وَمن دَلَائِل نبوته وبراهين رسَالَته مَا وَقع لَهُ من الْآيَات الْبَينَات والبراهين المعجزات فَمن ذَلِك إنشقاق الْقَمَر وَقد نطق بذلك الْكتاب الْعَزِيز قَالَ الله ﷿ ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر وَإِن يرَوا آيَة يعرضُوا ويقولوا سحر مُسْتَمر﴾
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس أَن أهل مَكَّة سَأَلُوا رَسُول الله ﷺ أَن يُرِيهم آيَة فَأَرَاهُم انْشِقَاق الْقَمَر مرَّتَيْنِ وَمثله فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا أَن ابْن مَسْعُود قَالَ رَأَيْت الْقَمَر منشقا شقين بِمَكَّة قيل يخرج النَّبِي ﷺ شقة على جبل أبي قبيس
[ ٥٧ ]
وشقة على السويداء فَقَالَ كفار قُرَيْش يَا أهل مَكَّة هَكَذَا سحركم ابْن أبي كَبْشَة انْظُرُوا السفار فَإِن كَانُوا رَأَوْا مثل مَا رَأَيْتُمْ فقد صدق وَإِن لم يَكُونُوا رَأَوْا مثل مَا رَأَيْتُمْ فَهُوَ سحر قَالَ فَسئلَ السفار وَقدمُوا من كل وَجه فَقَالُوا رَأينَا
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ انْشَقَّ الْقَمَر على زمَان رَسُول الله ﷺ وَفِي صَحِيح مُسلم عَن ابْن عمر فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾ قَالَ قد كَانَ ذَلِك على عهد رَسُول الله ﷺ انْشَقَّ الْقَمَر فلقَتَيْنِ فلقه من دون الْجَبَل وَفلقَة من خلف الْجَبَل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ اشْهَدْ
قلت وَقد رُوِيَ فِي غير الصَّحِيحَيْنِ من غير طَرِيق هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ صُعُوده لَيْلَة الْمِعْرَاج إِلَى مَا فَوق السَّمَوَات وَقد نطق بِهَذَا الْكتاب الْعَزِيز وتواترت بِهِ الْأَحَادِيث تواترا لَا يشك من لَهُ أدنى إِلْمَام بِعلم السّنة وَلَا يُنكر ذَلِك إِلَّا متزندق وَلَيْسَ بِيَدِهِ إِلَّا مُجَرّد الاستبعاد وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا تدفع بِهِ الْأَدِلَّة وَيبْطل بِهِ الضروريات وَإِلَّا لَكَانَ مُجَرّد إِنْكَار وُقُوع الشَّيْء المبرهن على وُقُوعه كَافِيا فِي دَفعه وَذَلِكَ خلاف الْعقل وَالنَّقْل
وَقد رفع الله سُبْحَانَهُ إِلَى السَّمَاء إِدْرِيس ﵇ وَثَبت فِي السّفر الثَّانِي من أسفار الْمُلُوك فِي التَّوْرَاة أَن إيليا رفع إِلَى السَّمَاء وَبَعض تلامذته ينظر إِلَيْهِ وشاع ذَلِك وَلم يُخَالف فِيهِ أحد من الْيَهُود وإيليا هَذَا هُوَ الْمُسَمّى فِي الْقُرْآن إلْيَاس
وَهَكَذَا ثَبت فِي الأناجيل كلهَا أَن الله سُبْحَانَهُ رفع عِيسَى ﵇ بعد الصلب فِي زعمهم كَمَا هُوَ مُحَرر هُنَالك وَلَا يُخَالف فِي ذَلِك أحد من النَّصَارَى وَقد نطق الْقُرْآن الْكَرِيم بِأَنَّهُ رَفعه إِلَيْهِ وَلم يصلب والى ذَلِك ذهب بعض طوائف النَّصَارَى
[ ٥٨ ]
وَالْحَاصِل أَن رَفعه إِلَى السَّمَاء مُتَّفق عَلَيْهِ بَين جَمِيع الْمُسلمين وَجَمِيع النَّصَارَى وَلم يَقع الْخلاف بَينهم إِلَّا فِي كَونه رفع قبل الصلب أَو بعده
