وَاعْلَم أَن دَلَائِل نبوة نَبينَا ﷺ يطول تعدادها ويتعسر ذكرهَا وَقد صنف أهل الْعلم فِي ذَلِك مصنفات مبسوطة مُشْتَمِلَة على كثير مِنْهَا وَلَو لم يكن مِنْهَا إِلَّا هَذَا الْكتاب الْعَزِيز الَّذِي جَاءَ بِهِ من عِنْد الله سُبْحَانَهُ مُشْتَمِلًا على مصَالح المعاش والمعاد وتحدى بِهِ فرسَان الْكَلَام وأبطال البلاغة وأفراد الدَّهْر فِي الْعلم بِهَذِهِ اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَقَالَ لَهُم ليأتوا بِحَدِيث مثله إِن كَانُوا صَادِقين ثمَّ قَالَ لَهُم ﴿فَأتوا بِعشر سور مثله مفتريات وَادعوا من اسْتَطَعْتُم من دون الله إِن كُنْتُم صَادِقين﴾
[ ٤٧ ]
ثمَّ قَالَ لَهُم فَأتوا بِسُورَة وَاحِدَة مِنْهُ فَلم يقدروا على ذَلِك وكاعوا عَنهُ وعجزوا على رُؤُوس الأشهاد وَكَانَ أكَابِر بلغائهم وأعاظم فصحائهم إِذا سمعُوا الْقُرْآن اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُ لَا يشبه نظمهم وَلَا نثرهم وأقروا ببلاغته كَمَا قَالَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة لما سمع النَّبِي ﷺ يقْرَأ ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي يعظكم لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ فَقَالَ أعد فَأَعَادَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ وَالله لَهُ لحلاوة وَإِن عَلَيْهِ لطلاوة وَإِن أَعْلَاهُ لمثمر وَإِن أَسْفَله لمغدق وَمَا يَقُول هَذَا الْبشر
وروى ابْن اسحق من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ قَامَ النَّضر بن الْحَارِث فَقَالَ يَا معشر قُرَيْش وَالله لقد نزل بكم أَمر مَا ابتليتم بِمثلِهِ لقد كَانَ مُحَمَّد فِيكُم غُلَاما حَدثا أرضاكم فِيكُم وأصدقكم حَدِيثا وأعظمكم أَمَانَة حَتَّى إِذا رَأَيْتُمْ فِي صدغيه الشيب وَجَاءَكُم بِمَا جَاءَكُم بِهِ قُلْتُمْ سَاحر لَا وَالله مَا هُوَ سَاحر قد رَأينَا السَّحَرَة ونفثهم وعقدهم وقلتم شَاعِر وكاهن لَا وَالله مَا هُوَ بكاهن قد رَأينَا الكهنة وَسَمعنَا سمعهم وقلتم شَاعِر لَا وَالله مَا هُوَ بشاعر لقد رَأينَا الشّعْر وَسَمعنَا أصنافه كلهَا بهزجه ورجزه وقريضه وقلتم مَجْنُون لَا وَالله مَا هُوَ بمجنون لقد رَأينَا الْمَجْنُون فَمَا هُوَ بخنقه وَلَا تخليطه يَا معشر قُرَيْش انْظُرُوا فِي شَأْنكُمْ فَإِنَّهُ وَالله قد نزل بكم أَمر عَظِيم إِنِّي لأعْلم أَنما يَقُول مُحَمَّد حق وَلَكِن بني قصي قَالُوا فِينَا الندوة فَقُلْنَا نعم فِينَا الحجابة فَقُلْنَا نعم فِينَا السِّقَايَة فَقُلْنَا نعم
وَفِي لفظ تنازعنا نَحن وَبَنُو عبد منَاف الشّرف اطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا ثمَّ إِذا تجاثينا على الركب وَكُنَّا
[ ٤٨ ]
كفرسي رهان قَالُوا منا نَبِي يَأْتِيهِ الْوَحْي من السَّمَاء فَمَتَى ندرك هَذِه وَالله لَا نؤمن بِهِ وَلَا نصدقه أبدا
دع عَنْك مَا حصل للإنس من استعظام أَمر الْقُرْآن والتعجب مِنْهُ وتصديقه هَؤُلَاءِ الْجِنّ قد وَقع مِنْهُم ذَلِك كَمَا حَكَاهُ الله سُبْحَانَهُ عَنْهُم فِي كِتَابه وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ انْطلق رَسُول الله ﷺ إِلَى طَائِفَة من أَصْحَابه عَامِدين إِلَى سوق عكاظ وَقيل حيل بَين الشَّيَاطِين وَبَين خبر السَّمَاء وَأرْسلت عَلَيْهِم الشهب فَرَجَعت الشَّيَاطِين إِلَى قَومهمْ فَقَالُوا مَا لكم قَالُوا حيل بَيْننَا وَبَين خبر السَّمَاء وَأرْسلت علينا الشهب قَالُوا مَا ذَاك إِلَّا من شَيْء حدث فاضربوا مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا فانظروا مَا هَذَا الَّذِي حَال بَيْننَا وَبَين خبر السَّمَاء فَانْطَلقُوا يضْربُونَ مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا فَمر النَّفر الَّذين أخذُوا نَحْو تهَامَة فوجدوا النَّبِي ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاة الْفجْر فَلَمَّا سمعُوا الْقُرْآن اسْتَمعُوا لَهُ وَقَالُوا هَذَا الَّذِي حَال بَيْننَا وَبَين خبر السَّمَاء فَرَجَعُوا إِلَى قَومهمْ فَقَالُوا يَا قَومنَا ﴿إِنَّا سمعنَا قُرْآنًا عجبا يهدي إِلَى الرشد فَآمَنا بِهِ وَلنْ نشْرك بربنا أحدا﴾ فَأنْزل الله ﷿ على نبيه مُحَمَّد ﷺ ﴿قل أُوحِي إِلَيّ أَنه اسْتمع نفر من الْجِنّ﴾ وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا كَثِيرَة جدا
وَاعْلَم أَنه قد صنف جمَاعَة من الْحفاظ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة مصنفات اشْتَمَلت على أَنْوَاع مِمَّا فِيهِ الدّلَالَة على نبوة نَبينَا ﷺ بعضه يحصل عِنْده الْعلم ضَرُورِيّ فضلا عَن كلهَا
فَمن المصنفين فِي ذَلِك الإِمَام أَبُو بكر بن عبد الله بن أبي الدُّنْيَا وَالْإِمَام أَبُو اسحق الْحَرْبِيّ وَالْإِمَام أَبُو جَعْفَر الْفرْيَابِيّ وَالْإِمَام أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ وَالْإِمَام ابو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ وَالْإِمَام أَبُو الشَّيْخ الْأَصْبَهَانِيّ وَالْإِمَام أَبُو نعيم الْأَصْفَهَانِي وَالْإِمَام أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ وَالْإِمَام أَبُو الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ وَالْإِمَام أَبُو عبد الله الْمَقْدِسِي وَغير هَؤُلَاءِ
[ ٤٩ ]