وَلَو لم يكن من دَلَائِل نبوته ﷺ إِلَّا مَا وَقع من الْإِخْبَار بالأمور الغيبية الَّتِي وَقعت كَمَا أخبر بِهِ وَلم يتَخَلَّف شَيْء مِنْهَا وَهِي كَثِيرَة جدا وَقد اشْتَمَل الْقُرْآن الْكَرِيم على شَيْء من ذَلِك كَقَوْلِه ﷿ ﴿هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَكفى بِاللَّه شَهِيدا﴾ فَوَقع صدق هَذَا الْخَبَر وَأظْهر الله سُبْحَانَهُ دين الْإِسْلَام على جَمِيع الْأَدْيَان
وَكَذَا قَوْله ﴿الم غلبت الرّوم فِي أدنى الأَرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فِي بضع سِنِين﴾ فَوَقع مَا أخبر بِهِ الْقُرْآن بعد الْمدَّة الَّتِي ذكرهَا وَذَلِكَ مَعْلُوم لَا يخْتَلف فِيهِ النَّاس وَكَذَا قَوْله سُبْحَانَهُ فِي شَأْن الْيَهُود ﴿ضربت عَلَيْهِم الذلة أَيْن مَا ثقفوا إِلَّا بِحَبل من الله وحبل من النَّاس وباؤوا بغضب من الله وَضربت عَلَيْهِم المسكنة ذَلِك بِأَنَّهُم كَانُوا يكفرون بآيَات الله وَيقْتلُونَ الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون﴾
وَقد كَانَ هَذَا كَمَا أخبر بِهِ الْقُرْآن فَإِنَّهُم مَا زَالُوا تَحت الذلة والمسكنة فِي جَمِيع أقطار الأَرْض لم يجْتَمع لَهُم جَيش وَلَا انتصروا فِي موطن من المواطن وَلَا ثبتَتْ لَهُم دولة قطّ بل كل طَائِفَة مِنْهُم فِي جَمِيع بقاع الدُّنْيَا مضطهدون متمسكنون يسلمُونَ الْجِزْيَة إِلَى غَيرهم ويذلون لمن جاورهم
وَكَذَلِكَ قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا﴾
[ ٥٠ ]
وَقَوله ﴿وَإِن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾
وَقد كَانَ هَذَا فَإِنَّهُ لم يُعَارض الْقُرْآن معَارض وَلَا جَاءَ بِمثل بعضه أحد لَا من مُسلم وَلَا كَافِر وَلَا من إنس وَلَا جن وَقد نفى سُبْحَانَهُ أَن يَفْعَلُوا ذَلِك كَمَا قَالَ ﴿فَإِن لم تَفعلُوا وَلنْ تَفعلُوا فَاتَّقُوا النَّار الَّتِي وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة﴾
فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنهم لم يَفْعَلُوا وَلم يَقع مَا يُخَالف هَذَا النَّفْي الْمُؤَكّد البته
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿قل يَا أَيهَا الَّذين هادوا إِن زعمتم أَنكُمْ أَوْلِيَاء لله من دون النَّاس فتمنوا الْمَوْت إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وَقَالَ مُخَاطبا للْيَهُود ﴿قل إِن كَانَت لكم الدَّار الْآخِرَة عِنْد الله خَالِصَة من دون النَّاس فتمنوا الْمَوْت إِن كُنْتُم صَادِقين وَلنْ يَتَمَنَّوْهُ أبدا بِمَا قدمت أَيْديهم وَالله عليم بالظالمين﴾
وَقد كَانَ هَذَا فَإِنَّهُ لم يسمع أَن يَهُودِيّا تمنى الْمَوْت إِلَى هَذِه الْغَايَة فَإِن الْيَهُود الْمَوْجُودين على ظهر البسيطة إِذا قَالَ لَهُم قَائِل تمنوا الْمَوْت لم يَتَمَنَّوْهُ أبدا وَلَا يساعد على ذَلِك وَاحِد مِنْهُم قطّ
