المبحث الثالث
عرض لنماذج من منهجهم العام في الدين
واقتفائهم نهج السلف الصالح الأنموذج الأول: بيان الشيخ الإمام لعقيدته ومنهجه ورده لاتهامات الخصوم.
الأنموذج الثاني: عرض لمنهج أئمة الدعوة ودولتها بعده.
[ ٦٣ ]
الأنموذج الأول
عرض الشيخ الإمام لعقيدته ومنهجه ورده على اتهامات الخصوم نظرًا لكثرة خوض الخائضين بالهوى أو الجهل - أو هما معًا - في عقيدة الشيخ الإمام ومنهجه، وما أشاعوه من مفتريات وتهم ومزاعم عليه وعلى دعوته واتباعه، أسوق في هذا المقام رسالة واحدة من رسائله الكثيرة التي عبر فيها بنفسه عن عقيدته ومنهجه وموقفه من الاتهامات والدعاوى التي أشيعت عنه، وهي رسالته التالية التي بعثها إلى أهل القصيم وهي كالتالي:
[التزامه لعقيدة أهل السنة والجماعة. قال] (١)
بسم الله الرحمن الرحيم
أشهد الله ومن حضرني من الملائكة، وأشهدكم: أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة [أركان الإيمان]، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره؛ [صفات الله تعالى] ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله - ﷺ - من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله – ﷾ -: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيِّف، ولا أمثِّل صفاته تعالى بصفات خلقه؛ لأنه تعالى لا سميَّ له، ولا كفؤ له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه.
فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا، فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون، من أهل التكييف، والتمثيل؛ وعما نفاه عنه النافون، من أهل التحريف والتعطيل، فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢] [سورة الصافات، آية: ١٨٠ - ١٨٢]
_________________
(١) أثبت هنا الرسالة كاملة من الدرر السنية (١)، وقد أضفت عناوين إيضاحية بين القوسين [] .
[ ٦٤ ]
[ثم قال مبينًا وسطية أهل السنة والجماعة]: «والفرقة الناجية: وسط في باب أفعاله تعالى، بين القدرية والجبرية؛ وهم وسط في باب وعيد الله، بين المرجئة والوعيدية؛ وهم وسط في باب الإيمان والدين، بين الحرورية والمعتزلة؛ وبين المرجئة والجهمية؛ وهم وسط في باب أصحاب رسول الله - ﷺ - بين الروافض، والخوارج» .
[ثم قال مبينًا التزامه لعقيدة السلف في القرآن]: «وأعتقد: أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود؛ وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، نبينا محمد - ﷺ -» .
[ثم قرر الحق في القدر فقال:] «وأومن: بأن الله فعَّال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور» .
[عقيدته فيما بعد الموت قال:] «وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي - ﷺ - مما يكون بعد الموت، فأومن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين، حفاة عراة غرلًا، تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين، وتوزن بها أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣] [سورة المؤمنون، آية: ١٠٢ - ١٠٣] وتنشر الدواوين، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله» .
[عقيدته في حوض نبينا محمد - ﷺ - قال:] «وأومن: بحوض نبينا محمد - ﷺ - بعرصة القيامة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا؛ وأؤمن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم، يمر به الناس على قدر أعمالهم» .
[إيمانه بشفاعة نبينا محمد - ﷺ - قال:] «وأومن بشفاعة النبي - ﷺ - وأنه أول شافع، وأول مشفع؛ ولا ينكر شفاعة النبي - ﷺ - إلا أهل البدع والضلال؛ ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى، كما قال تعالى
[ ٦٥ ]
: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [سورة الأنبياء، آية: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [سورة البقرة، آية: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] [سورة النجم، آية: ٢٦]، وهو: لا يرضى إلا التوحيد؛ ولا يأذن إلا لأهله؛ وأما المشركون: فليس لهم من الشفاعة نصيب؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] [سورة المدثر، آية: ٤٨] .
[عقيدته في الجنة والنار والرؤية قال:] «وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا يفنيان؛ وأن المؤمنين يرون ربّهم بأبصارهم يوم القيامة، كما يرون القمر ليلة البدر، لا يضامون في رؤيته» .
