إحياء المساجد وأماكن التعبد بالاهتمام والترميم والتجديد والبناء وتذليل الوصول إليها من الأمور المشروعة؛ بل هو من الأمور الضرورية على المسلمين (^٢)، لتحقق العبودية وامتثالًا للأوامر الشرعية، وما يترتب عليه من الأجر والفضل العظيم، والثواب الجزيل لمن بنى المسجد خالصًا لوجه الله ﷾ (^٣).
ومعلوم أن الهدف من بناء المساجد وعمارتها جمع الناس فيها للعبادة، وهو اجتماع مقصود في الشريعة، أما عن وجود مجموعة مساجد في مكان واحد لا يحقق هذا الغرض؛ بل هو مدعاة للافتراق المنافي لمقاصد الشريعة،
_________________
(١) فتاوى اللجنة الدائمة (المجموعة الثانية/ ٥/ ١٧٩).
(٢) يُنظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (٢/ ١٧٩ - ١٨٠)، ونيل الأوطار، للشوكاني (٢/ ١٧١ - ١٧٣)، أحكام المساجد في الشريعة الإسلامية، لإبراهيم الخضيري (٢/ ٣١).
(٣) يُنظر: نيل الأوطار، للشوكاني (٢/ ١٧٣)، أحكام المساجد، لإبراهيم الخضيري (٢/ ٣٣ - ٣٤).
[ ١٨٧ ]
وبعض المساجد لم تبن للاجتماع؛ لأنها متقاربة جدًّا، وإنما بنيت للتبرك بالصلاة فيها والدعاء، وهذا ابتداع واضح (^١).
ومن المعلوم أيضًا أن بناء المساجد من حيث الشكل ليس توقيفيًّا؛ بل هو متطور مع التطور العمراني، ويختلف شكله من جهة إلى أخرى، ومن بلد إلى بلد (^٢) ولكن هناك أمورٌ لا بد أن تكون في الحسبان عند عمارة المساجد وإحيائها، من أهمها:
١ تجنّب بناء المسجد على القبر، أو دفن الميت في المسجد؛ لورود النهي عن ذلك، واتفاق الأئمة على تحريمه (^٣).
فإذا كان المسجد قديم والقبر أحدث فيه، فإنه يزال وينبش وينقل الرفات إلى المقبرة العامة في حفرة خاصة، ويسوى ظاهرها كسائر القبور، ويبقى المسجد على حاله يصلى فيه؛ لزوال المحذور.
وأما إذا كان المسجد هو الأخير الذي بني على القبور وجب هدمه، وأن لا يبقى؛ لأنه أسس على الباطل.
فيُعلم أنه في الصورة الأولى: إذا كان المسجد الأول والقبر هو الحادث ينبش القبر ويزال من المسجد.
وفي الصورة الثانية: إذا كان القبر الأول يبقى القبر ويهدم المسجد.
ولا يجوز للمسلمين أن يصلوا في المساجد التي فيها قبور، والصلاة فيها غير صحيحة؛ لثبوت النهي عن ذلك في الأحاديث الصحيحة (^٤).
كما سيأتي التفصيل في بيان تحريم البناء على القبور في موضعه (^٥).
٢ تجنّب وضع ستائر على زوايا المسجد؛ لأجل مقام رجل صالح أو
_________________
(١) فتاوى اللجنة الدائمة (المجموعة الثانية/ ٥/ ١٨٢).
(٢) يُنظر: أحكام المساجد في الشريعة الإسلامية، لإبراهيم الخضيري (٢/ ٤٠).
(٣) يُنظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٧/ ٤٨٨).
(٤) يُنظر: الفروع، لابن مفلح (٣/ ٣٨١)، حكم السُّنَّة والكتاب في الزوايا والقباب، لأبي زيد النتيفي البيضاوي (٦٢)، فتاوى نور على الدرب، لابن باز (٢٦٤).
(٥) للوصول إلى تفصيل مسألة البناء على القبور انتقل فضلًا (٣٠١).