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين مُحَلِّقِينَ رؤوسكم وَمُقَصِّرِينَ لَا تخافون فَعلم مَا لم تعلمُوا فَجعل من دون ذَلِك فتحا قَرِيبا﴾ وَوَقع هَذَا كَمَا أخبر بِهِ سُبْحَانَهُ فَدَخَلُوا الْمَسْجِد الْحَرَام آمِنين مُحَلِّقِينَ وَمُقَصِّرِينَ كَمَا وعدهم وَهَذَا قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح وَرَأَيْت النَّاس يدْخلُونَ فِي دين الله أَفْوَاجًا فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ إِنَّه كَانَ تَوَّابًا﴾
[ ٥١ ]
وَقد دخل النَّاس فِي دين الله أَفْوَاجًا وَمَا قبض ﷺ إِلَّا بعد أَن دخل جَمِيع الْعَرَب فِي دين الله وَلم يبْق أحد مِنْهُم على الْكفْر
وَمَعَ ذَلِك مَا وَقع من إخْبَاره سُبْحَانَهُ عَن أُمُور مُسْتَقْبلَة وَكَانَت كَمَا أخبر بِهِ وَذَلِكَ كثير جدا كإخباره عَن بعض الْكفَّار بِأَنَّهُ لَا يُؤمن وَأَنه من أهل النَّار كَأبي لَهب فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ ﴿سيصلى نَارا ذَات لَهب﴾ فَمَاتَ على الْكفْر
وَقَالَ فِي الْوَلِيد ﴿سأصليه سقر﴾ فَمَاتَ على الْكفْر
وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث حُذَيْفَة أَنه قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ مقَاما مَا ترك شَيْئا يكون فِي مقَامه ذَلِك إِلَى قيام السَّاعَة إِلَّا حدث بِهِ حفظه من حفظه ونسيه من نَسيَه قد علمه أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ وَأَنه ليَكُون مِنْهُ الشَّيْء قد نَسِيته فَأرَاهُ فأذكره كَمَا يذكر الرجل وَجه الرجل إِذا غَابَ عَنهُ ثمَّ إِذا رَآهُ عرفه وناهيك بِهَذَا فَإِن الْإِخْبَار بِجَمِيعِ الْحَوَادِث الْمُسْتَقْبلَة إِلَى قيام السَّاعَة أَمر عَظِيم
وَقد كَانَ حُذَيْفَة رَاوِي هَذَا الحَدِيث مرجعا للصحابة فِي معرفَة أَحْوَال الْفِتَن وَمَعْرِفَة أهل النِّفَاق وتمييز أهل الْحق من أهل الْبَاطِل لما حفظ فِي هَذَا الْمقَام الَّذِي قامه رَسُول الله ﷺ
وَمن ذَلِك سُؤال عمر بن الْخطاب ﵁ لَهُ عَن الْفِتَن فَقَالَ إِن بَيْنك وَبَينهَا بَابا فَقَالَ هَل يفتح أَو يكسر فَقَالَ بل يكسر فَعرف عمرا أَنه الْبَاب وَأَنه يقتل كَمَا أخبر حُذَيْفَة من سَأَلَهُ عَن ذَلِك هَل علم عمر ذَلِك فَقَالَ نعم كَمَا يعلم أَن دون غَد اللَّيْلَة فَإِنِّي حدثته بِحَدِيث لَيْسَ بالأغاليط وَهَذَا ثَابت فِي الصَّحِيح
وَمن ذَلِك مَا ثَبت فِي البُخَارِيّ أَنه ﷺ قَالَ لعدي بن حَاتِم لَئِن طَالَتْ لَك حَيَاة لتفتحن كنوز كسْرَى فَقَالَ عدي كسْرَى بن هُرْمُز فَقَالَ ﷺ كسْرَى بن هُرْمُز وَقد كَانَ هَذَا كَمَا أخبر بِهِ ﷺ فَفتح
[ ٥٢ ]
الْمُسلمُونَ مملكة كسْرَى بن هُرْمُز وَأخذُوا كنوزه واستولوا على بِلَاده وضربوا على رَعيته الْخراج والجزية قَالَ عدي وَكنت فِيمَن فتح كنوز كسْرَى بن هُرْمُز وَقَالَ لَهُ أَيْضا كَمَا فِي البُخَارِيّ وَلَئِن طَالَتْ لَك حَيَاة لترين الظعينة ترحل من الْحيرَة حَتَّى تَطوف الْكَعْبَة لَا تخَاف أحدا إِلَّا الله قَالَ قلت فِيمَا بيني وَبَين نَفسِي فَأن طَيء الَّذين قد سعروا الْبِلَاد ثمَّ قَالَ عدي فَرَأَيْت الظعينة ترتحل من الْحيرَة حَتَّى تَطوف بِالْكَعْبَةِ لَا تخَاف إِلَّا الله
