ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]﴾، وقول النبي - ﷺ -: «ربَّنا الله الذي في السماء تقدَّس اسمك»، وقال للجارية: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال: «اعتقها فإنها مؤمنة»، رواه مالك بن أنس، ومسلم، وغيرهما من الأئمة، وقال النبي - ﷺ - لحُصَين: «كم إلهًا تعبد؟» قال: سبعة؛ ستة في الأرض، وواحدًا في السماء، قال: «ومن لرهبتك ورغبتك؟» قال: الذي في السماء. قال: «فاترك الستة، واعبد الذي في السماء، وأنا أعلمك دعوتين». فأسلم وعلمه النبي - ﷺ - أن يقول: «اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي»، وفيما نقل من علامات النبي - ﷺ - وأصحابه في الكتب المتقدمة: أنهم يسجدون بالأرض، ويزعمون
[ ٤٣ ]
أن إلههم في السماء، وروى أبو داود في سننه أن النبي - ﷺ - قال: «إن ما بين سماءٍ إلى سماءٍ مسيرة كذا وكذا -وذكر الخبر إلى قوله: - وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك»، فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف -﵏- على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله، ولا تشبيهه ولا تمثيله، سئل مالك بن أنس الإمام - ﵁ - فقيل: يا أبا عبدالله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ فقال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» ثم أَمَر بالرجل فَأُخرج.
الشرح
قوله: «ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]﴾»: عاد -﵀- إلى ذكر بعض النصوص الدالة على بعض الصفات.
قوله: «وقول النبي - ﷺ -: «ربَّنا (١) الله الذي في السماء تقدَّس اسمك» (٢)، وقال للجارية: «أين الله؟» قالت: في السماء.
_________________
(١) ضبصها الشارح حفظه الله بقوله: «ربَّنا: أي يا ربَّنا»، وفي عون المعبود (١٠/ ٢٧٤): «ربَّنا: بالنصب على النداء».
(٢) رواه أحمد في مسنده برقم (٢٣٩٥٧)، عن فضالة بن عبيد - ﵁ -، وفي إسناده: ابن أبي مريم عن الأشياخ. وفي تحقيق المسند: «إسناده ضعيف، لضعف أبي بكر بن عبدالله بن أبي مريم، ولإبهام الشيوخ الذين روى عنهم». ورواه أبو داود في سننه برقم (٣٨٩٢)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٨٠٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٤٤)، وقال: «قد احتج الشيخان بجميع رواة هذا الحديث؛ غير زيادة بن محمد، وهو شيخ من أهل مصر قليل الحديث»، والثلاثة رووه: عن أبي الدرداء - ﵁ -، وفي إسناده عندهم: زيادة بن محمد الأنصاري، قال عنه الحافظ في التقريب (ص ٣٥٠): «منكر الحديث»، قال عنه الذهبي في الميزان (٢/ ٩٨ - ٢٩٨٨): «قال البخاري والنسائي: منكر الحديث وقد انفرد بحديث الرقية »، وانظر عون المعبود (١٠/ ٢٧٥).
[ ٤٤ ]
قال: «اعتقها فإنها مؤمنة»، رواه مالك بن أنس (١)، ومسلم (٢)، وغيرهما من الأئمة (٣)، وقال النبي - ﷺ - لحُصَين: «كم إلهًا تعبد؟» قال: سبعة؛ ستة في الأرض، وواحدًا في السماء، قال: «ومن لرهبتك ورغبتك؟» قال: الذي في السماء. قال: «فاترك الستة، واعبد الذي في السماء، وأنا أعلمك دعوتين». فأسلم وعلمه النبي - ﷺ - أن يقول: «اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي» (٤»): ذكر المؤلف -﵀- آيتين وأحاديث؛ وفيها الدلالة على علو الله
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ (ص ٥٥٢/ ١٤٦٤).
(٢) رواه مسلم في صحيحه برقم (٥٣٧)، عن معاوية بن الحكم - ﵁ -.
(٣) رواه أحمد في مسنده برقم (١٩٩٩٢)، وأبو داود في سننه برقم (٩٣٠ - ٣٢٨٢)، والنسائي في سننه برقم (١٢١٨)، قال محقق المسند: «إسناده صحيح على شرط الشيخين».
(٤) رواه الترمذي في سننه برقم (٣٤٨٣) وقال: «هذا حديث غريب، وقد روي هذا الحديث عن عمران بن حصين من غير هذا الوجه»، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي، ونقل المزي في تحفة الأشراف عن الترمذي قوله: «حسن غريب»، ونقل النووي في رياض الصالحين قوله: «حسن»، قال الألباني في تعليقه على رياض الصالحين: «ولعله في بعض نسخ الترمذي، وإلا ففي نسخ بولاق: «حديث غريب» يعني: ضعيف، وهو اللائق بحال إسناده فإن فيه انقطاعًا وضعفًا».
[ ٤٥ ]
على خلقه، واستواءه على عرشه، والقول في أدلة العلو والاستواء: كالقول في سائر أدلة الصفات، فنؤمن بما دلت عليه من الصفات، ولا نصرفها عن ظاهرها، فنؤمن بأنه سبحانه فوق العرش، مستوٍ عليه، وأن العرش سقف المخلوقات، وهو في السماء، أي: في جهة العلو المطلق؛ الذي ليس وراءه شيءٌ، فهو تعالى الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو فوق كل شيء، وليس فوقه شيءٌ.