[ ١٨٨ ]
ولي من أولياء الشيطان كما قال صاحب كتاب إصلاح المساجد من البدع والعوائد: أن بعض المساجد في غير هذه البلاد يوجد بها ستائر على زوايا المسجد، أو على جانب حائط، أو على عمود، ويزعمون أنها لمقام فلان، أو أنه كان يحضر حيًّا في هذا المكان، فيقدسونه لأجل ذلك، وربما تمسحوا به، وربما زعموا أنه قبره، وربما عبدوه من دون الله، نعوذ بالله من الشرك (^١).
ثم ذكر حوادث تؤيد قوله، وذكر غيره: أن هذه الستائر تحوي كلمات فيها شرك كالاستغاثة بغير الله، وهذا والله من ألاعيب الشيطان ومن انتشار الجهل بالدين، نسأل الله السلامة والعافية (^٢).
فإذا كان يُتبرك بالمقام الذي في المسجد، أو يعتقدون فيه أنه يشفي مرضاهم، ويتمسحون بما أخذوا من ترابه، أو ما أشبه ذلك، فإنه يُهدم؛ لأنه من قواعد الشرك ومن أساسات الشرك التي يجب أن تُزال (^٣).
٣ تجنّب زخرفة حوائط المساجد وأرضه وسقفه ونحوها؛ لورود النهي عن ذلك، كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ»، علّق ابن عباس ﵄ بقوله: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى (^٤).
وقال ﷺ: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ» (^٥).
_________________
(١) يُنظر: إصلاح المساجد من البدع والعوائد، للقاسمي (٢١٦ - ٢١٧).
(٢) يُنظر: أحكام المساجد في الشريعة الإسلامية، لإبراهيم الخضيري (٢/ ١١٦).
(٣) يُنظر: فتاوى نور على الدرب، لابن باز (٢٦٤).
(٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه كتاب الصلاة، ذكر العلة التي من أجلها زجر عن هذا الفعل (٤/ ٤٩٣/ ح ١٦١٥)، وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب في بناء المساجد (١/ ١٧٠/ ح ٤٤٨)، وابن ماجه في سننه، أبواب المساجد والجماعات، باب تشييد المساجد (١/ ٤٧٦/ ح ٧٤٠)، صححه الألباني في صحيح أبي داود (٢/ ٣٤٧/ ح ٤٧٥).
(٥) أخرجه النسائي في المجتبى، كتاب المساجد، باب المباهاة في المساجد (١/ ١٥٧/ ح ١/ ٦٨٨)، وكذلك في السنن الكبرى، كتاب المساجد، المباهاة في المساجد (١/ ٣٨٣/ ح ٧٧٠)، وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب في بناء المساجد (١/ ١٧١/ ح ٤٤٩) واللفظ له، صححه الألباني في صحيح أبي داود (٢/ ٣٤٨/ ح ٤٧٦).
[ ١٨٩ ]
وكما جاء في الأثر عن أبي ذرّ ﵁ قال: إِذَا زَوَّقْتُمْ (^١) مَسَاجِدَكُمْ، وَحَلَّيْتُمْ مَصَاحِفَكُمْ، فَالدَّبَارُ (^٢) عَلَيْكُمْ (^٣)؛ لأن زخرفة المساجد وتزيينها وتحلية المصاحف تُشغل القلوب وتُلهي عن الخشوع والحضور مع الله تعالى الذي هو روح العبادة (^٤).
وغيرها من الآثار كثير والتي تدل في مجملها على كراهة السلف الصالح للزخرفة؛ لكونها مشابهة للمشركين من اليهود والنصارى ونحوهم، وقد جاء الأمر بمخالفتهم، والنهي عن مشابهتهم.
وكذلك فيها مخالفة للغرض الأساسي الذي من أجله بنيت المساجد، وهي عبادة الله تعالى، ولما فيها كذلك من الإسراف (^٥).
فيتبين من ذلك أن زخرفة المساجد مكروهة كراهة شديدة (^٦) قد تصل إلى التحريم، وأما عن تزويقها بالذهب أو الفضة حتى ولو كانت الكعبة: فحرام مطلقًا، وبغيرهما مكروه (^٧).
ومما يستأنس بذكره ما جاء عن أبان بن عثمان ﵀ لما سأله الخليفة عن المسجد النبوي بعدما فرغ من بنائه بالحجارة المنقوشة، وعمله بالفسيفساء والمرمر، وعمل سقفه بالسَّاج وماء الذهب، واعتنى بتحسينه وتزينه.