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث نَافِع بن عتبَة قَالَ حفظت من النَّبِي ﷺ أَربع كَلِمَات أعدهن فِي يَدي (تغزون جَزِيرَة الْعَرَب فيفتحها الله ثمَّ تغزون بِلَاد فَارس فيفتحها الله ثمَّ تغزون الرّوم فيفتحها الله ثمَّ تغزون الدَّجَّال فيفتحه الله) وَقد وَقعت الثَّلَاث كَلِمَات الأول وستقع الرَّابِعَة إِن شَاءَ الله
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تخرج نَار من أَرض الْحجاز تضيء لَهَا أَعْنَاق الْإِبِل ببصرى) قلت وَقد خرجت هَذِه النَّار فِي الْحجاز فِي بضع وَخمسين سِتّمائَة وأضاءت لَهَا أَعْنَاق الْإِبِل ببصرى
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث أبي بكرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي الْحسن بن عَليّ ﵁ (إِن ابْني هَذَا سيد وسيصلح بِهِ الله بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين) قلت وَقد كَانَ هَذَا فَإِن الْحسن أصلح بَين طائفتين عظيمتين من الْمُسلمين وهما جَيش الْعرَاق الَّذين كَانُوا مَعَه وجيش الشَّام الَّذين كَانُوا مَعَ مُعَاوِيَة
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي سعيد وَأَسْمَاء أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي عمار بن يَاسر تقتله الفئة الباغية قلت وَقد قتلته الفئة الباغية أهل الشَّام
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم عَن أَبِيه أَن امْرَأَة سَأَلت رَسُول الله ﷺ شَيْئا فَأمرهَا أَن ترجع إِلَيْهِ فَقَالَت إِن
[ ٥٣ ]
جِئْت فَلم أجدك يَا رَسُول الله قَالَ جُبَير بن مطعم كَأَنَّهَا تعنى الْمَوْت قَالَ إِن لم تجديني فَأتي أَبَا بكر قلت وَقد كَانَ ذَلِك فَإِنَّهُ ولي أَمر الْمُسلمين أَبُو بكر ﵁ بعد مَوته ﷺ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (زويت لي الأَرْض مشارقها وَمَغَارِبهَا وسيبلغ ملك أمتِي مَا زوى لي مِنْهَا قلت وَقد كَانَ ذَلِك وَللَّه الْحَمد
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي ذَر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (ستفتح مصر وَهِي أَرض يُسمى فِيهَا القيراط فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خيرا)
قلت وَقد فتحت وَللَّه الْحَمد فِي أَيَّام الصَّحَابَة
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عبد الله بن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (إِذا فتحت عَلَيْكُم فَارس وَالروم أَي قوم أَنْتُم قَالَ عبد الرَّحْمَن من بن عَوْف نَكُون كَمَا أمرنَا الله قَالَ رَسُول الله ﷺ أَو غير ذَلِك تتنافسون ثمَّ تتحاسدون ثمَّ تتدابرون ثمَّ تتباغضون ثمَّ تنطلقون فِي مسَاكِن الْمُهَاجِرين فيحملون بَعضهم عل رِقَاب بعض) قلت وَقد كَانَ هَذَا فَإِنَّهُم فتحُوا فَارس وَالروم ثمَّ وَقع مِنْهُم مَا ذكره ﷺ فِي آخر أَيَّام عُثْمَان ﵁ ثمَّ عِنْد قَتله ثمَّ فِيمَا بعد ذَلِك كَمَا هُوَ مَعْلُوم لكل عَارِف
