ﷺ
وَالْكَلَام فِي تبشير نَبينَا مُحَمَّد ﷺ بِمن تقدمه من الْأَنْبِيَاء حَتَّى يَتَّضِح لَك أَن هَذِه سنة الله ﷿ فِي انبيائه ﵈
فَمن ذَلِك مَا ثَبت فِي التَّوْرَاة فِي الْفَصْل السَّابِع عشر من السّفر الأول مِنْهَا قَالَ الله سُبْحَانَهُ لإِبْرَاهِيم وَقد سَمِعت قَوْلك فِي إِسْمَاعِيل وَهَا أَنا مبارك فِيهِ وأثمره وَأَكْثَره بمأذ مأذ انْتهى قَوْله بمأذ مأذ هُوَ اسْم مُحَمَّد بالعبرانية وَهَذَا صَرِيح فِي الْبشَارَة بنبينا مُحَمَّد ﷺ
وَفِي الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ من السّفر الْخَامِس من التَّوْرَاة مَا لَفظه يَا الله الَّذِي تجلى نوره من طور سينا وأشرق نوره من جبل سيعير ولوح بِهِ من جبل فاران وأتى ربوة الْقُدس بشريعة نور من يَمِينه لَهُم انْتهى
هَذَا نَص التَّوْرَاة المعربة تعريبا صَحِيحا وَقد حكى هَذَا اللَّفْظ من نقل عَن التَّوْرَاة بمخالفة لما هُنَا يسيرَة هَكَذَا جَاءَ الله من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جبال فاران وَفِي لفظ تجلى الله من طور سيناء أَو مَجِيئه من طور سيناء الخ
قَالَ جمَاعَة من الْعلمَاء إِن معنى تجلى نور الله سُبْحَانَهُ من طور سيناء أَو مَجِيئه من طور سيناء هُوَ إنزاله التَّوْرَاة على مُوسَى بطور سيناء وَمعنى إشراقه من جبل سيعير إنزاله الْإِنْجِيل على الْمَسِيح وَكَانَ الْمَسِيح من سيعير أَو ساعير وَهِي أَرض الْخَلِيل من قَرْيَة مِنْهَا تدعى ناصرة وباسمها سمي اتِّبَاعه نَصَارَى وَمعنى لوح بِهِ من جبل فاران أَو استعلن من جبل فاران إنزاله الْقُرْآن على مُحَمَّد ﷺ وجبال فاران هِيَ جبال مَكَّة بِلَا خلاف بَين عُلَمَاء الْمُسلمين وَأهل
[ ٢٧ ]
الْكتاب وَمِمَّا يُؤَيّد هَذَا مَا فِي التَّوْرَاة فِي السّفر الأول مِنْهَا مَا لَفظه وَغدا إِبْرَاهِيم فَأخذ الْغُلَام يَعْنِي إِسْمَاعِيل وَأخذ خبْزًا وسقاء من مَاء وَدفعه إِلَى هَاجر وَحمله عَلَيْهَا وَقَالَ لَهَا اذهبي فَانْطَلَقت هَاجر فظلت سبعا وَنفذ المَاء الَّذِي كَانَ مَعهَا فطرحت الْغُلَام تَحت شَجَرَة وَجَلَست مُقَابلَته على مِقْدَار رمية سهم لِئَلَّا تبصر الْغُلَام حِين يَمُوت وَرفعت صَوتهَا بالبكاء وَسمع الله صَوت الْغُلَام فَدَعَا ملك الله هَاجر وَقَالَ لَهَا مَالك يَا هَاجر لَا تخشي فَإِن الله قد سمع صَوت الْغُلَام حَيْثُ هُوَ فقومي فاحملي الْغُلَام وشدي يَديك بِهِ فَإِنِّي جاعله لأمة عَظِيمَة وَفتح الله عينيها فبصرت بِئْر مَاء فسقت الْغُلَام وملأت سَقَاهَا وَكَانَ الله مَعَ الْغُلَام فربي وَسكن فِي بَريَّة فاران انْتهى
وَلَا خلاف أَن إِسْمَاعِيل سكن أَرض مَكَّة فَعلم أَنَّهَا فاران وَقد حكى الله سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآن الْكَرِيم مَا يُفِيد هَذَا فَقَالَ حاكيا عَن إِبْرَاهِيم ﴿رَبنَا إِنِّي أسكنت من ذريتي بواد غير ذِي زرع عِنْد بَيْتك الْمحرم رَبنَا ليقيموا الصَّلَاة فَاجْعَلْ أَفْئِدَة من النَّاس تهوي إِلَيْهِم وارزقهم من الثمرات لَعَلَّهُم يشكرون﴾
وَلَا خلاف فِي ان المُرَاد بِهَذَا الْوَادي أَرض مَكَّة وَفِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الحاكية لقصة إِبْرَاهِيم مَعَ هَاجر وَوَلدهَا إِسْمَاعِيل مَا يُفِيد هَذَا ويوضحه