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَن رجلا دخل يَوْم الْمَسْجِد وَالنَّبِيّ ﷺ قَائِم يخْطب فَقَالَ يَا رَسُول الله أهلكت الْأَمْوَال وانقطعت السبل فَادع الله يغيثنا فَرفع رَسُول الله ﷺ يَده ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أغثنا اللَّهُمَّ أغثنا
قَالَ أنس وَلَا وَالله مَا نرى فِي السَّمَاء من سَحَاب وَإِن السَّمَاء لمثل الزجاجة فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ مَا وضع يَده حَتَّى ثار السَّحَاب أَمْثَال الْجبَال ثمَّ لم ينزل عَن منبره حَتَّى رَأَيْت الْمَطَر يتحادر على لحيته ثمَّ دخل رجل من ذَلِك الْبَاب فِي الْجُمُعَة الْمُقبلَة وَرَسُول الله قَائِم يخْطب فَقَالَ يَا رَسُول الله هَلَكت الْأَمْوَال وانقطعت السبل فَادع الله يمْسِكهَا عَنَّا فَرفع رَسُول الله ﷺ يَده ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ حوالينا لَا علينا اللَّهُمَّ على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشّجر
فَمَا يُشِير بِيَدِهِ إِلَى نَاحيَة إِلَّا تفرجت حَتَّى رَأَيْت الْمَدِينَة فِي مثل الجون وسال وَادي قناة شهرا وَلم يَجِيء أحد من نَاحيَة إِلَّا أخبر بجود
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا ثَبت فِي البُخَارِيّ وَغَيره فِي قصَّة أبي رَافع الْيَهُودِيّ وَأَن عبد الله بن عتِيك لما فرغ من قَتله انْكَسَرت سَاقه فوصل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ أبسط رجلك فبسطها فمسحها قَالَ وكأنما لم أشكها قطّ والقصة مبسوطة فِي كتب الحَدِيث وَالسير
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا فِي البُخَارِيّ وَغَيره أَنَّهَا أَصَابَت سَلمَة ابْن الْأَكْوَع يَوْم خَيْبَر ضَرْبَة فِي سَاقه فنفث فِيهَا رَسُول الله ﷺ ثَلَاث نفثات قَالَ فَمَا اشتكيت مِنْهَا حَتَّى السَّاعَة
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث جَابر قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا خطب يقوم إِلَى جذع من جُذُوع
[ ٥٩ ]
النّخل فَلَمَّا صنع الْمِنْبَر وَقَامَ عَلَيْهِ سمعُوا لذَلِك الْجذع صَوتا كصوت العشار حَتَّى جَاءَ النَّبِي ﷺ فَوضع يَده عَلَيْهَا فسكنت
وَلِهَذَا الحَدِيث طرق وألفاظ ثَابِتَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ تكليم الشّجر لَهُ وَمن ذَلِك مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن معن بن عبد الرَّحْمَن قَالَ سَمِعت أبي يَقُول سَأَلت مسروقا من أذن النَّبِي ﷺ بالجن لَيْلَة اسْتَمعُوا الْقُرْآن قَالَ حَدثنِي أَبوك يَعْنِي عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ أذنته بهم شَجَرَة
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ دَعَا بِمَاء فَأتي بقدح رحراح فَجعل الْقَوْم يَتَوَضَّئُونَ
وَفِي لفظ فَانْطَلق رجل من الْقَوْم فجَاء بقدح فِيهِ مَاء يسير
وَفِي لفظ لَهما فَرَأَيْت المَاء يَنْبع من تَحت أَصَابِعه ﷺ