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث سُلَيْمَان بن صرد قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول حِين أَجلي الْأَحْزَاب عَنهُ الْآن نغزوهم وَلَا يغزونا
قلت وَقد كَانَ ذَلِك فَإِن كفار قُرَيْش لم يغزوا النَّبِي ﷺ بعْدهَا ثمَّ غَزَاهَا غَزْوَة الْفَتْح
وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من طرق أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الَّذِي الْخوَيْصِرَة
[ ٥٤ ]
(إِنَّه يخرج من ضئضئ هَذَا أَقوام يحقر أحدكُم صلَاته مَعَ صلَاته) الحَدِيث على اخْتِلَاف أَلْفَاظه وَقد خرج بعد ذَلِك الْخَوَارِج فِي خلَافَة عَليّ ﵁ ثمَّ مازالت تخرج مِنْهُم على الْمُسلمين طَائِفَة بعد طَائِفَة وَمِنْهُم شرذمة بَاقِيَة إِلَى الْآن يُقَال لَهُم الإباضية بأطراف الْهِنْد لَا يزالون يخرجُون على الْمُسلمين فِي برهم وبحرهم
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَن النَّبِي ﷺ سارر فَاطِمَة ابْنَته ﵂ فِي مرض مَوته أَنه سيموت فِي ذَلِك الْمَرَض ثمَّ أخْبرهَا أَنَّهَا أول أَهله لُحُوقا بِهِ قلت وَقد مَاتَ ﷺ فِي ذَلِك الْمَرَض وَمَاتَتْ فَاطِمَة ﵂ بعده بِسِتَّة أشهر
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أنس أَن أم حرَام بنت ملْحَان طلبت من رَسُول الله ﷺ أَن يدعوا لَهَا أَن تكون مِمَّن يركب الْبَحْر فَدَعَا لَهَا قلت وَقد ركبت الْبَحْر فِي زمن مُعَاوِيَة فَلَمَّا خرجت مِنْهُ صرعت عَن دابتها فَمَاتَتْ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ رَسُول الله ﷺ يَوْمًا (أَيّكُم بسط ثَوْبه فَيَأْخُذ من حَدِيثي فيجمعه إِلَى صَدره فَإِنَّهُ لن ينسى شَيْئا سَمعه فبسطت بردة عَليّ حَتَّى فرغ من حَدِيثه ثمَّ جمعتها إِلَى صَدْرِي فَمَا نسيت بعد ذَلِك الْيَوْم شَيْئا سمعته مِنْهُ قلت وَقد كَانَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أحفظ الصَّحَابَة لما يرويهِ وأتقنهم لما سَمعه
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أَسمَاء بنت أبي بكر ﵂ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (سَيكون فِي ثَقِيف كَذَّاب ومبير) قلت وَقد كَانَ ذَلِك فالكذاب الْمُخْتَار بن أبي عبيد الثَّقَفِيّ والمبير الْحجَّاج بن يُوسُف
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن سهل بن سعد أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَوْم خَيْبَر (لَأُعْطيَن الرَّايَة غَدا رجلا يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله يفتح الله على يَدَيْهِ وَهُوَ عَليّ ﵁)
