُنقل عن أحد منهم أنه زار جبل ثور أو حراء أو العقبة (^١)، أو موضع المولد وغيرها من المواضع السابق ذكرها للتعبد والتقرب.
ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعًا مستحبًّا يثيب الله عليه؛ لكان النبي ﷺ أعلم الناس، وأحرصهم على تبليغ هذا الأمر للصحابة ﵃، ولكان الصحابة ﵃ أسبق الناس وأرغب فيها ممن بعدهم، فلما كانوا لا يلتفتون إلى شيء من ذلك عُلم أنه من البدع المحدثة (^٢).
فكل أمر لم يكن مشروعًا في عهده ﷺ وعهد أصحابه ﵃ لا يمكن أن يكون مشروعًا بعد ذلك، ولو فُتح هذا الباب لفسد أمر الدين، ودخل فيه ما ليس منه (^٣).
٤ أن الأصل في العبادات الحظر (^٤)، إلا ما ورد الدليل بمشروعيته، فيكون قصد التقرب إلى الله بزيارة آثار مقامات النبي ﷺ المكانية محرم شرعًا، ولا يجوز إحياؤها بأي شكل كان؛ لعدم ورود الدليل بمشروعيته (^٥).
٥ أن قصد التقرّب لله تعالى عند آثار مقامات النبي ﷺ المكانية،
_________________
(١) يُنظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٧/ ٢٥١)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤).
(٢) يُنظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٧٨).
(٣) مجموع فتاوى ابن باز (١/ ٤٠٨) بتصرف.
(٤) يُنظر: جماع العلم، للشافعي (٣ - ٤)، وجامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (٢/ ٣٢)، إعلام الموقعين، لابن القيم (٣/ ١٠٧)، الموافقات، للشاطبي (٢/ ٥١٣)، الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٤/ ١٧٣)، فتاوى نور على الدرب، لابن باز (١/ ١٢٦)، (١٣/ ٣٧٩)، وللاستزادة في معرفة تفاصيل القاعدة وتحريراتها يُنظر: دراسة وتحقيق قاعدة الأصل في العبادات المنع، لمحمد الجيزاني (٧٩ - ٨٥).
(٥) يُنظر: حكم زيارة أماكن السيرة النبوية (١٥).
[ ١٠٧ ]
يؤدي إلى اعتقاد بركة ذات المكان، وهذا الاعتقاد يخل بتوحيد المسلم، والشريعة الإسلامية قد جاءت بسد ذرائع البدع والشرك (^١).
وقد نص علماء السلف على أن سد الذرائع أصل عظيم من أصول الدين الإسلامي، فها هو الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ أثبت تسعة وتسعين دليلًا على اعتبار قاعدة سد الذرائع (^٢)، وكما ساق الإمام الشاطبي ﵀ اتفاق السلف على أصل سد الذريعة (^٣).
٦ تشبه بالكفار والمشركين من اليهود والنصارى؛ لأن الأصل في تتبع الآثار، وإحيائها بالقربة ليس من دين الإسلام؛ بل هو من دين المشركين، ولما جاء الإسلام أبطل ما كانوا عليه من تعظيم البقاع والأشجار (^٤).
وما يدل على ذلك حديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ وَكَانُوا أَسْلَمُوا يَوْمَ الْفَتْحِ قَالَ: فَمَرَرْنَا بِشَجَرَةٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله اجعل لنا ذات أنواط كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ وَكَانَ لِلْكُفَّارِ سِدْرَةٌ يَعْكِفُونَ حَوْلَهَا وَيُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يَدْعُونَهَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ فَلَمَّا قُلْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ *﴾ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (^٥).
_________________
(١) يُنظر: المرجع السابق (١٦).
(٢) يُنظر: أعلام الموقعين (٤/ ٥٥١ - ٥٥٥)، (٥/ ٥ - ٣٠).
(٣) يُنظر: الموافقات (٣/ ٢٦٣).
(٤) يُنظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٧٩)، تيسير العزيز الحميد (١٥٠ وأيضًا ٢٨٦).
(٥) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب التاريخ، ذكر الإخبار عن اتباع هذه الأمة سنن من قبلهم من الأمم (١٥/ ٩٤/ ح ٦٧٠٢)، والنسائي في الكبرى، كتاب التفسير، قوله تعالى ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ (١٠/ ١٠٠/ ح ١١١٢١) والترمذي في جامعه، أبواب الفتن عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم (٤/ ٤٩/ ح ٢١٨٠) وأحمد في مسنده، مسند الأنصار ﵃، حديث أبي واقد الليثي ﵁ (٩/ ٥١٢٨/ ح ٢٢٣١٥)، والطيالسي في مسنده أبو واقد الليثي ﵁ (٢/ ٦٨٢/ ح ١٤٤٣) واللفظ له، وابن أبي عاصم في السُّنَّة (١/ ٣٧/ ح ٧٦)، صححه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السُّنَّة، لابن أبي عاصم (١/ ٣١).
[ ١٠٨ ]
وأيضًا قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في الأثر السابق ذكره: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، يتبعون آثار أنبيائهم فيتخذونها كنائس وبيعًا، من أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل، ومن لا، فليمض، ولا يتعمدها (^١).
٧ قول النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ …» (^٢).
علّق الحافظ ابن عبد البر ﵀ على هذا الحديث بقوله: التحذير أن يصلى إلى قبره، وأن يُتخذ مسجدًا، وفي ذلك أمر بأن لا يعبد إلا الله وحده، وإذا صنع من ذلك (^٣) في قبره فسائر آثاره أحرى بذلك.
وقد كره مالك ﵀ وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان، وذلك والله أعلم مخالفة لما سلكه اليهود والنصارى في مثل ذلك (^٤).
فيؤخذ من الحديث المنع من تتبع آثار الأنبياء، والصالحين؛ كقبورهم، ومجالسهم، ومواضع صلاتهم؛ للصلاة، والدعاء عندها؛ فإن ذلك من البدع، أنكره السلف من الصحابة ﵃ والتابعين، وغيرهم (^٥).
_________________
(١) سبق تخريجه راجع فضلًا (١٠٥).
(٢) أخرجه الإمام مالك في موطئه، كتاب الصلاة، جامع الصلاة (١/ ٢٤١/ ٥٩٣/ ١٨٣)، وأخرجه أحمد في مسنده، مسند أبي هريرة ﵁ (٣/ ١٥٥١/ ح ٧٤٧٥)، والحميدي في مسنده، مسند بشر بْنُ مُوسَى بْنِ صَالِحٍ أَبُو عَلِيٍّ الأَسَدِيّ، باب الجنائز عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (٢/ ٢٢٤/ ح ١٠٥٥)، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب الصلاة، باب الصلاة على القبور (١/ ٤٠٦/ ح ١٥٨٧)، وابن أبي شيبة في مصنفه من أبواب صلاة التطوع، في الصلاة عند قبر النبي ﷺ وإتيانه (٥/ ١٧٩/ ح ٧٦٢٦)، كتاب الجنائز، من كره زيارة القبور (٧/ ٣٧٢/ ح ١١٩٤١).
(٣) تعود الإشارة ذلك: إلى أن يُصلى على قبره أو أن يُتخذ مسجدًا. إذ إن كلام المصنف على حديث: «اللَّهُمَّ لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
(٤) الاستذكار، لابن عبد البر (٢/ ٣٦٠).