_________________
(١) زَوَّقْتُمْ: الزاووق هو الزئبق؛ لأنه يطلى به مع الذهب ثم يدخل النار، فيذهب الزئبق ويبقى الذهب، ويقال لكل مزيّن ومنقّش ومحسّن: مزوّق وإن لم يكن فيه الزئبق. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣١٩)، لسان العرب (١٠/ ١٥٠).
(٢) فالدبار عليكم: الهلاك عليكم. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٩٨).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الصلاة، في زينة المساجد وما جاء فيها (٣/ ٨٥/ ح ٣١٦٦)، وكذلك في كتاب فضائل القرآن، في المصحف يحلى (١٥/ ٥٤٤/ ح ٣٠٨٦٤)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣/ ٣٣٦/ ح ١٣٥١).
(٤) يُنظر: فيض القدير، للمناوي (١/ ٣٦٦)، سبل السلام، للصنعاني (١/ ٢٣٦).
(٥) يُنظر: نيل الأوطار، للشوكاني (٢/ ١٧٥)، أحكام المساجد في الشريعة الإسلامية، لإبراهيم الخضيري (٢/ ٤٤).
(٦) يُنظر: المجموع شرح المهذب، للنووي (٢/ ١٨٠)، أحكام المساجد، لإبراهيم الخضيري (٢/ ٤٤).
(٧) يُنظر: فيض القدير، للمناوي (١/ ٣٦٦).
[ ١٩٠ ]
قائلًا: أين هذا من بنيانكم؟
فقال أبان ﵀: بنيناه بناء المساجد، وبنيتموه بناء الكنائس! (^١).
٤ النهي عن الإكثار من بناء المساجد في المحلة الواحدة؛ وذلك لما فيه من تفريق الجمع وتشتيت شمل المصلين، وتعديد الكلمة، وحل عروة الانضمام في العبادة، وذهاب رونق وفرة المتعبدين واختلاف المشارب ومضادة حكمة مشروعية الجماعات (^٢).
وجاء في «الإقناع»: ويحرم أن يبنى مسجد إلى جنب مسجد إلا لحاجة كضيق الأول ونحوه (^٣).
وبحمد الله وفضله قامت دولتنا الرشيدة المملكة العربية السعودية على خدمة المساجد عمومًا وعلى خدمة الحرمين الشريفين المسجد الحرام، والمسجد النبوي، حق القيام بالمحافظة والاهتمام البالغ، والعناية الفائقة.
فتعد جهودها درة الأعمال الجليلة التي ميّزها الله ﷻ بها؛ لخدمة الإسلام والمسلمين بالمحافظة على المساجد والمشاعر الدينية.
ولا يمكن لأحد أن يزايد مطلقًا على عناية المملكة ببيت الله الحرام، والمشاعر المقدسة، والمسجد النبوي الشريف، والاهتمام بها، والحرص على تشييدها وتوسعتها وصيانتها وإعمارها وتهيئتها للعبادة، لا شك أن ذلك كله يعد من صميم رسالة ملوك هذا البلد المعطاء (^٤).
ابتداءً من عهد المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود
_________________
(١) يُنظر: تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجد، لأبي بكر الصالحي (٢٣٩ - ٢٤٠).
(٢) يُنظر: الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع، للسيوطي (٢٠٠)، إصلاح المساجد، للقاسمي (٩٦).
(٣) الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل، للحجاوي المقدسي (١/ ٣٣٣).
(٤) يُنظر: التاريخ ينصف رعاية المملكة للحرمين، مقال في جريدة الرياض، الجمعة ٢٣ جمادى الأولى ١٤٣٩ هـ ٩ فبراير ٢٠١٨ م، وجهود المملكة في خدمة الحرمين الشريفين، لعلي بن محمد الغامدي (مقال إلكتروني بموقع وزارة التعليم).
[ ١٩١ ]
طيب الله ثراه وحتى الآن في عهد الملك سلمان حفظه الله ورعاه والتي تعدّ جهودهم عقد من اللآلئ التي ترصع التاريخ الإسلامي على مر العصور، وسيبقى التاريخ خير شاهد (^١).