[ ٥٥ ]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ شَهِدنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ حنينا فَقَالَ لرجل مِمَّن يَدعِي الْإِسْلَام (هَذَا من أهل النَّار) فَلَمَّا حضر الْقِتَال قَاتل الرجل قتالا شَدِيدا فأصابته جِرَاحَة فَقيل يَا رَسُول الله الرجل الَّذِي قلت لَهُ آنِفا إِنَّه من أهل النَّار قَاتل الْيَوْم قتالا شَدِيد اوقد مَاتَ فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِلَى النَّار فكاد بعض الْمُسلمين أَن يرتاب فَبينا هم على ذَلِك إِذْ قيل انه لم يمت وَلَكِن بِهِ جرح شَدِيد فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل لم يصبر على الْجرْح فَقتل نَفسه فَأخْبر بذلك النَّبِي ﷺ فَقَالَ (الله أكبر أشهد أَنِّي عبد الله وَرَسُوله)
وَلِهَذَا الحَدِيث أَلْفَاظ هَذَا حاصلها وَفِي رِوَايَة أَن بعض الصَّحَابَة مَا زَالَ يرصده بعد أَن سمع من رَسُول الله ﷺ أَنه من أهل النَّار حَتَّى قتل نَفسه
وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَليّ أَن رَسُول الله ﷺ أمره وَأمر الزبير بن الْعَوام وَأَبا مرْثَد الغنوي أَن ينطلقوا حَتَّى يَأْتُوا رَوْضَة خَاخ فَإِن بهَا امْرَأَة مَعهَا كتاب إِلَى مُشْركي قُرَيْش فوجدوها ووجدوا ذَلِك الْكتاب من حَاطِب بن أبي بلتعة
قلت والقصة مَشْهُورَة وفيهَا اعتذار حَاطِب ونزول قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء﴾ الْآيَة
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ أخبر بِمَوْت النَّجَاشِيّ فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَخرج إِلَى الْمصلى وَكبر عَلَيْهِ أَربع تَكْبِيرَات
قلت وَكَانَ الْأَمر كَذَلِك فَإِنَّهُ جَاءَ الْخَبَر بِمَوْت النَّجَاشِيّ فِي ذَلِك الْيَوْم الَّذِي أخْبرهُم فِيهِ رَسُول الله ﷺ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث حميد السَّاعِدِيّ قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول
[ ٥٦ ]
الله ﷺ فِي عزوة تَبُوك فَقَالَ (ستهب عَلَيْكُم اللَّيْلَة ريح شَدِيدَة فَلَا يقم فِيهَا أحد مِنْكُم فَمن كَانَ لَهُ بعير فليشد عقله فَقَامَ رجل فَحَملته الرّيح حَتَّى ألقته بجبل طَيء
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ أَنه أرسل النَّبِي ﷺ الْجَيْش فِي غَزْوَة مُؤْتَة وَأمر عَلَيْهِم زيد بن حَارِثَة وَقَالَ (إِن قتل فجعفر فَإِن قتل فعبد الله ابْن رَوَاحَة فَقتلُوا) وَأخْبر النَّبِي ﷺ فِي الْيَوْم الَّذِي قتلوا فِيهِ
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن النَّبِي ﷺ أخبر بقتل الْقُرَّاء فِي بِئْر مَعُونَة لما أخبرهُ جِبْرِيل أَنهم قد لقوا رَبهم فَرضِي عَنْهُم وأرضاهم
قلت وَقد كَانَ ذَلِك قُرْآنًا يُتْلَى حَتَّى نسخ لَفظه
فَهَذِهِ شُعْبَة يسيرَة من إخْبَاره ﷺ بالأمور الغيبية الَّتِي وَقعت كَمَا أخبر وَقد اقتصرنا على مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِيهِمَا غير ذَلِك مِمَّا يطول بَسطه ويتسع اسْتِيفَاؤهُ وَأما مَا كَانَ فِي غير الصَّحِيحَيْنِ من كتب الحَدِيث وَالسير فَلَا يَتَّسِع لذَلِك إِلَّا مؤلف بسيط