وَفِي لفظ لَهما فَتَوَضَّأ النَّاس وَشَرِبُوا
وَفِي لفظ البُخَارِيّ فشربنا وتوضأنا فَقلت كم كُنْتُم
قَالَ لَو كُنَّا مائَة ألف لَكَفَانَا كُنَّا خمس عشرَة مائَة
وَلِلْحَدِيثِ طرق وألفاظ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا حاصلها أَنهم شربوا وتوضأوا مِنْهُم هَذَا الْعدَد الْمَذْكُور
وَمن ذَلِك مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث الْمَرْأَة الَّتِي وجدوها وَمَعَهَا مزادتين من مَاء فَانْطَلقُوا بهَا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَشَرِبُوا مِنْهَا وهم أَرْبَعُونَ قد أَصَابَهُم الْجهد من الْعَطش وملأ كل وَاحِد مِنْهُم قربته وَلم يظْهر فِي المزادتين نقص فَلَمَّا رجعت الْمَرْأَة إِلَى قَومهَا قَالَت لقد لقِيت أَسحر النَّاس أَو إِنَّه نَبِي كَمَا زعم كَانَ من أمره
[ ٦٠ ]
ذيت وذيت فهدى الله ﷿ ذَلِك الْقَوْم بِتِلْكَ الْمَرْأَة فَأسْلمت وَأَسْلمُوا
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهَا من حَدِيث جَابر أَن شاته الَّتِي ذَبحهَا لرَسُول الله ﷺ مَعَ صَاع من شعير قد أكل مِنْهَا من كَانَ يحْفر الخَنْدَق مَعَ رَسُول الله ﷺ وهم ألف وَذَلِكَ لِأَن رَسُول الله بَصق فِي البرمة وبصق فِي الْعَجِين وَبَارك فِي ذَلِك قَالَ جَابر فأقسم بِاللَّه لأكلوا حَتَّى تَرَكُوهُ وانحرفوا وَإِن برمتنا لتغط كَمَا هِيَ وَإِن عجيننا ليخبز كَمَا هُوَ
وَمن هَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أنس فِي قصَّة أبي طَلْحَة وَامْرَأَته أم سليم أَنَّهَا أخرجت أقراصا من شعير وعصرت عَلَيْهِ عكة لَهَا فَقَالَ فِيهِ رَسُول الله ﷺ مَا شَاءَ الله أَن يَقُول ثمَّ قَالَ إئذن لعشرة فَأذن لَهُم فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثمَّ كَذَلِك حَتَّى أكل الْقَوْم كلهم وهم سَبْعُونَ رجلا أَو ثَمَانُون رجلا ثمَّ أكل رَسُول الله ﷺ وَأَبُو طَلْحَة وَأم سليم وَأنس قَالَ وَفضل فضلَة فأهديناها لجيراننا
وَمن ذَلِك مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع قَالُوا كُنَّا فِي مسير لنا مَعَ رَسُول الله ﷺ فنفدت أزواد الْقَوْم حَتَّى هموا بنحر بعض حمائلهم فَقَالَ عمر يَا رَسُول الله لَو جمعت مَا بَقِي من أزواد الْقَوْم فدعوت الله عَلَيْهَا قَالَ فَفعل فجَاء ذُو الْبر ببره وَذُو التَّمْر بتمره وَذُو النَّوَى بنواه فَدَعَا رَسُول الله ﷺ عَلَيْهَا ثمَّ قَالَ خُذُوا فِي أوعيتكم فَأخذُوا فِي أوعيتهم حَتَّى مَا تركُوا فِي المعسكر وعَاء إِلَّا ملأوه فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا وفضلت فضلَة فَقَالَ عِنْد ذَلِك رَسُول الله ﷺ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله لَا يلقى الله بهَا عبد غير شَاك فيهمَا إِلَّا دخل الْجنَّة
[ ٦١ ]
