التي يجب الإيمان بها: أشراط الساعة
ومن ذلك: أشراط الساعة، مثل خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم - ﵇ - فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل.
الشرح
قوله: «ومن ذلك: أشراط الساعة»: ومثل الشيخ أيضًا بأشراط الساعة؛ وهي: علاماتها، كما قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَاتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨]، وأشراط الساعة مما يجب الإيمان به، وأهل السنة والجماعة يثبتونها ويؤمنون بها.
وقد أخبر النبي - ﷺ - بأشياء كثيرة مما تكون قبل يوم القيامة؛ يعدها العلماء من أشراط الساعة، ومن ذلك: ما جاء في حديث جبريل أنه سأل النبي - ﷺ - بقوله: «أخبرني عن الساعة»، فقال النبي - ﷺ -: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، قال: «فأخبرني عن أماراتها؟» قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رِعاء الشاء يتطاولون في البنيان» (١).
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه برقم (٨).
[ ٨٥ ]
وأشراط الساعة عند أهل العلم نوعان:
١ - صغرى؛ وهي كثيرة جدًا، تحدث شيئًا فشيئًا، وقد تتكرر.
٢ - كبرى؛ وهي الأحداث العظيمة الدالة على قرب الساعة، ومنها ما ذكره المؤلف:
قوله: «مثل خروج الدجال»: وهو الإنسان الشرير، الذي يدَّعي النبوة، ثم يدَّعي الربوبية، ويأتي بأمور خارقة للعادة، وفيها فتنة لأكثر الناس، وقد حذَّر النبي - ﷺ - أمته منه (١)، ووصفه ونعته وبيَّنه (٢)، وشرع لنا الاستعاذة بالله منه في كل صلاة، كما جاء في الحديث: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، وذكر منها: فتنة المسيح الدجال» (٣).
_________________
(١) كما في حديث أنس عند البخاري في صحيحه برقم (٧١٣١) ومسلم في صحيحه برقم (٢٩٣٣) أن النبي - ﷺ - قال: «ما بُعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب». وجاء عند أبي داود في سننه برقم (٤٣١٩) عن عمران بن حصين - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «من سمع بالدجال فلينأ عنه».
(٢) ومما جاء في وصفه ما رواه البخاري في صحيحه برقم (٧١٣١) ومسلم برقم (٢٩٣٣) عن أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر»، وعند مسلم: (ك ف ر). وفي رواية لمسلم برقم (١٦٩): «ألا وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافئة»، وجاء عند أحمد في مسنده برقم (٢٢٧٦٤)، وأبي داود في سننه برقم (٤٣٢٠) عن عبادة بن الصامت أن النبي - ﷺ - وصفه بقوله: «إن مسيح الدجال رجل قصير، أفحج، جعد، أعور، مطموس العين، ليس بناتئة ولا جحراء »، وجاءت أحاديث كثيرة في وصفه.
(٣) كما روى البخاري في صحيحه برقم (٨٣٢) عن عائشة ﵂: أن النبي - ﷺ - كان يدعو قبل السلام بقوله: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المسيح الدجال ». ومسلم في صحيحه برقم (٥٨٨) عن أبي هريرة - ﵁ - وفيه: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع ».
[ ٨٦ ]
قوله: «ونزول عيسى بن مريم - ﵇ - فيقتله»: وهو المسيح ابن مريم، وهو مسيح الهدى، وذاك مسيح الضلالة، فيقتل مسيحُ الهدى مسيحَ الضلالة، كما ثبت في الأحاديث الصحاح (١)، حيث يخرج الدجال، ويعيث في الأرض ما شاء الله (٢) فإذا أراد الله إهلاكه نزل المسيح ابن مريم من السماء فيقتله.
ومن الأمور التي يجب الإيمان بها: أن الله رفع عيسى ابن مريم إليه، كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٨]، وأنه ينزل في آخر الزمان، كما أخبر بذلك النبي - ﷺ - بقوله: «والذي نفسي بيده؛ ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع
_________________
(١) من ذلك ما رواه مسلم في صحيحه برقم (٢١٣٧) من حديث النواس بن سمعان - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «فبينما هو -أي: الدجال- كذلك، إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرُودَتَين، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله».
(٢) كما روى مسلم في صحيحه برقم (٢١٣٧) من حديث النواس بن سمعان - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينًا وشمالًا، يا عباد الله فاثبتوا، قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم».
[ ٨٧ ]
الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» (١)، وقال الله تعالى في شأن عيسى ابن مريم: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف:٦١]، وقرئ: ﴿لَعَلَمٌ﴾ أي: علامة على قربها (٢).
قوله: «وخروج يأجوج ومأجوج»: وهم يخرجون أيضًا في عهد المسيح ابن مريم - ﵇ -، وجاء الإخبار عن قدرتهم وفسادهم وإفسادهم، وقد ذكروا في القرآن؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف:٩٤]، وكما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَاجُوجُ وَمَاجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦]، فهم مفسدون أشرار، فإذا خرجوا وعاثوا في الأرض فسادًا؛ بسفك الدماء، وقتل الأرواح، يتحصن المسلمون منهم، فيسلط الله عليهم داءً يصيبهم فيموتون (٣)، ثم يسخر الله طيورًا تأخذ جثثهم وتلقيها حيث شاء الله (٤).
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٢٢)، ومسلم في صحيحه برقم (١٥٥)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) جامع البيان لابن جرير (٢٠/ ٦٣١)، زاد المسير لابن الجوزي (٧/ ٣٢٥).
(٣) روى مسلم في صحيحه برقم (٢١٣٧) من حديث النواس بن سمعان - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال بعدما ذكر فسادهم وإفسادهم: «فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فَرْسَى كموت نفس واحدة».
(٤) في حديث النواس المتقدم: «فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله»، وجاء عند الترمذي في جامعه برقم (٢٢٤٠): «فتحملهم فتطرحهم في المهبل»، قال ابن الأثير في النهاية (٩٩٨): «المهبل: الهوة الذاهبة في الأرض».
[ ٨٨ ]
قوله: «وخروج الدابة»: وهذه العلامة من العلامات العظيمة التي دل عليها الكتاب والسنة، وذلك كما في قول الله ﵎: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢]، وكما جاء في الحديث الصحيح (١) أن النبي - ﷺ - قال: «لا تقوم الساعة وذكر منها: وخروج الدابة على الناس ضحى».
قوله: «وطلوع الشمس من مغربها»: وهذه من الآيات العظام، بينما ينتظر الناس أن تطلع عليهم الشمس من المشرق؛ فإذا بها تطلع من المغرب، وهي (البعض) الذي قال الله فيه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَاتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَاتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، وجاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم أجمعون، فيومئذٍ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾» (٢)، وحينئذٍ يغلق باب التوبة، فالكافر لا يقبل منه إيمان، والعاصي لا تقبل منه توبته، وفي الحديث الصحيح أن النبي - ﷺ - قال: «أول الآيات طلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من موضعها، فأيتهما خرج أولًا؛ فالأخرى على إثرها» (٣).
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٩٤١) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص - ﵁ -.
(٢) رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٦٣٥)، ومسلم في صحيحه برقم (١٥٧).
(٣) رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٩٤١).
[ ٨٩ ]
قوله: «وأشباه ذلك مما صح به النقل»: فيجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي - ﷺ - مما كان ويكون.