(٥) تيسير العزيز الحميد، لسليمان بن عبد الله (٢٨٥ - ٢٨٦) بتصرف يسير.
[ ١٠٩ ]
ومما يُثبت المنع ما قاله الأئمة الأعلام في تحريم إحياء الممنوع من الآثار:
قال الإمام ابن وضاح ﵀ (ت: ٢٨٦ هـ):
كان مالك بن أنس ﵀ وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي ﷺ ما عدا قباء وحده (^١).
وسمعتهم يذكرون أن سفيان الثوري دخل مسجد بيت المقدس فصلى فيه، ولم يتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره أيضًا ممن يقتدى به.
وقدم وكيع أيضًا مسجد بيت المقدس فلم يعد فعل سفيان.
وقال ﵀: فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين؛ فقد قال بعض من مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرًا عند من مضى، ومتحبب إليه بما يبغضه عليه، ومتقرب إليه بما يبعده منه، وكل بدعة عليها زينة وبهجة (^٢).
وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي ﵀ (ت: ٥٢٠ هـ):
انظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها، ويرجون البُرْءَ والشفاء من قِبَلها، ويضربون بها المسامير والخِرَق؛ فهي ذات أنواط، فاقطعوها (^٣).
وقال الحافظ أبو شامة ﵀ (ت: ٦٦٥ هـ):
ما قد عَمَّ به الابتلاء، من تزيين الشيطان للعامّة تخليق الحيطان والعُمُد، وسرج مواضع مخصوصة من كل بلد، يحكي لهم حاكٍ أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن شُهِرَ بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك، ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم،
_________________
(١) وردت في كتاب ابن وضاح: قباء وأُحدًا، وجاءت في رواية الشاطبي عن ابن وضاح: قباء وحده ينظر: الاعتصام، للشاطبي (١/ ٤٤٩)، والصحيح والله أعلم ما أثبتنا بأنها: قباء وحده؛ لدلالة السياق.
(٢) البدع والنهي عنها (٨٨ - ٨٩).
(٣) الحوادث والبدع (٣٨ - ٣٩).
[ ١١٠ ]
وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي من بين عيون، وشجر، وحائط، وحجر (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ت: ٧٢٨ هـ):
كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وسائر السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجًا وعمارًا ومسافرين، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي ﷺ، ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبًّا لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسُنَّته، وأتبع لها من غيرهم (^٢).
وقال ﵀: فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم يستحب الشارع قصدها، فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواء قصدها ليصلي عندها، أو ليدعوا عندها … (^٣).
وقال ﵀: وأصل دين المسلمين: أنه لا تختص بقعة بقصد العبادة فيها إلا المساجد خاصة، وما عليه المشركون وأهل الكتاب، من تعظيم بقاع للعبادة غير المساجد كما كانوا في الجاهلية يعظمون حراء، ونحوه من البقاع فهو مما جاء الإسلام بمحوه وإزالته ونسخه (^٤).
وقال ﵀: ولم يشرع الله تعالى للمسلمين مكانًا يقصد للصلاة إلا المسجد، ولا مكان يقصد للعبادة إلا المشاعر، فمشاعر الحج كعرفة ومزدلفة ومنى تقصد بالذكر والدعاء والتكبير لا الصلاة، بخلاف المساجد، فإنها هي التي تقصد للصلاة، وما ثم مكان يقصد بعينه إلا المساجد والمشاعر، وفيها الصلاة والنسك …
وما سوى ذلك من البقاع فإنه لا يستحب قصد بقعة بعينها للصلاة ولا الدعاء ولا الذكر إذ لم يأت في شرع الله ورسوله قصدها لذلك، وإن كان مسكنًا لنبي أو منزلًا أو ممرًّا.
فإن الدين أصله متابعة النبي ﷺ وموافقته بفعل ما أمرنا به وشرعه لنا
_________________
(١) الباعث على إنكار البدع والحوادث (٢٥ - ٢٦).
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٧٨).
(٣) المرجع السابق (٢/ ١٥٨).
(٤) المرجع السابق (٢/ ٣٥٤).
[ ١١١ ]
وسنَّه لنا، ونقتدي به في أفعاله التي شرع لنا الاقتداء به فيها (^١).
وقال ﵀: وأما زيارة المساجد التي بنيت بمكة غير المسجد الحرام؛ كالمسجد الذي تحت الصفا، وما في سفح أبي قبيس ونحو ذلك من المساجد التي بنيت على آثار النبي ﷺ وأصحابه كمسجد المولد وغيره، فليس قصد شيء من ذلك من السُّنَّة ولا استحبه أحد من الأئمة …، وكذلك قصد الجبال والبقاع التي حول مكة غير المشاعر عرفة ومزدلفة ومنى مثل جبل حراء والجبل الذي عند منى الذي يقال: إنه كان فيه قبة الفداء ونحو ذلك، فإنه ليس من سُنَّة رسول الله ﷺ زيارة شيء من ذلك بل هو بدعة.
وكذلك ما يوجد في الطرقات من المساجد المبنية على الآثار والبقاع التي يقال: إنها من الآثار؛ لم يشرع النبي ﷺ زيارة شيء من ذلك بخصوصه، ولا زيارة شيء من ذلك (^٢).
وقال ﵀: وأما صعود الجبل الذي هناك [عرفة] فليس من السُّنَّة ويسمى جبل الرحمة ويقال له: إلال على وزن هلال، وكذلك القبة التي فوقه التي يقال لها: قبة آدم لا يستحب دخولها ولا الصلاة فيها.
والطواف بها من الكبائر، وكذلك المساجد التي عند الجمرات لا يستحب دخول شيء منها ولا الصلاة فيها. وأما الطواف بها أو بالصخرة أو بحجرة النبي ﷺ وما كان غير البيت العتيق فهو من أعظم البدع المحرمة (^٣).
وقال ﵀: ألا ترى أن متابعة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في أعمالهم، أنفع وأولى من متابعتهم في مساكنهم ورؤية آثارهم (^٤).
وقال الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ (ت: ٧٥١ هـ):
عمّى الصحابة ﵃ بأمر عمر بن الخطاب ﵁ قبرَ دانيال، وأخفاه عن
_________________
(١) مجموعة الرسائل والمسائل، لشيخ الإسلام ابن تيمية (٥/ ٩٨).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٤٤).
(٣) يُنظر: مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٣٣).
(٤) اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٢٦٨).
[ ١١٢ ]
الناس، ولما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التي بايع تحتها رسول الله ﷺ أصحابه، أرسل فقطعها …؛ لأن الناس كانوا يذهبون فيصلُّون تحتها، فخاف عليهم الفتنة.
فإذا كان هذا فعل عمر ﵁ بالشجرة التي ذكرها الله في القرآن، وبايع تحتها الصحابةُ ﵃ رسول الله ﷺ فماذا حكمه فيما عداها (^١).
وقال الإمام الشاطبي ﵀ (ت: ٧٩٠ هـ):
وقد كان مالك ﵀ يكره كل بدعة وإن كانت في خير.
وجميع هذا ذريعة لئلا يتخذ سُنَّة ما ليس بسُنَّة، أو يعد مشروعًا ما ليس معروفًا.
وقد كان مالك ﵀ يكره المجيء إلى بيت المقدس؛ خيفة أن يتخذ ذلك سُنَّة، وكان يكره مجيء قبور الشهداء، ويكره مجيء قباء؛ خوفًا من ذلك، مع ما جاء في الآثار من الترغيب فيه، ولكن؛ لما خاف العلماء عاقبة ذلك؛ تركوه …
وسئل ابن كنانة ﵀ عن الآثار التي تركوا بالمدينة، فقال: أثبت ما في ذلك عندنا قباء، إلا أن مالكًا كان يكره مجيئها، خوفًا من أن يتخذ سُنَّة.
