من الأسماء والصفات
موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم، وكل ما جاء في القرآن، أو صح عن المصطفى - ﵇ - من صفات الرحمن وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل، والتشبيه، والتمثيل، وما أشكل من ذلك؛ وجب إثباته لفظًا، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، اتباعًا لطريق الراسخين في
[ ١٧ ]
العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله ﷾: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧].
الشرح
قوله: «موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم»: هذا هو الواجب في باب الأسماء والصفات، فهو سبحانه مستحق لصفات كماله التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله - ﷺ -، فهو سبحانه مستحق لهذه الأوصاف على ما يليق بجلاله، وأهل السنة يؤمنون بهذا الأصل؛ فيصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله - ﷺ -، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ولا إلحاد في أسماءه ولا صفاته وآياته.
قوله: «وكل ما جاء في القرآن، أو صح عن المصطفى - ﵇ - من صفات الرحمن وجب الإيمان به»: وهذا كلام عظيم جامع من المصنف -﵀-، فكل ما جاء في الكتاب والسنة من صفاته تعالى؛ مما أخبر به عن نفسه في كتابه، أو أخبر عنه نبيه - ﷺ - وهو أعلم الخلق به- وجب الإيمان به، وهذا هو الواجب في باب الأسماء والصفات، وهذا مقتضى الإيمان بالله، وكتابه، ورسوله.
قوله: «وتلقيه بالتسليم والقبول»: وهذا من الواجب -أيضًا- في باب الأسماء والصفات، وهو تلقيها بالتسليم والقبول، على مراد الله ورسوله، والإيمان به، وبأنه الحق، دون معارضة، ولا حرج، ولا توقف، ولا تردد.
[ ١٨ ]
قوله: «وترك التعرض له بالرد والتأويل، والتشبيه، والتمثيل»: فيجب على المسلم ترك هذه المعاني الباطلة، ونبه المؤلف بهذه الجملة إلى رد المذاهب الباطلة، وأنه يجب الإيمان، والتسليم، والتلقي لها بالقبول، وترك التعرض لها بشيء من هذه الأباطيل.
- والرد: هو التكذيب، كما فعلت الجهمية.
- والتأويل: هو في حقيقته تحريف.
قوله: «وما أشكل من ذلك»: مما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله - ﷺ -.
قوله: «وجب إثباته لفظًا»: وهذا في الحقيقة يوهم أن المؤلف -﵀- يذهب إلى القول بالتفويض في بعض نصوص الصفات، وهذه الجملة صحيحة؛ إذا كانت بمعنى: أن ما أشكل وما خفي معناه يجب الإيمان به على ما أراد الله، وإثبات لفظه، وتفويض علمه إلى الله، فما اشتبه على العباد علمه: فعليهم أن يفوضوا علمه إلى الله، ويقولوا: الله أعلم، كما كان الصحابة يفعلون، وكما أمر الله بذلك في مواطن من كتابه، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف:٢٢]، ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الكهف:٢٦]، فكل ما أشكل من المسائل الاعتقادية، أو الأحكام الشرعية وجب رده إلى الله، ونقول: الله أعلم، فإذا سئل المرء عن حكم أو علم لا يعلمه فإنه يقول: الله أعلم.
ولا يلزم من هذا: كونها مجهولة المعنى مطلقًا، بحيث
[ ١٩ ]
لا يفهمها أحد، ولم يفهمها النبي - ﷺ - ولا الصحابة، بل القرآن كله قد أمر الله بتدبره، والله يفتح على من يشاء.
قوله: «وترك التعرض لمعناه»: أي بالتفسير والتأويلات التي لا دليل عليها.
قوله: «ونرد علمه إلى قائله»: وهو الله ﷾، أو رسوله - ﷺ -.
قوله: «ونجعل عهدته على ناقله»: أي من بلَّغه، فهو المسؤول عما نقل من العلم.
قوله: «اتباعًا لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله ﷾: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]»: هذا إنما يكون في الآيات المشتبهات، وقد ذكر الله ﷾ طريق الزائغين، وطريق الراسخين في العلم، فقال سبحانه في موقف الزائغين: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٧]، فيتبعون المتشابه والمشكل، ويعرضون عن الكلام الواضح المحكم، لأجل: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران:٧]، وإضلال الناس وتشكيكهم، ﴿وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧]، طلبًا لتأويله، وهو الذي لا يعلمه إلا الله، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧].
وأما ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] أهل العلم والدين والإيمان، فإنهم: ﴿يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران:٧]، حتى العامي الموفق في دينه -أيضًا- يثبت على هذا الأصل، فليس بشرط أن يكون علامة، وأن يكون عنده علم، لكنه لا يدخل فيما ليس له
[ ٢٠ ]
فيه علم، ويقول: الله أعلم، ويقول: آمنا بالله، ولا يخوض في المتشابه الذي لا يعلمه.
﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧] فالآيات المحكمات والمتشابهات كله من عند الله تعالى.
ثم ذكر ﷾ أن من دعائهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران:٨]، فهم على النقيض من أهل الزيغ، فهم يدعون الله أن يعصم قلوبهم من الزيغ.