في وجوب الطاعة لأئمة المسلمين (٢)
ومن السنة: السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله، ومن ولي الخلافة، واجتمع عليه
_________________
(١) كما في مجموع الفتاوى (٤/ ٤٧٨) حيث قال: «واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك؛ كان ملكه ملكًا ورحمة؛ كما جاء في الحديث: «يكون الملك نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة ». وانظر تخريج هذا الحديث في السلسلة الصحيحة للألباني (١/ ٨ - ح ٥).
(٢) انظر ما سبق بيانه في (ص ٥).
[ ١٢٧ ]
الناس، ورضوا به، أو غلبهم بسيفه، حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين؛ وجبت طاعته، وحرمت مخالفته، والخروج عليه، وشق عصا المسلمين.
الشرح
قوله: «ومن السنة»: التي تواترت فيها الأحاديث عن النبي - ﷺ -، ومضى عليها السلف الصالح، والتابعون لهم بإحسان من أهل السنة والجماعة: «السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم».
قوله: «ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله»: فالطاعة التي تجب لهم: هي الطاعة في المعروف، فلا يطاعون -هم ولا غيرهم- في معصية الله - ﷿ -، كما قال النبي - ﷺ -: «إنما الطاعة في المعروف» (١)، وقال النبي - ﷺ -: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره؛ إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٢)، هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة (٣).
قوله: «ومن ولي الخلافة، واجتمع عليه الناس، ورضوا
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٣٤٠)، ومسلم في صحيحه برقم (١٨٤٠)، من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ -.
(٢) رواه البخاري في صحيحه برقم (٧١٤٤)، ومسلم في صحيحه برقم (١٨٣٩)، من حديث عبدالله بن عمر ﵄.
(٣) انظر شرح الطحاوية لفضيلة الشيخ عبدالرحمن البراك (ص ٢٦٨).
[ ١٢٨ ]
به، أو غلبهم بسيفه، حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين؛ وجبت طاعته، وحرمت مخالفته، والخروج عليه، وشق عصا المسلمين»: أشار المؤلف -﵀- إلى ما تثبت به الولاية، والإمامة الكبرى:
- فمن ولي أمر المسلمين، واجتمعوا عليه، ورضوا به؛ بأن يكون تولى برضاهم واختيارهم: فقد ثبتت إمامته، ووجب له السمع والطاعة.
- وكذلك: من غلبهم بسيفه، ثم اجتمع عليه الناس، فإنه تثبت بذلك ولايته، ويستقر الأمر، ولا يحل لأحد الخروج عليه؛ لأن الخروج عليه حينئذٍ فساد عريض، ويفتح بهذا باب التناحر بين الأمة، وسفك الدماء، وانتهاك الحرمات، وهذا هو الذي درج عليه أهل السنة والجماعة؛ من عدم الخروج على ولاة الأمور؛ وإن كانوا فجارًا، أو وقع منهم ظلم؛ فيطاعون بالمعروف، ويعانون على ما شرع الله، كما جاء في الصحيح عن عبادة بن الصامت - ﵁ - أنه قال: «بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله؛ إلا أن تروا كفرًا بواحًا، عندكم من الله فيه برهان» (١).
وهذا موطن قد غلط فيه كثير من الناس، جهلًا وهوى وخطأ، فيجب على الإنسان أن يدين بالسمع والطاعة لولاة الأمور بالمعروف، وأن يدين بتحريم الخروج عليهم، وأن لا يعين أحدًا
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٠٥٦)، ومسلم في صحيحه برقم (١٧٠٩).
[ ١٢٩ ]
على الخروج؛ لا بالقول ولا بالفعل، وحسابهم على الله تعالى في ظلمهم وفجورهم وعصيانهم، وهذا هو ما يعتقده أهل السنة والجماعة.
خلافًا للخوارج والمعتزلة؛ الذين من مذهبهم الخروج على ولاة الأمور، بحجة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول المعتزلة، ويدرجون فيه: الخروج على الولاة (١).
لكن عند أهل السنة والجماعة: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقوم على قاعدة عظيمة؛ هي: «احتمال أدنى المفسدتين لتحقيق أعلاهما»، فالخروج على ولاة الأمور باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى مزيد من المنكر، وتتفاقم بذلك الشرور والفتن.