فهذه أمور جائزة أو مندوب إليها، ولكنهم كرهوا فعلها خوفًا من البدعة؛ لأن اتخاذها سُنَّة إنما هو بأن يواظب الناس عليها مظهرين لها، وهذا شأن السُّنَّة، وإذا جرت مجرى السنن؛ صارت من البدع بلا شك (^٢).
وقال ولي الله الدهلوي ﵀ (ت: ١١٧٦ هـ):
كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها، ويتبركون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى.
فَسَدّ النبي ﷺ الفساد لئلا يلتحق غير الشعائر بالشعائر، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله، والحق عندي أن القبر، ومحل عبادة ولي من أولياء الله،
_________________
(١) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان (١/ ٣٨٠).
(٢) الاعتصام، للشاطبي (١/ ٤٤٩ - ٤٥٠).
[ ١١٣ ]
والطور، كل ذلك سواء في النهي والله أعلم (^١).
وقال العلامة سليمان بن عبد الله ﵀ (ت: ١٢٣٣ هـ):
المنع من تتبع آثار الأنبياء والصالحين كقبورهم ومجالسهم، ومواضع صلاتهم للصلاة، والدعاء عندها، فإن ذلك من البدع، أنكره السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم (^٢).
وقال الأمير العالم محمد صديق خان القنوجي ﵀ (ت: ١٣٠٧ هـ): في معرض حديثه عن الجبال التي بمكة:
ليست زيارة شيء من هذه الجبال بسُنَّة (^٣).
وقال المحدّث محمد ناصر الدين الألباني ﵀ (ت: ١٤٢٠ هـ):
وما رجحناه من المنع إنما هو في المواضع التي صلى فيها رسول الله ﷺ اتفاقًا، وأما الأماكن التي كان ﷺ يقصدها للصلاة والدعاء عندها فقصدها من أجل ذلك سُنَّة اقتداء به ﷺ، ثم إن ذلك المنع إذ لم يقترن به شد رحل، وأما إذا اقترن به ذلك فهو ممنوع قطعًا (^٤).
وقال العلامة صالح الفوزان حفظه الله:
النبي ﷺ حرم كل الوسائل التي تُفضي إلى الشرك، من تعظيم الآثار التي تتمثل بتعظيم البيوت التي تنسب إليه ﷺ وأهل بيته وأصحابه ﵃ فلم يحافظ عليها، ولا أمر بالمحافظة عليها.
ولما سئل عام الفتح: أتنزل في دارك غدًا قال: «وهل ترك لنا عقيل (^٥) من رباع أو دور».
لأنه باعها، ولم يأمر النبي ﷺ باسترجاعها والمحافظة عليها؛ بل تركها
_________________
(١) حجة الله البالغة (١/ ٣٢٥).
(٢) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد (٢٨٦).
(٣) رحلة الصديق إلى البيت العتيق (١٣).
(٤) الثمر المستطاب (١/ ٤٧٢).
(٥) هو: عقيل بن أبي طالب ابن عم النبي ﷺ.
[ ١١٤ ]
تباع وتشترى ويُسكن فيها حسب الحاجة (^١).
وقال: الأمة ليست بحاجة إلى إحياء آثار ترابية، وإنما هي بحاجة إلى إحياء السُّنَّة النبوية (^٢).
تلك هي نماذج لنهي السلف الصالح ومنعهم بأقوالهم وأفعالهم عن إحياء آثار مقامات النبي ﷺ المكانية بالزيارة قصد التعبّد والتقرب إلى الله تعالى.
أما عن حكمها من جهة إحياء المسلم آثار مقامات النبي ﷺ المكانية الثابتة بالزيارة على غير وجه التعبد؛ وإنما للاطلاع والمشاهدة:
اختلف العلماء في حكم زيارة آثار مقامات النبي ﷺ المكانية الثابتة عنه ﷺ للاطلاع، أو المشاهدة، على غير وجه القربة والتعبد، وبدون شد الرحال إليها، على قولين:
القول الأول: بالمنع، واستدلوا بما يلي:
الدليل الأول: أن في زيارتها ذريعة للبدع، ووسيلة للشرك؛ لأن النفوس ضعيفة ومجبولة على التعلّق بما تظن أنه ينفعها.
مناقشة الدليل: تكون الزيارة ذريعة للبدع، ووسيلة للشرك إذا قُصدت تلك المواضع للتعبد.
الدليل الثاني: أنه لم يكن من عمل الصحابة ﵃ زيارة تلك الآثار، ومن هنا خفيت كثير من تلك المعالم بعد زمن يسير، وعلى ذلك سار علماء الأمة في عصورها الأُول.
كما جاء عن الإمام مالك بن أنس، وعلماء المدينة، وسفيان الثوري ووكيع وغيرهم، أنهم كانوا يكرهون إتيان تلك المساجد، والمجيء إلى بيت المقدس، وإلى قبور الشهداء، وتلك الآثار للنبي ﷺ ما عدا قُباء، مع ما
_________________
(١) البيان لأخطاء بعض الكُتّاب (٥/ ١١٨).
(٢) المرجع السابق (٢/ ٣٧).
[ ١١٥ ]
جاء في الآثار من الترغيب فيه، ولكن لما خاف العلماء عاقبة ذلك؛ تركوه (^١)، خشية أن يتخذ ذلك سُنَّة، وتكون زيارتها عيدًا (^٢).
وأيضًا كرهوا طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان، خشية التشبه باليهود والنصارى (^٣).
مناقشة الدليل: كراهة الزيارة هنا؛ خشية أن تكون سُنَّة، وتُتخذ عيدًا، فإذا لم يواظب المسلم على زيارتها بشكل مستمر على أوقات متكررة فإنه يخرج عن الكراهة.
وأما التشبه بأهل الكتاب فلا يكون إلا إذا حصل تعظيم لذلك الأثر، وقربة له، فإذا لم يحصل التعظيم، ولا القربة، لم يحصل التشبه بأهل الكتاب.
الدليل الثالث: إنكار الصحابة ﵃ على من قصد زيارة جبل الطور (^٤):
١ فقد أنكر ابن عمر ﵄ على قزعة ﵀ عندما أراد الذهاب لجبل الطور، فقال له ابن عمر ﵄: أما علمت أن النبي ﷺ قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ النبي ﷺ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى»، ودع عنك الطور فلا تأته (^٥).
٢ وأنكر أبو بصرة ﵁ على أبي هريرة سفره إلى الطور، فلما لقيه وهو مقبل من الطور فقال: لو لقيتك قبل أن تأتيه لم تأته، إني سمعت
_________________
(١) يُنظر: البدع والنهي عنها، لابن وضاح (٨٨ - ٨٩)، الاعتصام، للشاطبي (١/ ٤٤٩ - ٤٥٠).
(٢) يُنظر: الاعتصام، للشاطبي (١/ ٤٤٩ - ٤٥٠)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٧٤).
(٣) الاستذكار، لابن عبد البر (٢/ ٣٦٠).
(٤) الجبل الذي كلَّم الله فيه موسى ﵇. يُنظر: جامع البيان في تأويل آي القرآن، لابن جرير الطبري (١/ ٦٦٥).