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث سَلمَة فِي غَزْوَة خَيْبَر قَالَ أمرنَا أَن نجمع مَا فِي أزوادنا يَعْنِي من التَّمْر فَبسط نطعا فنثرنا عَلَيْهِ أزوادنا قَالَ فتطاولت فَنَظَرت فحرزته كربضة شَاة وَنحن أَربع عشرَة مائَة فأكلنا ثمَّ تطاولت فحرزته كربضة الشَّاة وَفِي البُخَارِيّ فتطاولت لأحرزه كم هُوَ فحرزته كربضة الْمعز وَنحن أَربع عشرَة مائَة فأكلنا حَتَّى شبعنا جَمِيعًا ثمَّ حشونا جريبنا
وَمن ذَلِك مَا فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث جَابر قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير فَمَا زَالَ الرجل يَأْكُل مِنْهُ وَامْرَأَته وضيفهما حَتَّى كاله فَأتى النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَو لم تكله لأكلتم مِنْهُ ولقام لكم
وَفِي صَحِيح مُسلم أَيْضا من حَدِيث جَابر أَن أم مَالك كَانَت تهدي للنَّبِي ﷺ فِي عكة لَهَا سمنا فَيَأْتِي بنوها فَيسْأَلُونَ الْأدم وَلَيْسَ عِنْدهم شَيْء فتعمد إِلَى الَّذِي كَانَت تهدي فِيهِ للنَّبِي ﷺ فتجد فِيهَا سمنا فَمَا زَالَ يُقيم لَهَا أَدَم بنيها حَتَّى عصرته فَأَتَت النَّبِي ﷺ فَقَالَ عصرتيها قَالَت نعم قَالَ لَو تركتيها مَا زَالَ قَائِما
وَمن ذَلِك مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أنس قَالَ زوج النَّبِي ﷺ زَيْنَب فَدخل بأَهْله قَالَ فصنعت أُمِّي أم سليم حَيْسًا فَجَعَلته فِي تور من حِجَارَة فَقَالَت يَا أنس إذهب بِهَذَا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ اذْهَبْ فَادع فلَانا وَفُلَانًا وَفُلَانًا وَمن لقِيت وسمى رجَالًا قَالَ فدعوت من سمى وَمن لقِيت قَالَ الْجَعْد وَهُوَ الرَّاوِي عَن أنس كم كَانَ عددكم قَالَ زهاء ثَلَاثمِائَة قَالَ فَقَالَ لي رَسُول الله ﷺ يَا أنس هَات التور قَالَ فَدَخَلُوا حَتَّى امْتَلَأت الصّفة والحجرة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ
[ ٦٢ ]
ليتحلق عشرَة عشرَة وليأكل كل إِنْسَان مِمَّا يَلِيهِ قَالَ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا قَالَ فَخرجت طَائِفَة وَدخلت طَائِفَة حَتَّى أكلُوا كلهم يَا أنس ارْفَعْ فَرفعت فَمَا أَدْرِي حِين وضعت كَانَ أَكثر أم حِين رفعت الحَدِيث
وَمن ذَلِك مَا فِي البُخَارِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنه أهْدى إِلَى النَّبِي ﷺ قدح لبن فَدَعَا أهل الصّفة فَشرب كل وَاحِد مِنْهُم مِنْهُ حَتَّى رُوِيَ ثمَّ شرب أَبُو هُرَيْرَة حَتَّى رُوِيَ ثمَّ شرب النَّبِي ﷺ
وَمن ذَلِك مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِائَة فَاشْترى النَّبِي ﷺ شَاة وذبحها لَهُم وَأمر بِسوار الْبَطن أَن يشوى قَالَ وأيم الله مَا فِي الثَّلَاثِينَ وَالْمِائَة إِلَّا من قد حز لَهُ النَّبِي ﷺ حزة من سوار بَطنهَا إِن كَانَ شَاهدا أعطَاهُ وَإِن كَانَ غَائِبا خبأ لَهُ فَجعل مِنْهَا قَصْعَة وأكلوا أَجْمَعُونَ فشبعنا وَذكر أَنهم حملُوا الفضلة على الْبَعِير