ومن الجدير بالذكر أن المسجد الحرام والمشاعر المقدسة في سنة: (٣١٦ هـ)، تعرضت لحوادث وكوارث من قِبل القرامطة، الذين كانوا قبل هذه السنة يقطعون على الحجاج طريقهم وينهبونهم لكن في هذا العام (٣١٦ هـ) تمادوا وهجموا بهجوم عنيف على مكة، وقاموا بأعمال شنيعة في موسم الحج، اشتملت على القتل والنهب والسرقة والتخريب (^٢).
فقد استحلوا حرمة البيت الحرام، فخلعوا الميزاب وباب الكعبة، وسلبوا كسوتها الشريفة، ونهبوا جميع ما كان من البيت من المحاريب والمصابيح ومما يزين به البيت من ذهب وفضة، فجرّدوا البيت مما كان عليه، وحملوا ذلك على خمسين جملًا، وأرادوا الاستيلاء على مقام إبراهيم، ولكن سدنة المسجد غيبوه عنهم في بعض شعاب مكة، فلم يجدوه إذ كانوا جشعين في طلبه لنهبه، فعادوا عند ذلك إلى الحجر الأسود، واقتلعوه من مكانه، واحتملوه إلى بلادهم.
وقتلوا زهاء ثلاثين ألفًا من أهل البلد ومن الحجاج ورموهم في بئر زمزم، وسبوا النساء والذراري ما يقارب عشرين ألف رأس، فجمعوا شيئًا عظيمًا من الذهب والفضة، والجواهر والورق التي سلبوها من الحجاج القادمين من بلدان الإسلام كلها، وحملوا منها مقدار مائة ألف جمل وأحرقوا الباقي، وانقلبوا إلى بلادهم يحملون الحجر الأسود حيث أبقوه عندهم ثم استرد إلى مكة بعد (٢٢ سنة) (^٣).
_________________
(١) يُنظر: المرجعين السابقين.
(٢) يُنظر: صلة تاريخ الطبري، للقرطبي (٩٥).
(٣) يُنظر: التنبيه والإشراف، للمسعودي (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥)، تثبيت دلائل النبوة، للقاضي عبد الجبار (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٦). تنبيه: المؤلفان السابقان كلاهما معتزليان، وتم النقل عنهما؛ لأنهما عاصرا الحادثة، وأرّخا لها، وأسهبا في وصفها، وصفًا دقيقًا، والمسألة المنقولة عنهما ليست متعلقة بأمر عقدي.
[ ١٩٢ ]
ولعل هذه أول حادثة في القرن الرابع تعطّل الحج فيها؛ بسبب القرامطة كما قال الحافظ الذهبي ﵀: ولم يحجّ أحدٌ في هذه السنة (^١) خوفًا من القرامطة (^٢)، وربما حج من كان في مكة أو من وصل إليها من المسلمين، والله أعلم.
ومن المهم التنبيه إلى ما ظهر مؤخرًا من الكذب والتزييف التاريخي في نسبة بعض آثار المساجد للعهد النبوي، أو عهد الخلفاء الراشدين، وإن كان الأصل عدم التفضيل إلا ما جاء الشرع بتفضيله وتعظيمه كما قررت ذلك سابقًا، وأن التراكم التاريخي الذي ينسبونه للمساجد لا يزيدها قيمة ولا فضلًا فهي كبقية المساجد، مثال ذلك:
ما روجته بعض الجهات بإعلانها لأول مئذنة في الإسلام في دومة الجندل (^٣)، والتي أمر ببنائها مع المسجد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ عندما كان متجهًا إلى بيت المقدس، عام (١٦ هـ)، وسُمِّي المسجد باسمه ﵁، ولا تزال المئذنة محافظة على شكلها المعماري لأكثر من (١٤ قرنًا) على حد قولهم.
والحقيقة أن الفاحص لكتب التاريخ المتقدّمة والمتأخرة وكذلك المعاصرة لا يجدُ ذكرًا للمآذن في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ﵁.