(٥) أخرجه الأزرقي في أخبار مكة (٣٠٤) بإسناد صحيح رجاله رجال الصحيح، وأورد المرفوع منه الهيثمي في المجمع (٤/ ٤) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات. يُنظر: أحكام الجنائز، للألباني (١/ ٢٢٦).
[ ١١٦ ]
رسول الله ﷺ يقول: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هذا، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى» (^١).
ففهم أبو بصرة ﵁: أن النهي يشمل المواطن الفاضلة كالطور، ويستثني المساجد الثلاثة، وأقّره على ذلك أبو هريرة ﵁ (^٢).
مناقشة الدليل: ورد الإنكار؛ لأن فيه شدّ رحال، وقصد المكان بالسفر إلى المواضع المباركة.
القول الثاني: بالإباحة، واستدلوا بما يلي:
الدليل الأول: ورد عن النبي ﷺ أنه صعد أُحدًا هو وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃ فرجف بهم فقال: «اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ، وَصِدِّيقٌ، وَشَهِيدَانِ» (^٣).
مناقشة الدليل: صعوده ﷺ للجبل ليس لكونه موضع من مواضع السيرة، وإنما أراد ﷺ النشاط والحركة، فصعد الجبل، بدلالة أنه ﷺ لم يزر غار ثور ولا شجرة البيعة مع كونهما مذكورين بالقرآن، فهما أولى بالزيارة من غيرهما، ومع ذلك لم يزرهما (^٤).
الدليل الثاني: ورد عن النبي ﷺ أنه نزل بالصحابة على الحجر، أرض ثمود، وقال ﷺ: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لا يُصِيبُكُمْ ما أَصَابَهُمْ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه الطيالسي (١٣٤٨)، والإمام أحمد (٦/ ٧/ ح ٢٣٨٤٨) والسياق له، وإسناده صحيح. وله عند أحمد طريقان آخران، إسناد الأول منهما حسن، والآخر صحيح. يُنظر: أحكام الجنائز، للألباني (١/ ٢٢٦).
(٢) يُنظر: موسوعة العلامة الألباني في العقيدة (٢/ ٥٠٤).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ: «لو كنت متخذًا خليلًا» (٣/ ١٣٤٤/ ح ٣٤٧٢).
(٤) يُنظر: حكم زيارة أماكن السيرة النبوية (٢٢).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب، (١/ ٩٤/ ح ٤٣٣)، ومسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، (٤/ ٢٢٨٥/ ح ٢٩٨٠).
[ ١١٧ ]
مناقشة الدليل: لم ينزل النبي ﷺ على ديار ثمود، وإنما جاءت في طريقه، وهو في غزوة تبوك، ولم يقصدها ﷺ بالزيارة، فمرّ عليها مسرعًا (^١)، ونهى الصحابة ﵃ عن دخول ديار المعذبين إلا أن يكونوا باكين أو متباكين؛ خشية أن يصيب الزائرين ما أصاب المعذبين (^٢).
الدليل الثالث: أن زيارة هذه الأماكن على غير وجه العبادة لا يوجد دليل صحيح صريح في منعه.
مناقشة الدليل: عدم وجود دليل يوجب المنع، ليس حجة على جوازه وإباحته، فقد يكون من السنن التركية، التي انتفى مانعها، مع توفر دواعيها ووسائلها (^٣).
الترجيح:
الذي يظهر والله أعلم أن الراجح في حكم إحياء آثار مقامات النبي ﷺ المكانية الثابتة، بالزيارة؛ للاطلاع والمشاهدة: هو الجواز إلا أنه يُمنع إذا لم يتقيّد الزائر بشروط وضوابط تُجنبه وقوع المحذور (^٤).
إذ إن الأصل جواز الأفعال غير المُتعبد بها، بالإضافة إلى أنه لا توجد أدلة تمنع إحياءها بالزيارة، ولا أدلة ترغب بإحيائها؛ لكونها زيارة دنيوية لا دينية.
_________________
(١) ورد ذكر مرور النبي ﷺ في صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾، (٤/ ١٤٩/ ح ٣٣٨٠)، وفي صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، (٤/ ٢٢٨٥/ ح ٢٩٨٠).
(٢) الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابن عثيمين (٧/ ٣١٥).
(٣) يُنظر: الترك عند الأصوليين، لمحمد ملاح (٢٨).
(٤) من العلماء الذين قيدوا للزيارة شروطًا وضوابط: ما جاء عن الإمام أحمد كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٧١ - ٢٧٥)، وأشار أيضًا إلى قول الإمام أحمد مرعي الكرمي في شفاء الصدور (١٠٣)، وكذلك الشيخ محمد بن صالح العثيمين في اللقاءات الشهرية (٤/ ١٣٣)، والشيخ ربيع بن هادي في كتاب الأحكام (١٥/ ٣٦٣ - ٣٦٤)، والشيخ صالح الفوزان في تفسير الإمام محمد بن عبد الوهاب [الدرس ١٨] ١٤٣٤ هـ الدروس الصيفية لكبار العلماء، والشيخ سعد الشثري في حكم زيارة أماكن السيرة النبوية (٢٣).
[ ١١٨ ]
ولكن لارتباط هذه الأماكن بمواضع النبي ﷺ، إلا أن زيارتها وإن كانت دنيوية، فقد ينحرف عن مقصود الزائر دون أن يشعر إلى اعتقاد فضل الأثر، واستشعار هيبة المكان، وكله لا شك من إغواء الشيطان.
والقول بجواز هذه الزيارة مقيّد ببعض الشروط والضوابط فمن أهم الشروط والضوابط التي يجب على الزائر، التقيد بها:
١ أن لا يشد الرحال إليها (^١).
٢ أن لا تُتخذ عيدًا، ولا يفرط ولا يكثر الزيارة بشكل مستمر ولا يواظب على أوقات متكررة (^٢).
٣ أن لا يقصد زيارة المساجد والمواضع التي صلى فيها النبي ﷺ، باستثناء المساجد الأربعة المشروعة (^٣).
٤ أن لا يقصد ويحدد الزيارة في تواريخ معينة توافق تواريخ المعارك والحوادث الواقعة في ذلك المكان؛ لأنه بذلك أصبح ذريعة لاتخاذه عيدًا زمانيًّا ومكانيًّا (^٤).
٥ أن لا ينوي الزائر بزيارة الآثار التقرب إلى الله ﷿ (^٥)، وأن لا يتعبّد بالقول أو بالفعل.
٦ أن لا يتعلق قلب الزائر بالأثر، ولا يستشعر عظمة ذات المكان (^٦).
٧ أن لا يعتقد وجود أثر من آثار النبي ﷺ في المكان.
٨ أن تؤمَن الفتنة، بأن لا يكون هناك مظاهر شركية محرمة، أو تكون زيارته في أيام زيارات أهل البدع؛ فلا يجوز للزائر أن يشاركهم في هذا
_________________
(١) يُنظر: الدليل المذكور آنفًا من إنكار ابن عمر على قزعة، وأبي بصرة على أبي هريرة ﵃ سفره إلى الطور.
(٢) يُنظر: تفصيل الإمام أحمد في مسألة القليل الذي لا يُتخذ عيدًا والكثير الذي يُتخذ عيدًا، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٥).
(٣) قيّد هذا الشرط الإمام أحمد، نقلًا من شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٧٢).
(٤) يُنظر: دليل السائح الفقهي، لفهد باهمام (١٩٣).
