البعث بعد الموت، والحساب بعده
والبعث بعد الموت حق، وذلك حين ينفخ إسرافيل - ﵇ - في الصور، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس:٥١]، ويحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غرلًا بهمًا، فيقفون في موقف القيامة؛ حتى يشفع فيهم نبينا محمد - ﷺ -، ويحاسبهم الله ﵎، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير صحائف الأعمال إلى الأَيمان والشمائل، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الانشقاق].
_________________
(١) في جامعه برقم (١٠٧١) من حديث أبي هريرة - ﵁ - وفيه: «أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير».
[ ٩٢ ]
الشرح
قوله: «والبعث بعد الموت حق»: فأما البعث: فكل الأمم من أهل الملل تؤمن به؛ من اليهود والنصارى وغيرهم، وجميع فرق المسلمين كذلك.
إلا الباطنية في حقيقة مذهبهم، والفلاسفة؛ فلا يؤمنون بالبعث، بل من الفلاسفة من يقول: إن البعث روحاني، فليس هناك بعث للأجساد من القبور، وإعادة الموتى أحياءً، والجنة والنار كذلك، كل هذا من الأمور المعنوية التي لا حقيقة لها، فليس هناك جنة ولا نار حقيقيتان فيهما ما ذكر في النصوص، بل كل هذا -عندهم- من التخييل.
قوله: «وذلك حين ينفخ إسرافيل - ﵇ - في الصور، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس:٥١]»: فالبعث بعد الموت: هو القيامة الكبرى، حين يؤمر إسرافيل بالنفخ في الصور، كما قال الله ﵎: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]، ففي الآية دليل أنهما نفختان:
- نفخة الصعق.
- ونفخة البعث؛ حيث ترد الأرواح إلى الأبدان بعد إنشاءها، فيقوم الناس من قبورهم: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.
قوله: «ويحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غرلًا بهمًا»:
[ ٩٣ ]
يجمع الناس يومئذٍ من جميع أقطار الأرض، حفاة غير منتعلين، وعراة غير مكتسين، غرلًا غير مختونين، حتى قالت عائشة ﵂: يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال النبي - ﷺ -: «الأمر أشد من أن يهمهم ذاك» (١)، وذلك للرعب والخوف والفزع العظيم الحاصل في ذلك اليوم، فسبحان الله!
قوله: «فيقفون في موقف القيامة؛ حتى يشفع فيهم نبينا محمد - ﷺ -»: فإن النبي - ﷺ - يشفع إلى ربه في الفصل بين عباده، بعد أن يترادَّ الأنبياء الشفاعة، فإذا اشتد بالناس الكرب؛ قالوا: انظروا من يشفع لكم إلى ربكم، فيأتون إلى آدم، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، وكلهم يعتذر عنها، ثم يأتون إلى النبي - ﷺ - فينهض ويأتي فيسجد لربه ويحمده، ثم يقال له: «ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع» (٢).
وهذه الشفاعة لأهل الموقف في أن يقضى بينهم؛ وهي: المقام المحمود، ولا ينكرها أحد من الفرق الإسلامية.
قوله: «ويحاسبهم الله ﵎، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير صحائف الأعمال إلى الأَيمان
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٥٢٧)، ومسلم في صحيحه برقم (٢٨٥٩)، بدون لفظة (بهمًا)، وجاءت في رواية عند أحمد في مسنده برقم (١٦٠٢٤)، وجاء تفسيرها في نفس الرواية: «قلنا: وما بهما؟ قال: ليس معهم شيء».
(٢) رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٤١٠)، ومسلم في صحيحه برقم (١٩٣)، من حديث أنس بن مالك - ﵁ -.
[ ٩٤ ]
والشمائل، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الانشقاق]»: ووزن الأعمال، ونشر الصحف، وأخذ الكتاب باليمين أو الشمال؛ كل ذلك من صور الحساب، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير:١٠]، وقال سبحانه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَا كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء].