من الواجبات والحقوق
وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈، وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم
_________________
(١) تقدم الكلام على المقام المحمود في (ص ٨٢).
(٢) تقدم الكلام على الحوض في (ص ٨٥).
(٣) روى البخاري في صحيحه برقم (٤٧١٢) ومسلم في صحيحه برقم (١٩٤) عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «أنا سيد الناس يوم القيامة»، وروى مسلم في صحيحه برقم (٢٢٧٨) لفظ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة».
(٤) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٤٨٦)، ومسلم في صحيحه برقم (٨٥٥).
[ ١٠٥ ]
علي المرتضى، لما روى عبدالله بن عمر ﵄ قال: «كنا نقول والنبي - ﷺ - حيٌّ: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي» (١)، «فيبلغ ذلك النبيَّ - ﷺ - فلا ينكره» (٢)، وصحت الرواية عن علي - ﵁ - أنه قال: «خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، ثم عمر» (٣)، «ولو شئت لسميت الثالث» (٤)، وروى أبو الدرداء: عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر» (٥)، وهو أحق خلق الله تعالى بالخلافة بعد النبي - ﷺ - لفضله وسابقته، وتقديم النبي - ﷺ - له في الصلاة على جميع الصحابة ﵃، وإجماع الصحابة ﵃ على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة، ثم من بعده
_________________
(١) رواه أبو داود في سننه برقم (٤٦٢٧) والترمذي في جامعه برقم (٣٧٠٧)، وروى البخاري في صحيحه برقم (٣٦٥٥) عن ابن عمر بلفظ: «كنا نخير بين الناس في زمن النبي - ﷺ -: فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ﵃»، وفي هذا الحديث لم يرد التربيع بعلي - ﵁ -، وسيأتي كلام الشارح عليه.
(٢) هذه اللفظة زيادة ابن أبي عاصم في السنة (١١٩٣)، وقال عنها الألباني في ظلال الجنة: «وهي زيادة ثابتة».
(٣) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٦٧١) من حديث محمد بن الحنفية، حكم عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بالتواتر كما في الواسطية (ص ٢٦٠)، ومجموع الفتاوى (٢/ ٢٢٣).
(٤) هذه التتمة للحديث رواها الإمام أحمد في مسنده برقم (٨٧٩) من مسند علي - ﵁ -.
(٥) نسبه البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ١٤٩) إلى مسند عبد بن حميد من حديث أبي الدرداء - ﵁ - وتتمته: «إلا أن يكون نبي».
[ ١٠٦ ]
عمر - ﵁ - لفضله، وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان - ﵁ -، لتقديم أهل الشورى له، ثم علي لفضله، وإجماع أهل عصره عليه.
وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون، والأئمة المهديون، الذين قال فيهم رسول الله - ﷺ -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» (١)، وقال - ﷺ -: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» (٢)، فكان آخرها خلافة علي - ﵁ -.
الشرح
بعدما ذكر المؤلف -﵀- منزلة النبي - ﷺ -، وأنه خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وذكر بعض ما له من الخصال والفضائل؛ ذكر أن أمته خير الأمم، فكما أنه خير الرسل، فأمته خير الأمم، كما قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وكما جاء في الحديث أن النبي - ﷺ - قال: «أنتم توفون سبعين أمة؛ أنتم خيرها وأكرمها على الله ﵎» (٣)، وكما في الحديث المتفق عليه: «خير الناس قرني،
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٢٤).
(٢) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم (١٧١٤٤)، وأبو داود في سننه برقم (٤٦٤٦)، والترمذي في جامعه برقم (٢٢٢٦)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٧٢٤ - ح ٤٥٩).
(٣) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم (٢٠٠١٥)، والترمذي في جامعه برقم (٣٠٠١)، والنسائي في الكبرى برقم (١١٣٦٧)، وابن ماجه في سننه برقم (٤٢٨٨).
[ ١٠٧ ]
ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١)، وقال - ﷺ -: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بَيْدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم» (٢).
ثم ذكر المؤلف -﵀- بعد ذلك: أن خير هذه الأمة: هم أصحاب النبي - ﷺ -، والأدلة على فضلهم كثيرة جدًا من الكتاب والسنة.
قوله: «وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى»: وخير الأمة وأفضل الصحابة على الإطلاق: أبو بكر الصديق - ﵁ -، هو صديق الأمة، وخيرها بعد نبيها، ثم عمر الفاروق - ﵁ -، ثم عثمان ذو النورين - ﵁ -، ثم علي المرتضى - ﵁ -، وهذا الترتيب مما اتفق عليه أهل السنة (٣).