(٥) يُنظر: حكم زيارة أماكن السيرة النبوية (٢٣).
(٦) يُنظر: المرجع السابق.
[ ١١٩ ]
الشر؛ لأنهم يظنون أنه معهم، ويكثّر سوادهم، إلا إذا كان يذهب قاصدًا نصحهم، وأما أن يذهب ولا ينصح، فهذا يأثم، وسلامة الدين مقدمة على هذا القصد (^١).
وقد أشار فضيلة الشيخ العلامة صالح الفوزان حفظه الله إلى قصد زيارة مقامات النبي ﷺ؛ لأجل الاعتبار والاتعاظ بقوله: أما إذا كان النظر إليها لأجل الاعتبار والاتعاظ فقط من غير تبرك بها أو اعتقاد نفعها وضرّها، فهذا له وجه، ولكن دون أن يصبح ذلك عادة دائمة في أوقات محددة، ودون الاعتقاد بنفعها وضرّها وبالتالي تصبح مقدّسة، وذلك بأن يُجعل لهذه الأماكن حراسة ويُجعل لها مظاهر، هذا لا يجوز؛ لأنَّ هذا يؤول إلى تعظيمها والاعتقاد بنفعها وضرّها فما بقي من هذه الآثار فإنه يُترك على حاله، والنظر إليه يكون من باب الاتعاظ والاعتبار فقط: جائز، لا من باب التبرك، وطلب النفع من أصحابها، والاستغاثة بهم (^٢).
والأفضل للمسلم أن لا يقصدها بعينها وينشئ السير لها؛ بل تكون تلك المقامات في طريقه مع التقيد بالشروط السابق ذكرها.
والواقع للأسف الشديد يحكي ما هو حاصل عند تلك الآثار الثابتة والمزيفة، من البدع والشركيات، فضلًا عن التقيّد بالشروط السابق ذكرها.
حكم إحياء آثار مقامات النبي ﷺ بالعناية، والاهتمام، وتذليل الوصول إليها بالترميم والتحسين والتهيئة:
لا يشرع إحياء آثار مقامات النبي ﷺ بالتهيئة، والتحسين والعناية، وتذليل الوصول إليها؛ لمخالفة هذا الفعل للسُّنَّة، وللتشبه بالكفار، وكذلك يمنع من باب سدّ الذريعة المفضية إلى الشرك، ولا شك أن من أصول الشريعة حماية جناب التوحيد، وسدّ الطرق المفضية إلى الشرك والبدع (^٣).
_________________
(١) يُنظر: كتاب الأحكام، لربيع بن هادي (١٥/ ٣٦٣ - ٣٦٤)، حكم زيارة أماكن السيرة النبوية (٢١ - ٢٣).
(٢) يُنظر: التعليق القويم على كتاب اقتضاء الصراط المستقيم، لصالح الفوزان (٤/ ١٦٣٠).
(٣) يُنظر: أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وإقرار جمهور الصحابة ﵃ له على: ١ قطع شجرة البيعة. ٢ إخفائه لقبر دانيال، وأيضًا يُنظر: فتاوى العلماء: فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (١/ ١٥١ - ١٦٢)، مجموع فتاوى ابن باز (١/ ٤٠٢)، التحذير من تعظيم الآثار غير المشروعة (٢٠٩ - ٢٢٩)، حكم إحياء الآثار، لصالح الفوزان (٥/ ٩٣ - ١٠٢)، وأيضًا له: البيان لأخطاء بعض الكُتّاب (٢/ ٥ - ٨) (٢/ ٣٧ - ٤٣)، التعليق القويم على كتاب اقتضاء الصراط المستقيم (٤/ ١٦٣٠)، حكم زيارة أماكن السيرة النبوية، لسعد الشثري (٣٠).
[ ١٢٠ ]
فدعوى إحياء آثار مقامات النبي ﷺ بالعناية، والاهتمام، وتذليل الوصول إليها بالترميم والتحسين والتهيئة، دعوى مُحدثة، ومبادرة خبيثة.
إذ إن أعظم الظلم الشرك بالله ﷻ وهو مقصد نهى عنه الشارع وعن ما يفضي إليه من وسائل؛ لأن الوسائل لها حكم المقاصد.
وتهيئة الأثر وتذليل الوصول إليه، وسيلة تفضي إلى المحرمات من البدع والشركيات، فسد الذريعة يُعمل بها عند قوة إفضاء الذريعة إلى الممنوع شرعًا (^١).
حتى إذا فُرض وتقرر وجود المصلحة الاقتصادية، كرفع الدخل المادي الذي يعود نفعه على المسلمين، وأن الشرع حضّ على جلب المصالح؛ فقواعد المصالح كلها تقتضي المنع.
فالممارسات الشركية والمخالفات البدعية من التعظيم والغلو عند تلك الآثار، حاصل ومُشاهد، بالرغم من أن أغلب الآثار لم تُهيأ ولم تلقَ أي اهتمام.
فإذا حصلت الاستجابة لدعوى الاهتمام والتهيئة وتذليل الوصول إليها؛ فإنه ستزداد هذه الظاهرة سوءًا، وستقع الأجيال القادمة في أمور لا تُحمد عقباها.
وفي قصة قوم نوح ﵇ وإحيائهم آثار رجال صالحين العظة البالغة، والعبرة الواضحة، والحجة الدامغة لمن طالب بإحياء أماكن وبقاع لم يثبت شرعًا إحياؤها.
_________________
(١) يُنظر: أحكام الآثار في الفقه الإسلامي، لعبد الله الرميح (١/ ٢١٧).
[ ١٢١ ]
وللتأكيد على عدم مشروعية إحياء آثار مقامات النبي ﷺ بالتهيئة وتذليل الوصول إليها، سأذكر أبرز أوجه التحريم فيما يلي:
١ ثبوت النهي استنادًا على أمر الخليفة الراشد، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، بإزالة المعالم الدالة على تلك الآثار مع قرب العهد النبوي، فقد ثبت:
أ أنه ﵁ أمر بقطع شجرة بيعة الرضوان؛ سدًّا للذريعة المفضية إلى الشرك (^١)، وهو كما جاء في الأثر الثابت عن الإمام نافع ﵀: أن عمر ﵁ لما بلغه أن ناسًا يأتون الشجرة التي بويع تحتها، فأمر بها فقطعت (^٢)، فإذا كان هذا فعل عمر ﵁ بالشجرة التي جاء ذكرها في القرآن، وبايع تحتها رسول الله ﷺ الصحابة ﵃ فماذا سيكون حكم ما عداها؟ (^٣).
ب أنه ﵁ أمر بتعمية قبر دانيال ﵇، وأن يُخفى عن الناس، وأن تدفن الرقعة التي وُجدت معه (^٤).
كما جاء في الأثر الصحيح ما رواه أبو خلدة خالد بن دينار، قال: حدثنا أبو العالية قال:
_________________
(١) يُنظر: الحوادث والبدع، للطرطوشي (١٤٨)، الباعث على إنكار البدع والحوادث، لأبي شامة (٦٢)، الاعتصام، للشاطبي (١/ ٤٤٩)، فتح الباري، لابن رجب (٣/ ١٨٠)، فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٤٤٨)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٧٤)، إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، لابن القيم (١/ ٣٧١)، تيسير العزيز الحميد، لسليمان بن عبد الله (٢٨٦)، جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، للألوسي (٥٢٤)، فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (١/ ١٦٢)، مجموع فتاوى ابن باز (١/ ٤٠٤)، مجموع فتاوى ابن عثيمين (٨/ ٦٠٠) وأيضًا (٩/ ١٨٦)، التحذير من تعظيم الآثار غير المشروعة (٤/ ٢٢٣)، حكم إحياء الآثار (٩٧).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ١٥٠/ ح ٧٥٤٥) وقال: رجاله رجال الصحيح، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ٧٦)، وابن وضاح في البدع (٨٦) وقال الحافظ بن حجر في فتح الباري (٧/ ٤٤٨): ثم وجدت عند ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن عمر ﵁ بلغه أن قومًا يأتون الشجرة
(٣) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان (١/ ٣٨٠).