وَمِمَّا يُؤَيّد هَذِه الْبشَارَة الْمَذْكُور فِي كتاب نبوة النَّبِي شَمْعُون وَلَفظه جَاءَ الله من جبال فاران وامتلأت السَّمَوَات وَالْأَرْض من تسبيحه وتسبيح أمته
وَمثل ذَلِك الْبشَارَة الْمَذْكُورَة فِي نبوة النَّبِي حبقوق وَلَفظه جَاءَ الله من التَّيَمُّن وَظهر الْقُدس على جبال فاران وامتلأت الأَرْض من
[ ٢٨ ]
تحميد أَحْمد وَملك يَمِينه رفات الْأُمَم وأنارت الأَرْض لنوره وحملت خيله فِي الْبَحْر انْتهى
وَفِي هَذَا التَّصْرِيح بجبال فاران مَعَ التَّصْرِيح باسم نَبينَا مُحَمَّد ﷺ بقوله وامتلأت الأَرْض من تحميد أَحْمد تَصْرِيحًا لَا يبْقى بعده ريب لمرتاب
وَمن البشارات بنبينا مُحَمَّد ﷺ فِي الزبُور لداود ﵇ مَا لَفظه إِن رَبنَا عَظِيم مَحْمُود جدا وَمُحَمّد قد عَم الأَرْض كلهَا فَرحا انْتهى
فَفِي هَذَا التَّصْرِيح باسمه ﷺ
وَمن ذَلِك قَوْله فِيهِ بَارك عَلَيْك إِلَى الْأَبَد ويقلد أَبونَا الْجَبَّار السَّيْف لِأَن الْبَهَاء لوجهك وَالْحَمْد الْغَالِب عَلَيْك اركب كلمة الْحق وسمت التأله فَإِن ناموسك وشرائعك مَعْرُوفَة بهيبة يَمِينك وسهامك مسنونة والأمم يخرون تَحْتك انْتهى
وَهَذِه صِفَات نَبينَا ﷺ فَإِنَّهُ لم يبْعَث نَبِي هَذِه صفته بعد دَاوُد سواهُ وَمثل هَذَا قَوْله فِي مَوضِع آخر وَيجوز من الْبَحْر إِلَى الْبَحْر وَمن لدن الْأَنْهَار إِلَى مُنْقَطع الأَرْض وتخزى أهل الجزائر بَين يَدَيْهِ ويلحس أعداؤه التُّرَاب وَيسْجد لَهُ مُلُوك الْفرس وَتَدين لَهُ الْأُمَم بِالطَّاعَةِ والانقياد ويخلص البائس المضطهد مِمَّن هُوَ أقوى مِنْهُ وينقذ الضَّعِيف الَّذِي لَا نَاصِر لَهُ ويرأف بالمساكين والضعفاء وَيُصلي عَلَيْهِ ويبارك فِي كل حِين انْتهى
وَهَذِه الصِّفَات أَيْضا لَيست لأحد من الْأَنْبِيَاء غَيره فَإِنَّهُ لم يملك أحد مِنْهُم من الْبَحْر إِلَى الْبَحْر وَمن لدن الْأَنْهَار إِلَى مُنْقَطع الأَرْض
[ ٢٩ ]
كَمَا ذَلِك مَعْلُوم لكل أحد بل الَّذِي انتشرت شَرِيعَته وَبَلغت سيوف أمته إِلَى هَذَا الْمِقْدَار هُوَ نَبينَا ﷺ
وَهَكَذَا قَوْله وَيسْجد لَهُ مُلُوك الْفرس فَإِنَّهُ لم يفتح الْفرس ويستعبد أَهلهَا وَيضْرب عَلَيْهِم الْجِزْيَة إِلَّا أمة نَبينَا ﷺ وَهَكَذَا قَوْله وَتَدين لَهُ الْأُمَم بِالطَّاعَةِ والانقياد فَإِنَّهَا لم تدن الْأُمَم كلهَا لغيره وَهَكَذَا قَوْله وَيصلى عَلَيْهِ ويبارك فِي كل حِين فَإِن هَذَا يخْتَص بنبينا ﷺ لاستمرار ذَلِك لَهُ فِي كل وَقت وَوُقُوع الْأَمر القرآني بِهِ وَلم يكن ذَلِك لغيره من الْأَنْبِيَاء وَمن البشارات مَا ذكره أشعيا فِي كتاب نبوته من التبشير بِرَاكِب الْحمار وراكب الْجمل وَلَا شكّ أَن رَاكب الْحمار هُوَ الْمَسِيح وراكب الْجمل هُوَ نَبينَا ﷺ
وَفِي نبوة أشعيا أَيْضا قَوْله إِنِّي جعلت أَمرك يَا مُحَمَّد يَا قدوس الرب اسْمك مَوْجُود من الْأَبَد انْتهى
وَهَذَا تَصْرِيح باسم نَبينَا ﷺ وَمثل هَذَا قَول حبقوق النَّبِي فِي كتاب نبوته أَضَاءَت السَّمَاء من بهاء مُحَمَّد وامتلأت الأَرْض من شُعَاع منظره وَكَذَا قَوْله فِي مَوضِع آخر من كتاب نبوته وتنزع فِي مسيك إعراقا ونزعا وترتوي السِّهَام بِأَمْرك يَا مُحَمَّد ارتواء فَإِن هَذَا تَصْرِيح أوضح من الشَّمْس وَأَن الله يظهركم عَلَيْكُم وباعث فيهم نَبيا وَينزل عَلَيْهِم كتابا ويملكهم رِقَابكُمْ فيقهرونكم ويذلونكم بِالْحَقِّ وَيخرج رجال بني قيذار فِي جماعات الشعوب مَعَهم مَلَائِكَة على خيل بيض انْتهى