أما تقديم أبي بكر وعمر ﵄ فهذا فيه إجماع قطعي قائم من هذه الأمة من أولها إلى آخرها، وأما عثمان وعلي ﵄ فقد كان في المفاضلة بينهما خلاف، قال ابن تيمية -﵀- في
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٦٥١)، ومسلم في صحيحه برقم (٢٥٣٣).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في العقيدة الواسطية: «ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - وغيره من «أن خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، ثم عمر»، ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي، كما دلت عليه الآثار». انظر شرح فضيلة الشيخ عبدالرحمن البراك على الواسطية (ص ٢٦٠).
[ ١٠٨ ]
الواسطية: «مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان وسكتوا، أو ربعوا بعلي، وقدم قوم عليًا، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان.
وإن كانت المسألة -مسألة عثمان وعلي- ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يضلل فيها: مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة فهو أضل من حمار أهله» (١)، فترتيبهم عند أهل السنة في الفضل كترتيبهم في الخلافة.
وقد دلت الأدلة على فضل الخلفاء الراشدين عمومًا وخصوصًا، وأشار المؤلف إلى فضل هؤلاء الأربعة، حيث ذكر حديث ابن عمر ﵄: «كنا نقول والنبي - ﷺ - حي: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فيبلغ ذلك النبيَّ - ﷺ - فلا ينكره» (٢)، وأما زيادة «ثم علي»، فهذا لفظ ليس في الحديث، فلا أدري أسهو هو أم سقط قلم؟ حيث رواه الإمام البخاري (٣) ولم يذكر هذه الزيادة، ولو صحت هذه الزيادة لما كان هناك مجال للاختلاف.
قوله: «وهو أحق خلق الله تعالى بالخلافة بعد النبي - ﷺ - لفضله وسابقته، وتقديم النبي - ﷺ - له في الصلاة على جميع
_________________
(١) العقيدة الواسطية بشرح فضيلة الشيخ عبدالرحمن البراك (ص ٢٦٠).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) في صحيحه برقم (٣٦٥٥)، وتقدم.
[ ١٠٩ ]
الصحابة ﵃، وإجماع الصحابة ﵃ على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة»: ومن الأدلة على فضل أبي بكر - ﵁ - وأنه الحق بالأمر والخلافة: أن النبي - ﷺ - قدمه في إمامة الصلاة على غيره في مرض موته، وقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» (١)، ولما سأله عمرو بن العاص - ﵁ - بقوله: من أحب الناس إليك؟ قال: «عائشة»، قال من الرجال؟ قال: «أبوها» (٢)، فهو أحب أصحاب النبي - ﷺ - إليه، وفي الحديث المتفق عليه أن النبي - ﷺ - قال: «لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، إن صاحبكم خليل الله» (٣)، فدلت النصوص على فضله، وأنه أفضل الأمة، وأقامه النبي - ﷺ - مقامه في الصلاة بالناس في مرض موته.
قوله: «ثم من بعده عمر - ﵁ - لفضله، وعهد أبي بكر إليه»: ثم بعد أبي بكر بالفضل والخلافة: عمر الفاروق - ﵁ -، وقد ثبتت خلافته بعهد أبي بكر - ﵁ - إليه، واستقامت بذلك الأمور، وقام عمر - ﵁ - بالأمر خير قيام، كما جاء في الحديث المتفق عليه أن النبي - ﷺ - قال: «بينا أنا نائم رأيتُني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ماشاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع بها
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٦٤)، ومسلم في صحيحه برقم (٤١٨)، من حديث عائشة ﵂.
(٢) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٦٦٢)، ومسلم في صحيحه برقم (٢٣٨٤).
(٣) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٦٥٤)، ومسلم في صحيحه برقم (٢٣٨٣)، واللفظ له.
[ ١١٠ ]
ذنوبًا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربًا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريًا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن» (١)، حيث فتح الفتوح في خلافته، وانتشر الإسلام في أقطار الأرض.
قوله: «ثم عثمان - ﵁ -، لتقديم أهل الشورى له»: حيث عهد عمر - ﵁ - بالأمر إلى ستة من الصحابة، وهم أهل الشورى، وهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبدالرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، ﵃ أجمعين، وشاور عبدالرحمن بن عوف - ﵁ - الناس فقال: «لم أر الناس يعدلون بعثمان أحدًا»، فتم الأمر له باتفاق المهاجرين والأنصار (٢)، ولذلك نقل عن بعض السلف: «من طعن في خلافة عثمان؛ فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار» (٣).
قوله: «ثم علي لفضله»: فهو رابع الخلفاء الراشدين، وهو أفضل الصحابة بعد الثلاثة.