(٤) يُنظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (٥/ ١٤٧).
[ ١٢٢ ]
لما فتحنا تَسْتُر، وجدنا في بيت مال الهرمزان (^١) سريرًا عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف له، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب ﵁ …، … قلت: فما صنعتم بالرجل؟
قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة، فلما كان الليل دفناه،
وسوينا القبور كلها، لنعميّه على الناس، لا ينبشونه.
قلت: وما يرجون منه؟
قال: كانت السماء إذا حُبستْ عليهم، برزوا بسريره فيُمْطَرُون.
قلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال.
فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة (^٢).
قلت: ما كان تغير بشيء؟ قال: لا، إلا شعيرات من قفاه،
إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع (^٣).
فأمرُ أميرِ المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بقطع الشجرة، وتعمية قبر دانيال ﵇، دليل على وجوب إزالة الآثار التي يُخشى افتتان الناس بها أو قد يحصل الاغترار بها.
فلما اجتمعت القرائن بفعله ﵁، ولم يخالفه الصحابة ﵃ في ذلك، ولم ينكروا عليه ﵁ (^٤)، عُلم أن عدم إحيائها من باب أولى.
_________________
(١) الهرمزان صاحب تستر وهو من جملة الملوك الذين يرأسهم يزدجرد، أسلم على يد الخليفة عمر بن الخطاب ﵁، هُزم الهرمزان إثر معركة نهاوند، وجيء به إلى المدينة حيث بقي فيها، وقيل: أنه شارك في مؤامرة اغتيال عمر ﵁. توفي بعد سنة: (١٣ هـ)، يُنظر: تاريخ الإسلام، للذهبي (٢/ ١٦٣)، تقريب التهذيب، لابن حجر (١/ ٥٧١)، حاشية سيرة ابن إسحاق (٦٦).
(٢) يقول محقق كتاب سيرة ابن إسحاق (٦٧): والأقرب إلى الصحة إبدال المئة بألف.
(٣) رواه ابن إسحاق في مغازيه (٦٦ - ٦٧) مطولًا، والطبري في تاريخ الأمم والملوك (٢/ ٥٠٥) بنحوه، صححه الألباني في فضائل الشام ودمشق (١٨)، وقال محقق كتاب الصَّارم المُنْكِي في الرَّدِّ عَلَى السُّبْكِي (١٢٩): سند القصة حسن.
(٤) يُنظر: فتح المجيد، لعبد الرحمن بن حسن (٢٤٦)، موسوعة العلامة الألباني في العقيدة (٢/ ٤٩٧ - ٤٩٨)، حكم زيارة أماكن السيرة النبوية (٢٩ - ٣٠).
[ ١٢٣ ]
فسدّ الذريعة أصل عظيم، وموجبه قائم، ومنه انطلق الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ والأئمة بعده (^١).
٢ أنه ليس من هدي السلف الصالح إحياء تلك الآثار بالتهيئة والعناية والاهتمام، فلو كان إحياؤها مما يحبه الله ﷻ ويرضاه لحث على إحيائها، ولأمر رسول الله ﷺ الصحابة بالعناية بها، وقام الصحابة بها حق قيام، امتثالًا لأوامر الله ﷻ ورسوله ﷺ؛ لأنهم أعلم الناس بشريعة الله، وأحبهم لرسول الله ﷺ؛ فلما لم يقع شيء من ذلك، بدليل خفاء كثير من المواضع، عُلم أنه أمر مبتدع، ليس من الدين بل هو من المحدثات، التي لا أصل لها في الشرع؛ بل إنها من أعظم الوسائل التي تفضي إلى الشرك الأصغر وسرعان ما يصل للأكبر.
وقد حذّر رسول الله ﷺ أصحابه ﵃ من وسائل الشرك، فنهى عن البناء على القبور واتخاذ المساجد والسُرج (^٢)؛ فالقبور داخلة من باب أولى بالآثار؛ بل هي من أعظم الآثار، فإذا فُتح الباب لإحياء الآثار دخل في ذلك إحياء القبور، والناس لا يقفون عند حدّ؛ بل هم أحرص على الغلو في القبور من الغلو في غيرها (^٣).
٣ أن إحياء آثار مقامات النبي ﷺ بالتهيئة والعناية وتذليل الوصول إليها، يُعدّ من تعظيمها، وهذا يُفضي إلى اتخاذها أوثانًا تعبد من دون الله (^٤)، ولو على المدى البعيد؛ لأنه بإحيائها تمهيدًا لذلك شئنا أم أبينا سيأتي جيل جاهل يزين لهم الشيطان عبادة تلك الآثار المهيأة كما حصل بقوم نوح ﵇ (^٥).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فإنَّ تعظيم مكانٍ لم يعظِّمه الشَّرع
_________________
(١) براءة الصحابة الأخيار من التبرك بالأماكن والآثار (٧٠١).
(٢) يُنظر: مجموع فتاوى ابن باز (١/ ٤٠٣ - ٤٠٤) وأيضًا (٣/ ٣٣٩).
(٣) يُنظر: البيان لأخطاء بعض الكُتَّاب، لصالح الفوزان (٢/ ٣٩).
(٤) يُنظر: أحكام الآثار في الفقه الإسلامي (١/ ٢١٥).
(٥) يُنظر: البيان لأخطاء بعض الكُتَّاب (٢/ ٧ - ٨).
[ ١٢٤ ]
شرٌّ من تعظيم زمان لم يعظِّمْه؛ فإنَّ تعظيم الأجسام بالعبادة عندها أقْرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان (^١).
٤ أن فيه تشبهًا باليهود والنصارى في تعظيمهم لآثار أنبيائهم وعظمائهم، وتقديسهم واهتمامهم بالأماكن والآثار المتعلقة بهم، حتى أنهم من غلوهم اتخذوا آثارهم مساجد ومعابد ومزارات (^٢).
٥ أن كثيرًا من تلك المواقع التي زعموا أنها من مقامات النبي ﷺ لم تثبت، ومن أبرزها مكان مولد النبي ﷺ (^٣)؛ لأنهم يعتمدون على الظنون والأوهام، والتناقضات في المسميات، في تحديد وتعيين المعالم والجهات (^٤).
٦ إذا فُرض أن بإحياء آثار المقامات بالتهيئة وتذليل الوصول إليها، وجود مصلحة اقتصادية، كرفع الدخل المادي الذي يعود نفعه على المسلمين، والشرع حضّ على جلب المصالح.
فنقول: إن قواعد المصالح كلها تقتضي المنع، ودونك البيان:
١ إذا تزاحمت المصالح قُدّم أعلاها؛ فإن مصلحة حفظ الدين، أعلى من المصالح الدنيوية (^٥).
٢ إذا تعارضت المصلحة والمفسدة، قُدّم أرجحهما، ولا شك أن الراجح هو تحقق المفسدة، فتُمنع المصلحة حتى لا تتحقق المفسدة (^٦).