قوله: «وفيما نقل من علامات النبي - ﷺ - وأصحابه في الكتب المتقدمة: أنهم يسجدون بالأرض، ويزعمون أن إلههم في السماء (١)، وروى أبو داود في سننه أن النبي - ﷺ - قال: «إن ما بين سماءٍ إلى سماءٍ مسيرة كذا وكذا -وذكر الخبر إلى قوله: - وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك» (٢»): وتمام هذا
_________________
(١) أسنده المصنف -﵀- في كتابه العلو (ص ٧٨) عن عدي بن عميرة بن فروة العبدي - ﵁ -، حيث سمع يهوديًا اسمه: ابن شهلاء يحدث بهذا الخبر. وذكره الذهبي في كتابه (العلو للعلي الغفار) من طريقين، قال عن الأول (١/ ٣٢٥ - ح ٣٥): «هذا حديث غريب»، والثاني من طريق ابن قدامة (١/ ٣٧٣ - ح ٥٠) -﵏-، وهذا الخبر سمعه عدي بن عميرة من الحبر اليهودي، فلما رأى النبي - ﷺ - يفعل ذلك أسلم وتبعه. وأورد القصة ابن حجر في كتابه (الإصابة في معرفة الصحابة ٧/ ١٣٢).
(٢) قطعة من حديثٍ رواه أحمد في مسنده برقم (١٧٧٠)، وأبو داود في سننه برقم (٤٧٢٣)، والترمذي في جامعه برقم (٣٣٢٠)، وابن ماجه في سننه برقم (١٩٣) من حديث العباس - ﵁ -، قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مناظرة الواسطية (٣/ ١٩٢): «هذا الحديث مع أنه رو اه أهل السنن كأبي داود، وابن ماجه، والترمذي، وغيرهم: فهو مروي من طريقين مشهورين؛ فالقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر». وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة برقم (٣/ ٣٩٨ - ح ١٢٤٧)، وأجاب عن تقوية شيخ الإسلام ابن تيمية له، رحم الله الجميع.
[ ٤٦ ]
الحديث: «ويعلم ما أنتم عليه»، وهذا الحديث من شواهد إثبات علو على خلقه، واستواءه على عرشه، وقد دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، والآثار من أقوال الصحابة والتابعين والأئمة؛ كلها متطابقة ومتضافرة على إثبات العلو لله تعالى، وهي تدل على أن العلو لله تعالى على ثلاثة أنواع:
- الأول: علو بذاته.
- الثاني: علو القدر.
- الثالث: علو القهر.
فالثاني والثالث ليس فيهما نزاع بين الطوائف، وإنما النزاع في النوع الأول؛ في علوه تعالى بذاته، ففيه نزاع بين أهل السنة ومخالفيهم من أهل البدعة.
قوله: «فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف -﵏- على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله، ولا تشبيهه ولا تمثيله.
سئل مالك بن أنس الإمام - ﵁ - فقيل: يا أبا عبدالله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ فقال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب،
[ ٤٧ ]
والسؤال عنه بدعة» ثم أَمَر بالرجل فَأُخرج» (١): هذه الكلمات تروى عن الإمام مالك -﵀-، وهي أشهر، وعن شيخه ربيعة، وهذه الكلمات الأربع منهج في إثبات الصفات، فهي تتضمن الإثبات والعلم بالمعنى؛ لكن مع الإمساك عن التكييف.
قوله: «الاستواء غير مجهول»: أي معلوم، لأن الله تعالى خاطبنا بلسان عربي مبين، فمعنى الاستواء في اللغة معلوم.
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٦٥) في شرح حديث النزول: «ومثل هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك، وقد روى هذا الجواب عن أم سلمة ﵂ موقوفًا ومرفوعًا، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه، وهكذا سائر الأئمة قولهم يوافق قول مالك» وقال في الفتوى الحموية (ص ٣٠٣): «وروى الخلال بإسناد كلهم ثقات عن سفيان بن عيينة قال: سئل ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ فذكر الجواب؛ ثم قال: وهذا الكلام مروى عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة بن أبى عبدالرحمن من غير وجه » وساق بعض هذه الأوجه. قال الذهبي في العلو (٢/ ٩٥٤): «هذا ثابت عن مالك، وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها؛ بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نعمق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيًا ولا إثباتًا، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقينًا مع ذلك أن الله - ﷻ - لا مثل له في صفاته، ولا في استوائه، ولا في نزوله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا»، قال ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٤١٧): «وأخرج البيهقي بسند جيد عن عبد الله بن وهب قال: كنا عند مالك » فذكره.
[ ٤٨ ]
قوله: «والكيف غير معقول»: معناه: غير مدرك بالمعقول، فهو غير معلوم.
قوله: «والإيمان به واجب»: لأنه مما أخبر الله به ورسوله، فيجب إثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله.
قوله: «والسؤال عنه بدعة»: لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر، ولا سبيل إلى معرفته، وهو من التكلف والتنطع المذموم.