وأما قوله: «وإجماع أهل عصره عليه»: فليس بمستقيم، فلم يجمع الصحابة على خلافته، بل نازعه في ذلك أهل الشام، وامتنعوا عن مبايعته، ولم يتم له الأمر، لكن باتفاق أهل السنة
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٦٦٤)، ومسلم في صحيحه برقم (٢٣٩٢)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) انظر تفصيل ذلك في البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٤١٤).
(٣) نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن: أيوب السختياني، وأحمد بن حنبل، والدارقطني، كما في مجموع الفتاوى (٤/ ٤٢٦).
[ ١١١ ]
والجماعة أنه رابع الخلفاء الراشدين، وأنه أفضل الصحابة بعد الثلاثة، وحتى أهل الشام لا ينازعون في فضله، ولا في أحقيته بالأمر، لكن لشبه عرضت لهم بسبب مقتل عثمان - ﵁ -، فامتنعوا لأجلها عن مبايعة علي - ﵁ -، وجرى من جراء ذلك فتنًا عظيمة (١).
ثم بمقتل علي - ﵁ - واستخلاف ابنه الحسن - ﵁ -، وبعد ستة أشهر رأى الحسن أن الأمر لا يمكن أن يستقيم، ولا يصلح أمر الأمة مع هذا النزاع؛ فتنازل عن الأمر لمعاوية - ﵁ -، فاجتمعت الكلمة، وسمي ذلك العام: عام الجماعة، وتحقق فيه قول النبي - ﷺ -: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٢).
ومن أفضل ما جرى لعلي - ﵁ - في خلافته: قتله للخوارج، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «تمرق مارقة من الدين على حين فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق» (٣).
وقد ضل في هذا الأمر: الرافضة، حيث ضلوا في الصحابة عمومًا، وفي أمر الخلفاء الثلاثة خصوصًا، فجمعوا بين عداوة جمهور الصحابة وبغضهم، وبين الغلو في علي وأهل بيته، ولهم
_________________
(١) انظر موقف المسلم من الفتن التي جرت بين الصحابة في شرح فضيلة الشيخ عبدالرحمن البراك على الواسطية (ص ٢٧٢)، وعلى الطحاوية (ص ٣٦١).
(٢) رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٧٠٤) من حديث أبي بكرة - ﵁ -.
(٣) رواه مسلم في صحيحه برقم (١١٣)، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
[ ١١٢ ]
في هذا فنون وأقاويل وجهالات تدل على سخف عقولهم وسفههم، فمذهب الرفض مذهب خبيث، ومذهب في غاية الضلالة والبعد عن الصراط المستقيم، وقد أصيبت هذه الأمة بهذا المذهب وبأهله مصابًا جللًا مذ كانوا ومذ نبتوا، وقد بدأت هذه الطائفة في عهد علي - ﵁ -، وأول من ظهر منهم: السبئية، حيث أظهروا تأليه علي - ﵁ -، ولما ظهر عليهم علي - ﵁ - سجدوا له، فأنكر عليهم، فقالوا: أنت إلهنا، فأمر بتحريقهم، وقال البيت المشهور:
لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا أججت ناري ودعوت قمبرًا (١).
وهذا لم يزد من كان عنده هذا المرض إلا بعدًا وضلالة، ثم احتجوا بعد هذا بحجة شيطانية؛ فقالوا: إن تحريقه دليل على ألوهيته، لأنه: «لا يعذب بالنار إلا رب النار» (٢)، ثم انقسمت الرافضة إلى طوائف (٣)، حتى على عهد علي - ﵁ -، ومنها:
- الغلاة: وهم السبئية، الذين يقولون: بإلهية علي - ﵁ -، والذين من بعدهم قالوا: بإلهيته وإلهية الأئمة من بعده، وهذا المذهب سرى في الإسماعيلية والنصيرية.
_________________
(١) انظر هذه القصة وتعليق شيخ الإسلام عليها في مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٨٥).
(٢) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم (١٦٠٣٤)، وأبو داود في سننه برقم (٢٦٧٣).
(٣) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (٤/ ٤٠٧)، وشرح فضيلة الشيخ عبدالرحمن البراك على الطحاوية (ص ٣٧٩).
[ ١١٣ ]
- ومنهم فرقة تدعى: السبابة، الذين يسبون أبا بكر وعمر ﵄.
- ومنهم: المفضلة، الذين يفضلون عليًا على أبي بكر وعمر من دون سب لهما.
والمذهب الظاهر للفرقة الاثني عشرية المشهورة التي يقوم عليها مذهب الرافضة في إيران: أنهم سبابة، ويقولون: بعصمة الأئمة الاثني عشر، وآخرهم: الإمام المنتظر المزعوم.
والخوارج -على ما عندهم من بدعة وضلال- خير من الرافضة بكثير.