فَفِي هَذَا التَّصْرِيح ببعثة نَبينَا ﷺ وقهر أمته للأمم فَإِن قيذار هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بِلَا خلاف وَلم يبْعَث الله فيهم نَبيا إِلَّا نَبينَا
[ ٣٠ ]
مُحَمَّدًا ﷺ وَهَذَا مَعْلُوم لكل أحد لَا يُخَالف فِيهِ مُخَالف وَلَا يُنكره مُنكر
وَمن البشارات مَا فِي كتاب نبوة دانيال النَّبِي فَإِنَّهُ صرح فِيهَا باسم النَّبِي ﷺ بِمثل مَا تقدم فِي نبوة حبقوق فَقَالَ ستنزع فِي مسيك إعراقا وترتوي السِّهَام بِأَمْرك يَا مُحَمَّد ارتواء انْتهى
وَفِي مَوضِع آخر من كِتَابه هَذَا التَّصْرِيح ببعثة نَبينَا ﷺ فَقَالَ بعد ذكر التبشير بالمسيح مَا لَفظه حَتَّى أبْعث نَبِي بني إِسْمَاعِيل الَّذِي بشرت بِهِ هَاجر وَأرْسلت إِلَيْهَا مَلَائِكَة فبشروها فَأوحى إِلَى ذَلِك النَّبِي وأعلمه السَّمَاء وأزينه بالتقوى وَأَجْعَل الْبر شعاره وَالتَّقوى جهده والصدق قَوْله وَالْوَفَاء طَبِيعَته وَالْقَصْد سيرته والرشد سنته بِكِتَاب مُصدق لما بَين يَدَيْهِ من الْكتب وناسخ لبَعض مَا فِيهَا أسرِي بِهِ إِلَيّ وأرقيه من سَمَاء إِلَى سَمَاء حَتَّى يَعْلُو فأدنيه وَأسلم عَلَيْهِ وأوحي إِلَيْهِ ثمَّ أرده إِلَى عبَادي بالسرور وَالْغِبْطَة حَافِظًا لما استودع صادعا بِمَا أَمر
يَدْعُو إِلَى توحيدي باللين من القَوْل وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة لَا فظ وَلَا غليظ وَلَا صخاب فِي الْأَسْوَاق رؤوف بِمن وَالَاهُ رَحِيم بِمن آمن بِهِ حَتَّى على من عَادَاهُ انْتهى
وَلَا ريب أَن هَذِه صِفَات نَبينَا ﷺ وَأَنه لم يبْعَث الله نَبيا من بني إِسْمَاعِيل سواهُ
وَمثل هَذِه الصِّفَات مَا فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو عِنْد البُخَارِيّ وَغَيره أَنه قيل لَهُ أخبرنَا بِبَعْض صفة رَسُول الله ﷺ فِي التَّوْرَاة قَالَ إِنَّه لموصوف فِي التَّوْرَاة بِبَعْض صفته فِي الْقُرْآن يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا وحرزا للأميين أَنْت عَبدِي ورسولي سميتك المتَوَكل لست بِفَظٍّ وَلَا غليظ وَلَا صخاب بالأسواق
[ ٣١ ]
وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيئَة وَلَكِن يَجْزِي السَّيئَة بِالْحَسَنَة وَيَعْفُو وَيغْفر وَلنْ أقبضهُ حَتَّى أقيم بِهِ الْملَّة العوجاء فأفتح بِهِ أعينا عمياء وآذانا صمًّا وَقُلُوبًا غلفًا بِأَن يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله
قيل قد يُرَاد بِلَفْظ التَّوْرَاة جنس الْكتب الْمُتَقَدّمَة من التَّوْرَاة وَالزَّبُور وَالْإِنْجِيل وَسَائِر كتب أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل فعلى هَذَا يكون المُرَاد بقول عبد الله بن عَمْرو إِنَّه لموصوف فِي التَّوْرَاة هَذِه الصِّفَات الْمَذْكُورَة فِي نبوة دانيال
وَلَا مَانع من أَن تكون هَذِه الصِّفَات كَانَت مَوْجُودَة فِي التَّوْرَاة فحذفتها الْيَهُود فَمَا ذَلِك بِأول تَحْرِيف وتبديل وتغيير مِنْهُم