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث جَابر أَن وَالِده اسْتشْهد وَترك دينا وَترك سِتّ بَنَات فَلَمَّا حضر جدَاد النّخل قَالَ أتيت النَّبِي ﷺ فَقلت قد علمت أَن وَالِدي قد اسْتشْهد يَوْم أحد وَترك دينا كثيرا وَأَنِّي أحب أَن تراك الْغُرَمَاء قَالَ اذْهَبْ فبيدر كل ثَمَر على نَاصِيَة فَفعلت ثمَّ دَعوته ﷺ فَلَمَّا نظرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّهُمْ أغروا بِي تِلْكَ السَّاعَة فَلَمَّا رأى مَا يصنعون أطاف حول أعظمها بيدرا ثَلَاث مَرَّات ثمَّ جلس عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ ادْع لي أَصْحَابك فَمَا زَالَ يَكِيل لَهُم حَتَّى أدّى إِلَيْهِم عَن وَالِدي أَمَانَته وَأَنا أرْضى أَن يُؤَدِّي إِلَيْهِم عَن وَالِدي أَمَانَته وَلَا أرجع إِلَى أخواتي بتمرة فَسلم الله البيادر كلهَا حَتَّى إِنِّي لأنظر إِلَى البيدر الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ كَأَنَّهَا لم تنقص تَمْرَة وَاحِدَة
[ ٦٣ ]
وَفِي رِوَايَة أَن جَابِرا قد كَانَ عرض على أهل الدّين أَن يَأْخُذُوا التَّمْر كُله فَأَبَوا
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من جَابر بن سَمُرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِنِّي لأعرف حجرا بِمَكَّة كَانَ يسلم عَليّ قبل أَن أبْعث إِنِّي لأعرفه الْآن
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أنس قَالَ صعد النَّبِي ﷺ أحدا وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان فَرَجَفَ بهم الْجَبَل فَقَالَ اسكن وضربه بِرجلِهِ فَلَيْسَ عَلَيْك إِلَى نَبِي وصديق وشهيدان
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع أَن النَّبِي ﷺ فِي غَزْوَة حنين قبض قَبْضَة من الأَرْض واستقبل بهَا وُجُوههم فَقَالَ (شَاهَت الْوُجُوه فَمَا خلق الله مِنْهُم إنْسَانا إِلَّا مَلأ عَيْنَيْهِ تُرَابا بِتِلْكَ القبضة فَوَلوا مُدبرين فَهَزَمَهُمْ الله)
وَفِي صَحِيح مُسلم أَيْضا من حَدِيث الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب أَن رَسُول الله ﷺ فِي غَزْوَة حنين أَخذ حَصَيَات فَرمى بهَا وُجُوه الْكفَّار ثمَّ قَالَ (انْهَزمُوا وَرب الْكَعْبَة)
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا نطق بِهِ الْقُرْآن الْكَرِيم من تأييد الله سُبْحَانَهُ لَهُ بِالْمَلَائِكَةِ كَقَوْلِه ﷿ ﴿أَنِّي مُمِدكُمْ بِأَلف من الْمَلَائِكَة مُردفِينَ﴾ وَقَوله ﴿ألن يكفيكم أَن يمدكم ربكُم بِثَلَاثَة آلَاف من الْمَلَائِكَة منزلين بلَى إِن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هَذَا يمددكم ربكُم بِخَمْسَة آلَاف من الْمَلَائِكَة مسومين﴾ وَقَوله ﷿ ﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم ريحًا وجنودا لم تَرَوْهَا﴾ وَقَوله ﴿وَأنزل جُنُودا لم تَرَوْهَا﴾ وَنَحْو ذَلِك من الْآيَات
[ ٦٣ ]