٣ درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة، وتهيئة الأثر مفسدة عليا، ورفع الدخل المادي مصلحة دنيا (^٧).
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ١٦٥).
(٢) يُنظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٧/ ١٣٤)، مجموع فتاوى ابن باز (١/ ٤٠٢)، حكم زيارة أماكن السيرة النبوية (٣٠).
(٣) يُنظر: ماء الموائد المسمى الرحلة العياشية، للعياشي (١/ ٣٥٨ - ٣٥٩).
(٤) يُنظر: معجم المعالم الأثرية في المدينة المنورة (٦٧٤).
(٥) يُنظر: قواعد تعارض المصالح والمفاسد، لسليمان الرحيلي (٦١ - ٩٤).
(٦) يُنظر: المرجع السابق (١٢٨ - ١٤٩).
(٧) يُنظر: المرجع السابق (١٥٠ - ١٧٢).
[ ١٢٥ ]
فإذا تزاحمت المصالح قُدّمت المصلحة العليا، وإذا تعارضت المفسدة والمصلحة قُدّم درء المفسدة على جلب المصلحة.
٧ أيضًا لو تقرر أن في تهيئة آثار مقامات النبي ﷺ وتذليل الوصول إليها، خصوصًا الآثار الوعرة كالجبال، والغيران وغيرهما: حفظ للنفس من الأذى، والشريعة فرضت قواعد الحفظ ومنها النفس.
أقول: لا شك أن حفظ النفس من مقاصد الشريعة، ولكن ضرورة حفظ الدين أولى وأعلى رتبة، وحفظها مقدّم ومعتبر على ضرورة حفظ النفس (^١).
يتلخص مما سبق ذكره من أوجه تحريم إحياء آثار مقامات النبي ﷺ بالتهيئة والعناية، ما يلي:
١ ليس من هدي السلف الصالح، وإنما هو بدعة محدثة.
٢ يمنع سدًّا للذريعة المفضية إلى الشرك.
٣ تشبه باليهود والنصارى.
٤ إذا تزاحمت المصالح، فمصلحة الدين مقدّمة على كل مصلحة.
٥ إذا تعارضت المصلحة والمفسدة، فدرء المفسدة العليا مقدّم على جلب المصلحة الدنيا.
٦ ضرورة حفظ الدين مقدّمة على كل شيء.
ومما يؤكد عدم مشروعية إحياء آثار مقامات النبي ﷺ الردود العلمية للأئمة والعلماء، والجهود العملية في التصدي لتلك المبادرات التي تدعو إلى إحياء آثار مقامات النبي ﷺ المكانية بالتهيئة والترميم وتذليل الوصول إليها، فهناك جملة من العلماء المتأخرين الذين تصدوا لهذه الدعاوى وألفوا الرسائل وأفردوا المقالات لذلك (^٢).
_________________
(١) يُنظر: الموافقات، للشاطبي (٢/ ٢٦٥).
(٢) من الردود العلمية والجهود العملية في التصدي للمبادرات التي تدعوا إلى إحياء آثار مقامات النبي ﷺ المكانية، أصحاب الفضيلة العلماء حفظ الله حيهم، ورحم ميتهم: ١ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، يُنظر: فتاواه ورسائله (١/ ١٥١ - ١٦٢). ٢ عبد الله بن محمد بن حميد، يُنظر: فتاواه (١/ ١٠٦). ٣ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، يُنظر: مجموع فتاواه (١/ ٣٩١ - ٤١٠)، (٣/ ٣٣٤ - ٣٤٠). ٤ ناصر الدين الألباني، يُنظر: الموسوعة العقدية (٢/ ٥١١ - ٥١٩) ٥ سعد بن عبد الرحمن الحصين، يُنظر: إحياء الآثار الدينية والوثنية، مقال صحفي، نُشر بجريدة المدينة، الرسالة، الجمعة ٤ محرم، ١٤٢٤ هـ ٧ مارس ٢٠٠٣ م، وأيضًا بل هو سد لذرائع الشرك، مقال صحفي، نُشر بجريدة المدينة، الرسالة، الجمعة ٢٥ محرم، ١٤٢٤ هـ ٢٨ مارس ٢٠٠٣ م، وأيضًا الآثار والصّحافة الجاهلة والقدوة الضالة (مقال إلكتروني): http://www.saadalhusayen.com/index.php?option=com_content&view=article&id=74:2013-09-10-19-45-18&catid=11:exemplecategorie&Itemid=2 ٦ ربيع بن هادي مدخلي، يُنظر: براءة الصحابة الأخيار من التبرك بالأماكن والآثار (١١/ ٦٣١ - ٧٢٧). ٧ عبد المحسن بن حمد العباد البدر، يُنظر: التحذير من تعظيم الآثار غير المشروعة، (٤/ ٢٠٩ - ٢٢٩). ٨ صالح بن فوزان الفوزان يُنظر: مجموعة مقالات بخصوص حكم إحياء الآثار في كتاب البيان لما أخطاء فيه بعض الكُتّاب (٢/ ٥ - ٨، ٣٧ - ٤٣) وأيضًا (٥/ ٩٣ - ١٢٠). ٩ سعد بن ناصر الشثري. يُنظر: حكم زيارة أماكن السيرة النبوية (٢٧ - ٣٠)
[ ١٢٦ ]
ومن جهود علماء التوحيد العملية في إزالة مظاهر الشرك وهدمها، كما حصل ببلاد إفريقية، عين تُسمى عين العافية، وكان العامة قد افتتنوا بها، يأتونها من الآفاق، فمن تعذّر عليه نكاحٌ أو ولد قال: امضُوا بي إلى العافية، فتعرف فيها الفتنة، فخرج بعض أهل العلم في السَّحَر فهدمها، وأذّن للصبح عليها، ثم قال: اللَّهُمَّ إني هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسًا (^١).
قال الحافظ أبو شامة ﵀: فما رُفع لها رأس إلى الآن (^٢).
وقد كان بدمشق كثير من هذه الأنصاب، فيسّر الله سبحانه كسرها على يد شيخ الإسلام ابن تيمية وحزب الله الموحِّدين كالعامود المخَلّق، والنُّصْب الذي كان بمسجد النارنج عند المصلى يعبده الجهال، والنُّصْب الذي كان تحت الطاحون، الذي عند مقابر النصارى، ينتابه الناس للتبرك به، وكان صورة صنم في نهر القَلّوط ينذرون له ويتبركون به، وقطع الله سبحانه النُصْب الذي كان عند الرّحَبة يُسْرَج عنده، ويتبرك به المشركون، وكان عمودًا طويلًا
_________________
(١) يُنظر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان (١/ ٣٨٢).
(٢) الباعث على إنكار البدع والحوادث (٣٥).
[ ١٢٧ ]
على رأسه حجر كالكُرة، وعند مسجد درب الحجر نُصْب قد بُني عليه مسجد صغير، يعبده المشركون، يسَّر الله كَسْرَهُ.
فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله، ولو كانت ما كانت! (^١).
وقد أقام الله في آخر القرن الثاني عشر من الهجرة النبوية، من جدد به دين الإسلام، وإخلاص العبادة لله وحده بعد اندراسه، وهو: الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀
فنصر الله به الدين القويم، فأزال الله به الشرك، وعبادة الأوثان من أرض نجد، من الكفر والطغيان، ويسر الله كسر تلك الأوثان على يده، وأيدي أتباعه من الموحدين، وحزب الله المفلحين.
