من الخلاف في الفروع
وأما النسبة إلى إمام في الفروع كالطوائف الأربع فليس بمذموم، فإن الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة، وإجماعهم حجة قاطعة.
الشرح
قوله: «وأما النسبة إلى إمام في الفروع كالطوائف الأربع فليس بمذموم»: وأما التسمي إذا كان مجرد انتماء إلى شخص ليس بإمام ضلالة؛ كالحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، فالأمر فيه واسع، إذا سلم من التعصب، والبغي على الآخرين، وكان انتسابًا إلى المدرسة والمذهب، وترك الانتماء أفضل، فتلاميذ المشايخ ينتسبون إليهم بحكم التتلمذ، والسير على مناهجهم، وهذا الانتماء له أسباب، فالمذاهب كثيرة، والعلماء كثر، لكن الذي استمر وانتشر منها: هي المذاهب الأربعة، ولكن الحق لا ينحصر فيها.
قوله: «فإن الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة»: إطلاق هذه الجملة فيه نظر، فليست بمسلمة، لعدم وجود الدليل عليها، فإن الاختلاف لله فيه حكمة، وقد قدر
[ ١٣٤ ]
الاختلاف بين العباد، لكن المختلفون تارة يكونون مذمومين كلهم، وتارة يحمد أحد الطرفين ويذم الآخر، وتارة يحمدون كلهم، فكل منهم يحمد على اجتهاده، وطلبه للحق، وتحريه للصواب، فلا يحمدون على اختلافهم، بل يحمدون على اجتماعهم، وهو المطلب الشرعي، فإن تيسر الاجتماع وجدت الرحمة، فالرحمة في الاجتماع لا في الاختلاف، والصراط المستقيم هو ما كان عليه النبي - ﷺ - وصحابته.
قوله: «وإجماعهم حجة قاطعة»: يشير المؤلف -﵀- إلى أن الإجماع عند أهل السنة والجماعة حجة قاطعة، ولكن الإجماع الذي ينضبط هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في العقيدة الواسطية بقوله: «والإجماع الذي ينضبط: هو ما كان عليه السلف الصالح؛ إذ بعدهم كثر الاختلاف، وانتشرت الأمة» (١)، فالإجماع الذي ينضبط هو إجماع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.