ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل.
الشرح
قوله: «ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل»: فلا نحكم على أحد من المسلمين بسبب ذنب ارتكبه، مما هو من دون الشرك والكفر.
فمن المعاصي ما هو كفر أو شرك في نفسها؛ كعبادة غير الله، أو سب الله تعالى، أو سب رسوله - ﷺ -، والاستهانة بالمصحف، ومنها ما هو دون ذلك.
وهذه العبارة من المؤلف فيها نظر؛ وقد استعملها الإمام الطحاوي -﵀- في متن عقيدته، وتعقبه ابن أبي العز -﵀- في شرحه بقوله: «ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول: «بأنا لا نكفر أحدًا بذنب»، بل يقال: «لا نكفرهم بكل ذنب»، كما تفعله الخوارج. وفرق بين النفي العام ونفي العموم، والواجب إنما هو نفي العموم، مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب. ولهذا -والله أعلم- قيده الشيخ -﵀- بقوله: «ما لم يستحله» (١) أ. هـ.
_________________
(١) انظر شرح ابن أبي العز لمتن الطحاوية وتعقبه (ص ٤٣٣)، وشرح فضيلة الشيخ عبدالرحمن البراك على الطحاوية (ص ٢١٤).
[ ١١٧ ]
والذين يكفرون بالمعاصي هم الخوارج، وهم الذين ابتدعوا بدعة التكفير بالذنوب، فعندهم أن الزاني والسارق وشارب الخمر والقاتل وغيرهم من أصحاب المعاصي كلهم كفار، ولهم عدد من الشبه.
منها: مجيء بعض النصوص بتسمية بعض الذنوب كفرًا، مع اتفاق أهل السنة والجماعة على كونها ليست كفرًا، ولو كانت كفرًا لوجب قتل فاعلها لكونه مرتدًا، وشأن الخوارج معروف، وقد وصفهم النبي - ﷺ - وذمهم، وحذر منهم، وحث على قتالهم، وقاتلهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
وقد جرى المعتزلة مجرى الخوارج، فقالوا: إن مرتكب الكبيرة يكون في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، ووافقوا الخوارج في مآله في الآخرة بتخليد أهل الكبائر في النار.
أما أهل السنة والجماعة: فإنهم لا يكفرون بكل ذنب، بل الذنوب التي دون الكفر؛ هي من المعاصي، وسبب للعقاب، وهم في الآخرة تحت المشيئة، على حد قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨/ ١١٦]، ولذلك قال الطحاوي -﵀- في عقيدته المشهورة: «وأهل الكبائر من أمة محمد - ﷺ - في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين» (١).
_________________
(١) انظر شرح فضيلة الشيخ عبدالرحمن البراك على الطحاوية (٢٥٢).
[ ١١٨ ]