٢ إحياء عين الآثار، بالتنقيب عنها، وإخراجها وتهيئتها، وتسهيل الوصول إليها.
المسألة الأولى: حكم إحياء المسلم للآثار الوثنية والجاهلية بقصد الزيارة؛ للاطلاع، والنزهة والسياحة:
يحرم قصد المواضع التي تحتوي على الأصنام والتماثيل، وجاء النهي عن دخولها؛ استنادًا على الأدلة منها:
١ أن النبي ﷺ لما قدِم إلى الكعبة، بعد أن نصره الله ﷻ بفتح مكة، أبى أن يدخل البيت وفيها آلهتهم فأمر بها فأخرجت، فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل ﵉ في أيديهما الأزلام كما يدّعون فقال ﷺ: «قَاتَلَهُمُ اللهُ، أَمَا وَاللهِ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ». فدخل البيت، فكبَّر في نواحيه ولم يصل فيه (^١).
وأيضًا لم يدخل ﷺ البيت الذي فيه صور، وتوعّد أصحاب الصور بأنهم سيعذبون يوم القيامة، وقال ﷺ: «إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لا تَدْخُلُهُ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب من كبر في نواحي الكعبة (٢/ ١٥٠/ ح ١٦٠١).
[ ٢٨٧ ]
الْمَلَائِكَةُ» (^١).
فامتناع النبي ﷺ من دخول المكان حتى تزال ما به من صور وتماثيل، دليل على أنها من المنكرات التي لا يجوز قصدها، ولا الرضى بها؛ لعدم إقرار النبي ﷺ على وجودها؛ بل أمر بإزالتها (^٢).
وهذا دليل على عدم جواز قصد الأماكن التي بها تماثيل وأصنام حتى لو للفرجة، خصوصًا وإن أغلب المتاحف تعرض التماثيل التي كانوا يعتبرونها في الجاهلية آلهة تعبد، أو ملكًا يُعظم!
٢ قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور (^٣)، فامتناع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن الدخول للكنائس؛ لوجود التماثيل دليل على عدم إباحة الدخول إلى الأماكن التي بها تماثيل وأصنام.
٣ إقرار الأئمة الفقهاء على حرمة النظر إلى المحرم (^٤)؛ لوجهين:
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب من لم يدخل بيتًا فيه صورة (٧/ ١٦٩/ ح ٥٩٦١)، ومسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة (٦/ ١٦٠/ ح ٢١٠٧).
(٢) يُنظر: شرح العمدة، لابن تيمية (٥٠٦)، فتح الباري، لابن حجر (٣/ ٤٦٨).
(٣) علّقه البخاري في صحيحه مجزومًا به، كتاب الصلاة، باب الصلاة في البيعة (١/ ٩٤/ ح ٤٣٤).
(٤) الذين صرحوا بتحريم الفرجة على المُحرم: ١ الحنفية: يُنظر: حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٥٤). ٢ المالكية: يُنظر: مواهب الجليل، للحطاب الرُّعيني (٤/ ٤)، الشرح الكبير، للدردير (٢/ ٣٣٨). ٣ الشافعية: الفتاوى الحديثية، لابن حجر الهيتمي (٨٧)، إعانة الطالبين، للبكري (٣/ ٤١٢). بينما نص الحنابلة على أنه إذا دعي مسلم لموضع فيه منكر، ولا يقدر على تغييره، فإنه يحرم عليه الحضور؛ وعللوا ذلك بتحريم مشاهدة المنكر. يُنظر: المبدع في شرح المقنع، لأبي إسحاق (٦/ ٢٣٨). وفي الآداب الشرعية والمنح المرعية، لابن مفلح (٣/ ٥١٩) قال: يحرم النظر إلى الحرير، وأواني الذهب والفضة إن دعت إلى حب التزين بها والمفاخرة.
[ ٢٨٨ ]
أ أن ما حرُم فعله واتخاذه، حرم النظر إليه، والفرجة عليه؛ لأنه يتعارض بُغض المنكر مع الاستمتاع بالنظر والفرجة عليه، والإعجاب به (^١).
كما أن الفرجة عليها هي من الإعانة على بقائها، والعناية بها (^٢)، لا سيما وإن بعض المتاحف قد أُعدّت لعرض التماثيل، وللدخول لها لا بد من دفع عوض مالي، ولا شك أن المبالغ المدفوعة هي إحدى مقومات حفظ تلك الآثار الوثنية، ورعايتها والاهتمام بها، والإعانة على بقائها ودوامها (^٣).
ب أن رؤية المنكر كسماعه، فكما يحرم سماع المنكر فكذلك رؤيته (^٤).
يتبين مما السابق حرمة النظر إلى محرم فكيف بمن يقصده ويذهب إليه.
٤ قصد المسلم للأماكن التي تحوي آثار وثنية من تماثيل وأصنام، قد يؤثر على عقيدته، ويغترّ ويتعلق بها، ويحصل في قلبه إعظام لها ولصانعيها، فسدًّا للذريعة المفضية إلى الحرام، يبتعد عن هذه الأماكن، ولا يقصدها بالزيارة (^٥).
فحكم إحياء الآثار الوثنية والجاهلية، بالزيارة سياحة ونزهةً محرمٌ شرعًا، وحكمها واحد كما سبق بيانه، سواء كانت آثار الأصنام والأوثان في مكانها الذي وجدت به، أو كانت داخلة في المتاحف أو المعابد أو أي مكان تعرض فيه.
_________________
(١) يُنظر: الوسيط في المذهب، لأبي حامد الغزالي (٥/ ٢٧٦)، الفتاوى الفقهية الكبرى، لابن حجر الهيتمي (١/ ٢٦٢)، حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٢/ ٣٧٦).
(٢) قال الحلبي: وكل ما حَرُمَ، حَرُمَ التفرّج عليه؛ لأنه إعانة على المعصية. حاشية الشرواني على تحفة المحتاج في شرح المنهاج (١٠/ ٢٢١).
(٣) إعانة الطالبين، للبكري (٣/ ٤١٢)، ويُنظر: أحكام الآثار في الفقه الإسلامي (٢/ ٤٨٨).
(٤) يُنظر: المغني، لابن قدامة (٧/ ٢٨٥).
(٥) يُنظر: أحكام الآثار في الفقه الإسلامي (٢/ ٤٨٦).
[ ٢٨٩ ]