وَقد شوهدت الْمَلَائِكَة فِي بعض حروبه ﷺ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ بَيْنَمَا رجل من الْمُسلمين يَوْمئِذٍ يشْتَد فِي إِثْر رجل من الْمُشْركين أَمَامه إِذْ سمع ضَرْبَة سَوط فَوْقه وَصَوت الْفَارِس يَقُول أقدم حيزوم فَنظر إِلَى الْمُشرك أَمَامه فَخر مُسْتَلْقِيا فَنظر إِلَيْهِ فَإِذا قد حطم أَنفه وشق وَجهه كَضَرْبَة السَّوْط فأحضر ذَلِك أجمع فجَاء الْأنْصَارِيّ فَحدث ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَقَالَ صدقت ذَلِك من مدد السَّمَاء الثَّالِثَة وَذَلِكَ يَوْم بدر
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن سعد بن أبي وَقاص قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يَوْم أحد عَن يَمِين النَّبِي ﷺ وَعَن يسَاره رجلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَاب بيض يقاتلان عَن رَسُول الله ﷺ أَشد الْقِتَال مَا رأيتهما قبل ذَلِك الْيَوْم وَلَا بعده يَعْنِي جِبْرِيل وَمِيكَائِيل ﵉
وَفِي البُخَارِيّ عَن أنس قَالَ كَأَنِّي أنظر إِلَى الْغُبَار ساطعا فِي زقاق بني غنم موكب جِبْرِيل ﵇ حِين سَار رَسُول الله ﷺ إِلَى بني قُرَيْظَة
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ أَبُو جهل هَل يعفر مُحَمَّد وَجهه بَين أظْهركُم قيل نعم قَالَ وَاللات والعزى لَئِن رَأَيْته يفعل ذَلِك لَأَطَأَن على رقبته فَمَا جَاءَهُم مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكص على عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بيدَيْهِ فَقيل لَهُ مَالك قَالَ إِن بيني وَبَينه لَخَنْدَقًا من نَار وَهولا وَأَجْنِحَة
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب فِي قصَّة هجرته ﷺ عَن ابي بكر قَالَ وَاتَّبَعنَا سراقَة بن مَالك بن جعْشم وَنحن فِي جدد من الأَرْض فَقلت يَا رَسُول الله أَتَيْنَا فَقَالَ لَا تحزن إِن الله مَعنا فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فارتطمت فرسه إِلَى بَطنهَا فَقَالَ قد علمت أنكما دعوتما عَليّ فَادعوا لي وَالله لَكمَا أَن أرد عنكما الطّلب فَدَعَا الله فنجا الحَدِيث
[ ٦٥ ]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث سراقَة نَفسه قَالَ ساخت يدا فرسي فِي الأَرْض حَتَّى بلغتا الرُّكْبَتَيْنِ فَخَرَرْت عَنْهَا ثمَّ زجرتها فَنَهَضت فَلم تكد تخرج يَديهَا فَلَمَّا اسْتَوَت قَائِمَة إِذا لأثر يَديهَا غُبَار سَاطِع فِي السَّمَاء مثل الدُّخان الحَدِيث
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن جَابر قَالَ غزونا مَعَ رَسُول الله ﷺ غزَاة قبل نجد فَأَدْرَكنَا رَسُول الله ﷺ فِي القائلة فِي وَاد كثير الْعضَاة فَنزل رَسُول الله ﷺ تَحت شَجَرَة فعلق سَيْفه بِغُصْن من اغصانها وتفرق النَّاس فِي الْوَادي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن رجلا أَتَانِي وَأَنا نَائِم فَأخذ السَّيْف فَاسْتَيْقَظت وَهُوَ قَائِم على رَأْسِي وَالسيف صَلتا فِي يَده فَقَالَ من يمنعك مني قلت الله فَشَام السَّيْف فها هُوَ جَالس ثمَّ لم يعرض لرَسُول الله ﷺ وَكَانَ ملك قومه فَانْصَرف حِين عَفا عَنهُ فَقَالَ لَا أكون فِي قوم هم حَرْب لَك)