بل إن أول مئذنة عُرفت في الإسلام في عهد الدولة الأموية (^٤)، والتي قيل بأنها بنيت في عام: (٤٥ هـ) (^٥)، وقيل في عام: (٥٣ هـ) (^٦)، ولم
_________________
(١) في سنة ستة عشرة وثلاثمائة من الهجرة النبوية (٣١٦ هـ).
(٢) يُنظر: تاريخ الإسلام، للذهبي (٧/ ٢١٧)
(٣) دومة الجندل: في منطقة الجوف الواقعة شمال غرب المملكة العربية السعودية.
(٤) يُنظر: فتوح البلدان، للبَلَاذُري (٣٣٨ - ٣٣٩)، المواعظ والاعتبار، للمقريزي (٤/ ٨ - ٩)، إصلاح المساجد من البدع والعوائد، للقاسمي (١٤٥).
(٥) يُنظر: فتوح البلدان، للبَلَاذُري (٣٣٨ - ٣٣٩).
(٦) يُنظر: المواعظ والاعتبار (٤/ ٨ - ٩).
[ ١٩٣ ]
تكن قبل ذلك (^١).
ومع أنه ليس هناك دليل صحيح على إثبات نسبة المئذنة للخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، فليس في نسبتها مزيد فضل، ولا ميزة تميزها عن بقية المآذن.
والمقرر عند خبراء الآثار هو أن علم التاريخ هو العمود الفقري للدراسات الأثرية (^٢)، فكيف ينسب خبراء الآثار المئذنة إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ وليس لها ذكر في كتب التاريخ!
وكما أشار أحد المهتمين بالمساجد وعمارتها قائلًا إن: أقدم ما بقي لدينا رغم عوادي الزمن من المنارات منارة جامع عقبة في القيروان … وهي التي بناها عامل بني أمية على القيروان … ما بين سنة (١٠٥ هـ ١٠٩ هـ) وتليها في القدم منارة قصر الحير الشرقي في الشام ويرجع إنشاؤها إلى حوالي سنة (١١٠ هـ) (^٣).
والعجيب بقاء بنائها من الحجر والطين صامدًا بقوامه لمدة (١٤ ق) ولم يسقط!
والأعجب من ذلك ما صرّح به أحد أهالي المنطقة الشمالية أن تلك المئذنة التي في دومة الجندل والتي نسبوها للخليفة الراشد ﵁ أنها في حقيقتها منارة قديمة بنيت مع كنيسة!!
وهُدمت الكنيسة وبقيت المنارة بجوار مسجد عمر ﵁ (^٤).
ومن المعلوم أن الإذاعة عن الآثار ومهنة الإرشاد السياحي من أخصب المهن وأكثرها قبولًا للتلون والكذب.
_________________
(١) يُنظر: الوسائل إلى معرفة الأوائل، للسيوطي، نقلًا من إصلاح المساجد من البدع والعوائد، للقاسمي (١٤٥).
(٢) يُنظر: المدخل إلى علم الآثار، لزيدان كفافي (١٣٥).
(٣) تاريخ المساجد الشهيرة، لعبد الله سالم نجيب (٢٢٢).
(٤) يوجد صور قديمة تُثبت وجود الكنيسة قبل الهدم وبعده، وهي محفوظة لدى أهل المنطقة.
[ ١٩٤ ]
كما أكّد على ذلك أحد كبار خبراء الآثار بقوله: أرى لزامًا علي أن أخبرك بهذه المناسبة بأنه: ما من مهنة يمكن أن يندس فيها الدجالون أكثر من هذه المهنة، وعالم الآثار كما رسمته هو الرجل ذو الصفات المتعددة (^١).
* * *
_________________
(١) الآثار الشرقية، من مقدمة المترجم مارون خوري [ط: الأولى] (م).
[ ١٩٥ ]
المبحث الثالث
آثار الأمم الهالكة
وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: سفينة نوح ﵇ بجبل الجودي.
المطلب الثاني: ديار عاد بالأحقاف.
المطلب الثالث: ديار ثمود بالحجر.
المطلب الرابع: ديار قوم لوط ﵇ بالسدوم.
المطلب الخامس: ديار أصحاب مدين بالبدع.
المطلب السادس: حكم إحياء آثار الأمم الهالكة.
[ ١٩٧ ]