والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، فالجنة مأوى أولياءه، والنار عقاب لأعداءه، وأهل الجنة فيها مخلدون، والمجرمون: ﴿فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ [الزخرف]، ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت.
الشرح
قوله: «والجنة والنار مخلوقتان»: أي مخلوقتان الآن وموجودتان، والأدلة على ذلك كثيرة، فمن القرآن:
- قوله تعالى في سورة النجم: ﴿وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَاوَى (١٥)﴾.
- وقوله تعالى في سورة النحل: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾.
- وقال سبحانه في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣].
- وقال في النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣١].
- وقال سبحانه عن قوم فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].
[ ١٠٠ ]
والأحاديث في هذا الباب كثيرة أيضًا، فمنها:
- أحاديث عذاب القبر ونعيمه، فكلها تدل على أن الجنة والنار موجودتان، ومنها: حديث البراء بن عازب - ﵁ - في أنه يفتح للمؤمن باب إلى الجنة، ويفتح للكافر باب إلى النار (١).
- وقول النبي - ﷺ - عن أرواح الشهداء: «أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل» (٢).
- وقول النبي - ﷺ -: «نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة» (٣).
وأما المعتزلة فقالوا: إن الجنة والنار لم تخلقا، وإنما تخلقان يوم القيامة، وقالوا: إن خلقهما الآن عبث، وهذا كعادتهم في تحكيم عقولهم، وتقديمها على النصوص الشرعية، وهذا كلام ساقط.
قوله: «لا تفنيان»: فهما دائمتان، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ خلافًا للجهم بن صفوان، فهو يزعم أن الجنة والنار تفنيان.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) رواه مسلم في صحيحه برقم (١٨٨٧).
(٣) رواه أحمد في مسنده برقم (١٥٧٧٦)، والنسائي في سننه برقم (٢٠٧٣)، وابن ماجه في سننه برقم (٤٢٧١)، من حديث كعب بن مالك - ﵁ -. وعند أحمد في مسنده برقم (٢٧١٦٦) والترمذي في جامعه برقم (١٦٤١): «أرواح الشهداء»، وهي لفظة شاذة كما بينه الألباني في الصحيحة (٢/ ٦٩٥ - ح ٩٩٥).
[ ١٠١ ]
والأدلة على دوام الجنة والنار كثيرة جدًا، فمنها في بقاء الجنة:
- قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
- وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨].
- وقوله ﵎: ﴿وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة:٢١].
- وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص:٥٤].
- وقوله جل وعلا: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد:٣٥].
ومثلها في بقاء النار، ومنها:
- قوله الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧].
- وقوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
- وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧ / التوبة:٦٨].
والآيات في هذا الباب كثيرة، ومن الأدلة من السنة على دوام الجنة والنار، وخلود أهلهما فيهما:
- حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - مرفوعًا: أنه: «يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت» (١)،
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٧٣٠)، ومسلم في صحيحه برقم (٢٨٤٩).
[ ١٠٢ ]
وفُسر بذلك يوم الحسرة (١)، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم:٣٩].
وأما ما نسب إلى بعض أهل السنة من القول بفناء النار: فهو قول ليس عليه دليل ظاهر، بل الأدلة تقتضي دوام الجنة والنار.
وأما قول الله ﵎: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧]، فأحسن ما قيل في جوابه: أن فيه بيان أن خلود أهل الجنة وأهل النار فيهما: إنما ذلك بمشيئته سبحانه، فلو شاء لأفنى الجنة، ولو شاء لأفنى النار، فالأمر إليه، وهو بمشيئته، لكنه أخبر بخلودهما سبحانه.
فصل