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن أنس قَالَ كَانَ رجل نَصْرَانِيّ فَأسلم وَقَرَأَ الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَكَانَ يكْتب للنَّبِي ﷺ فَعَاد نَصْرَانِيّا فَكَانَ يَقُول مَا يدْرِي مُحَمَّد إِلَّا مَا كتبت لَهُ فَقَالَ رَسُول الله اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ آيَة فأماته الله فَأصْبح وَقد لفظته الأَرْض فَقَالُوا هَذَا فعل أَصْحَابه لما هرب مِنْهُم نبشوا عَن صاحبنا فألقوه فَحَفَرُوا لَهُ وأعمقوا مَا اسْتَطَاعُوا فَأَصْبحُوا وَقد لفظته الأَرْض فَقَالُوا مثل الأول فَحَفَرُوا لَهُ فأعمقوا فلفظته الثَّالِثَة فَعَلمُوا أَنه لَيْسَ من فعل النَّاس فَتَرَكُوهُ مَنْبُوذًا
[ ٦٦ ]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن ابْن مَسْعُود قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ (اللَّهُمَّ عَلَيْك بِأبي جهل بن هِشَام وَعقبَة بن ربيعَة وَشَيْبَة بن ربيعَة والوليد بن عتبَة وَأُميَّة بن خلف وَعقبَة بن أبي معيط) قَالَ ابْن مَسْعُود فوالذي بعث مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لقد رَأَيْت الَّذِي سمى صرعى يَوْم بدر ثمَّ سحبوا إِلَى القليب قليب بدر وَكَانَ هَذَا الدُّعَاء مِنْهُ ﷺ عَلَيْهِم لما وضعُوا عَلَيْهِ سلا الْجَزُور
وَمن إِجَابَة دُعَائِهِ ﷺ مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَنه ﷺ دَعَا لأنس بن مَالك فَقَالَ (اللَّهُمَّ أَكثر مَاله وَولده وَبَارك لَهُ فِيمَا أَعْطيته) فَكَانَ من أَكثر الْأَنْصَار مَالا وَولدا حَتَّى روى عَنهُ أَنه دفن لصلبه إِلَى عِنْد مقدم الْحجَّاج بن يُوسُف بضعا وَعشْرين وَمِائَة
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَنه ﷺ قَالَ لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف (بَارك الله لَك أَو لم وَلَو بِشَاة) فَبلغ مَال عبد الرَّحْمَن مبلغا عَظِيما قَالَ الزُّهْرِيّ إِنَّه تصدق بِأَرْبَع مائَة ألف دِينَار وَحمل على خَمْسمِائَة فرس فِي سَبِيل الله وَخَمْسمِائة بعير فِي سَبِيل الله وَكَانَ عَامَّة مَاله فِي التِّجَارَة
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَنه ﷺ دَعَا لِابْنِ عَبَّاس فَقَالَ (اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه التَّأْوِيل) فَكَانَ لَهُ من الْعلم والدراية بالتفسير مَا هُوَ مَعْلُوم عِنْد كل عَارِف حَتَّى كَانُوا يسمونه الْبَحْر
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن عبد الله بن هِشَام كَانَ يخرج إِلَى السُّوق فيتلقاه ابْن الزبير وَابْن عمر فَيَقُولَانِ أشركنا فَإِن رَسُول الله ﷺ قد دَعَا لَك بِالْبركَةِ فيشركهم فَرُبمَا أصَاب الرَّاحِلَة كَمَا هِيَ فيبعث بهَا إِلَى الْمنزل
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث مسلمة أَن رجلا أكل عِنْد رَسُول