وكان قبل ذلك في كل أرض وبلد من أرض نجد، أوثان وأشجار تعبد من دون الله، وينذر لها ويذبح لها القربان، ويعظمونها أعظم من تعظيم الله، كقبر زيد بن الخطاب ﵁ في الجبيلة وكشجرة في قريوة في بلد الدرعية، وشجرة أخرى لأهل الطرفية، وغار يقال له: غار بنت الأمير في أسفل بلد الدرعية، وقبر يقال له: قبر المغربي.
وأعظم من ذلك: عبادتهم تاجًا، وشمسان (^٢)، مع شهادتهم عليهم بالفجور، لكن يزعمون أنهم أولياء، لا تضرهم الذنوب، ويهابونهم أعظم مما يهابون الله؛ ومنهم من يدعو الجن ويذبح لهم، وفي كل بلد من ذلك شيء عظيم، فأزال الله ذلك كله، بشيخ الإسلام، وأقام الله به الحجة على أهل زمانه (^٣).
وكذلك ما كان في صحن المسجد النبوي من بئر ونخلة وشجيرات، حيث كان الجهال يسمونها: بستان فاطمة ويتبركون بالنخلة وتمرها
_________________
(١) يُنظر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان (١/ ٣٨٣).
(٢) هما رجلان سلك الناس في ذلك العصر فيهما سبيل الطواغيت، ورفعوهما إلى مقام الألوهية بل الربوبية.
(٣) يُنظر: الدرر السنية في الكتب النجدية (١٣/ ١٩٢ - ١٩٤).
[ ١٢٨ ]
وبالشجيرات والبئر، ويعتقدون أن بئر زمزم تجري تحت الأرض حتى تصل بتلك البئر يوم عاشوراء من كل سنة!
فيُقبل الناس في يوم عاشوراء على تلك البئر، ويأخذون منها ماء كثيرًا؛ للتبرك به، حتى أمر الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن طيّب الله ثراه، بإزالة البستان بعد بيان من العلماء بخصوص ما يحصل عند الشجيرات من تبرك وشرك، فردم البئر، وقلعت تلك الأشجار، وسُطحت الأرض؛ لأن المسجد كله وقف للصلاة، ولا يجوز أن يشغل بغيرها؛ ولأن الجهال افتتنوا بماء البئر والنخلة والشجيرات (^١).
وقد يسّر الله سبحانه في زماننا من يزيل مظاهر الشرك من هذه البلاد المباركة، وقيّض لها رجالها، فقد تم إزالة ما يتبرك به بعض المعتمرين، وما يتقربون إليه من الحجر التي يدّعون أن النبي ﷺ اِتكأ عليها، والشجر التي استظل ﷺ بها!
وتمت ولله الحمد إزالتها من أربع مواضع في بني سعد (^٢) بتوجيه من صاحب السمو الملكي الأمير: خالد الفيصل حفظه الله ورعاه وجعل الجنة مثواه (^٣).
هذه لمحة موجزة عن جهود أهل التوحيد العملية في القضاء على مظاهر الشرك.
فإحياء الآثار هو مبدأ التقديس، والتعظيم، وأساسه، وبداية انطلاق الفتنة؛ لذلك حسم الدين هذه المادة بقاعدة سد الذرائع.
ولا شك أن إحياء آثار مقامات النبي ﷺ المكانية بالترميم والتحسين مُشعر بتهيئة المكان للزيارة، حتى لو كان للاعتبار والاتعاظ والتذكر والاقتداء، فهذا سيكون ذريعة للتعظيم والتبرك، والغلو فيه، ومن ثم عبادة من دون الله ﷿.
والواقع يحكي ذلك على مرأى ومسمع رواد تلك الأماكن والآثار التي لم
_________________
(١) يُنظر: الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة، محمد تقي الدين الهلالي (١٢٩).
(٢) في محافظة بيسان بالطائف.
(٣) كانت إزالتها في يوم الثلاثاء الموافق: ٢٧/ ٥/ ١٤٣٩ هـ ١٣/ ٢/ ٢٠١٨ م.
[ ١٢٩ ]
تُهيأ ولم يذلل الوصول إليها، ومع ذلك وقعت البدع والشركيات من التمسح والتبرك والدعاء، فإن لم تُزل، فنقول في أقل أحوالها أن تُهمل وتترك ولا يُعتنى بها، حتى تندرس، وتختفي معالمها؛ لأن العناية بها موصلٌ إلى تعظيمها، وتهيئتها، وتذليل الوصول إليها نوع من الإقرار بما يحصل عندها من شركيات.
فإحياء الآثار بالعناية والاهتمام، وتذليل الوصول إليها جرثومة الشرك ووسيلة توصل إليه لا محاله، وإهمالها وعدم إحيائها سدًّا لذريعة الشرك ووسائله: هو أمرٌ مطلوبٌ شرعًا.
وأما إحياء آثار المقامات المكانية بالعلم والدراسة، يختلف عن إحيائها بالعناية بها وترميمها وتهيئة الوصول إليها وزيارتها، فالفارق بينهما كبير، من جهة أن إحياءها بالعلم والمعرفة والدراسة لا يصحبها إبراز حسي مرئي، وإنما هو إبراز علمي مروي (^١).
حيث إن الآثار المروية وقعها وأثرها على النفوس الضعيفة أقل بكثير من وقع وأثر الآثار المُشاهدة المحسوسة؛ فجاء المنع من إبرازها؛ لأن تعلّق النفوس بها أكثر، والغلو بها وارد غالبًا من اعتقاد فضل المكان وبركته.
كما قال الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله: والآثار المطلوب إحياؤها في عرف أهل العلم هي ما ثبت عن الرسول ﷺ من أحاديثه الشريفة التي حثَّنا ﷺ على روايتها وحفظها والمحافظة عليها والعمل بها وتبليغها للناس.
ولم يأمرنا ﷺ بتتبُّع البقاع والمباني التي سكنها أو جلس فيها وبنائها والعناية بها، وإنما حدث هذا بعد القرون المفضلة لما فشا في المسلمين الجهل والابتداع والتخلّف والتشبه بالأمم الأخرى.
فالواجب على المسلمين أن يهتموا بإقامة دينهم والعناية بسنة رسولهم، وأن يبتعدوا عما يخالف ذلك، كما يجب عليهم الدفاع عن رسولهم وكتابهم ضد هجمات الكفار والمشركين.
_________________
(١) سبق الإشارة إلى هذا الأمر (٩٠).
[ ١٣٠ ]
وإن أعداءنا ليفرحون إذا رأوا فريقًا من المسلمين معنيين بالتنقيب عن الآثار وتعظيمها والعناية بها؛ فالكفار يحثون على ذلك لأنهم يعلمون آثاره السيئة على دين المسلمين وعقيدتهم. فالواجب التنبه لهذا الأمر، والابتعاد عن مثل هذه الأمور التي لا مصلحة للإسلام والمسلمين فيها، بل فيها مضرَّة عليهم وعلى دينهم (^١).
* * *
_________________
(١) إحياء الآثار مقالات وبحوث، لصالح الفوزان (٢٣ - ٢٧).
[ ١٣١ ]
المبحث الثاني
الآثار الدينية
وفيه مطلبان:
المطلب الأول:
آثار المواسم الدينية الزمانية.
المطلب الثاني:
آثار المساجد وأماكن التعبد.
[ ١٣٣ ]