[ ٦٧ ]
الله ﷺ بِشمَالِهِ فَقَالَ لَهُ كل بيمينك فَقَالَ لَا أَسْتَطِيع قَالَ لَا اسْتَطَعْت مَا مَنعه إِلَّا الْكبر قَالَ فَمَا رَفعهَا إِلَى فِيهِ
وَاعْلَم أَرْشدنِي الله وَإِيَّاك أَن دَلَائِل نبوة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ لَا يُحِيط بهَا الْقَلَم وَإِن طَال شوطه وَقد صنف أهل الْعلم فِي ذَلِك مؤلفات مبسوطة مُطَوَّلَة كَمَا عرفناك سَابِقًا وأرشدناك إِلَى مصنفات بعض المصنفين فِي هَذَا الشان وَلم نذْكر هَاهُنَا أَلا نزرا يَسِيرا وَقدرا حَقِيرًا مِمَّا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا وَقد بَقِي فِيهَا غير مَا ذكرنَا كَمَا لَا يخفى على الْعَارِف بهَا وَلَو ذكرنَا جَمِيع مَا فِيهَا وَمَا فِي بَقِيَّة الْأُمَّهَات السِّت وَمَا فِي سَائِر كتب الحَدِيث وَالسير لجاء من ذَلِك كتابا مطولا ومؤلفا حافلا
وَلَكِن لما كَانَ الْغَرَض هَاهُنَا هُوَ التَّنْبِيه على اتِّفَاق جَمِيع الشَّرَائِع على إِثْبَات الثَّلَاثَة الْمَقَاصِد الَّتِي جَمعنَا هَذَا الْمُخْتَصر لَهَا كَانَ فِيمَا ذَكرْنَاهُ مَا يُفِيد ذَلِك وَلَو كتبنَا هَاهُنَا الْآيَات القرآنية الدَّالَّة على كل مقصد من هَذِه الْمَقَاصِد لأتينا على غَالب الْآيَات القرآنية وعَلى كثير من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة
ثمَّ اعْلَم ثَانِيًا أَن دَلَائِل نبوة سَائِر الْأَنْبِيَاء قد اشْتَمَل على كثير مِنْهَا الْقُرْآن الْكَرِيم وَالسّنة المطهرة وَكَذَلِكَ التَّوْرَاة وَالزَّبُور وَسَائِر كتب أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل وَالْإِنْجِيل وَإِنَّمَا اقتصرنا على ذكر بعض دَلَائِل نبوة نَبينَا ﷺ لِأَن ثُبُوت نبوته تَسْتَلْزِم ثُبُوت نبوة جَمِيع الْأَنْبِيَاء ﵈ لِأَنَّهُ ﷺ قد أخبرنَا بِأَنَّهُم أَنْبيَاء الله سُبْحَانَهُ كَمَا اشْتَمَل على ذَلِك الْقُرْآن الْكَرِيم وَالسّنة المطهرة
فثبوت نبوته يسْتَلْزم ثُبُوت نبوة سَائِر الْأَنْبِيَاء
وَوجه ذَلِك أَن ثُبُوت نبوته يسْتَلْزم ثُبُوت جَمِيع مَا أخبر بِهِ وَصِحَّته
وَمِمَّا أخبر بِهِ ثُبُوت نبوة جَمِيع الْأَنْبِيَاء فَكَانَ فِي ذكر دَلَائِل نبوته ﷺ مَا يُغني عَن ذكر دَلَائِل نبوة سَائِر الْأَنْبِيَاء وَلِهَذَا اقتصرنا على ذَلِك
[ ٦٨ ]
وبمجموع مَا ذَكرْنَاهُ تقرر اتِّفَاق الشَّرَائِع جَمِيعهَا على إِثْبَات تِلْكَ الْمَقَاصِد الثَّلَاثَة وَهُوَ الْمَطْلُوب
وَالْحَمْد لله أَولا وآخرا وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه كَانَ الْفَرَاغ من تَحْرِير هَذَا الْمُخْتَصر يَوْم الْأَرْبَعَاء لَعَلَّه السَّابِع وَالْعشْرُونَ من شهر ربيع الآخر من شهور سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ بعد المئتين وَالْألف بقلم مُؤَلفه المفتقر إِلَى رَحْمَة الله ومغفرته ورضوانه مُحَمَّد بن عَليّ الشَّوْكَانِيّ غفر الله لَهما
[ ٦٩ ]