[عقيدته في ختم النبوة بمحمد - ﷺ - ورسالته ونبوته - ﷺ - قال:] «وأومن بأنّ نبينا محمد - ﷺ - خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته» .
[عقيدته في الصحابة وأمهات المؤمنين قال:] «وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق؛ ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين؛ ثم علي المرتضى؛ ثم بقية العشرة؛ ثم أهل بدر؛ ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان؛ ثم سائر الصحابة - ﵁ -؛ وأتولى أصحاب رسول الله - ﷺ - وأذكر محاسنهم، وأترضى عنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم؛ وأعتقد فضلهم، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] [سورة الحشر، آية: ١٠] وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء» .
[عقيدته في الأولياء وكراماتهم قال:] «وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات، إلاّ أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئًا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله» .
[عقيدته في المسلمين وأنه لا يكفرهم قال:] «ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار، إلا من شهد له رسول الله - ﷺ -
[ ٦٦ ]
ولكني أرجو للمحسن، وأخاف على المسيء، ولا أكفر أحدًا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام.
[عقيدته في الجهاد مع المسلمين والصلاة خلفهم قال:] «وأرى الجهاد ماضيًا مع كل إمام: برًا كان أو فاجرًا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماض منذ بعث الله محمدًا - ﷺ - إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل» .
[عقيدته في السمع والطاعة للأئمة المسلمين قال:] «وأرى وجوب السمع والطاعة: لأئمة المسلمين برّهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة، واجتمع عليه الناس، ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته؛ وحرم الخروج عليه» .
[موقفه من أهل البدع قال:] «وأرى هجر أهل البدع، ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر، وأكل سرائرهم إلى الله؛ وأعتقد: أنّ كل محدثة في الدين بدعة» .
[عقيدته في الإيمان قال:] «وأعتقد أن الإيمان: قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية؛ وهو: بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرى وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة.
فهذه عقيدة وجيزة، حررتها وأنا مشتغل البال، لتطلعوا على ما عندي، والله على ما نقول وكيل» .
[نفيه للمفتريات والاتهامات في التي قيلت فيه قال:] «ثم لا يخفى عليكم: أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم (١) قد وصلت إليكم، وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم، والله يعلم أن الرجل افترى علي أمورًا لم
_________________
(١) أحد خصوم الدعوة الأوائل.
[ ٦٧ ]
أقلها، ولم يأت أكثرها على بال.
فمنها:
١ - (١) قوله: إني مبطل كتب المذاهب الأربعة.
٢ - وإني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء.
٣ - وإني أدعي الاجتهاد.
٤ - وإني خارج عن التقليد.
٥ - وإني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة.
٦ - وإني أكفر من توسل بالصالحين.
٧ - وإني أكفر البوصيري، لقوله: يا أكرم الخلق.
٨ - وإني أقول: لو أقدر على هدم قبة رسول الله - ﷺ - لهدمتها.
٩ - ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها، وجعلت لها ميزابًا من خشب.
١٠ - وإني أحرم زيارة قبر النبي - ﷺ -.
١١ - وإني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما.
١٢ - وإني أكفر من حلف بغير الله.
١٣ - وإني أكفر ابن الفارض، وابن عربي.
١٤ - وإني أحرق دلائل الخيرات، وروض الرياحين، وأسميه روض الشياطين» .
[ثم قال]: «جوابي عن هذه المسائل، أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم؛ وقبله من بهت محمدًا - ﷺ - أنه يسب عيسى بن مريم، ويسب الصالحين، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب، وقول الزور، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] [سورة النحل، آية: ١٠٥] بهتوه - ﷺ - بأنه يقول: إن الملائكة، وعيسى، وعزيرًا في النار؛ فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] [سورة الأنبياء: آية: ١٠١]» .
_________________
(١) الترقيم من عندي وليس في الأصل.
[ ٦٨ ]
[دفاعه عن أقواله الموافقة للحق والدليل:] قال: «وأما المسائل الأُخر، وهي:
١ - أني أقول لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله.
٢ - وأني أعرّف من يأتيني بمعناها.
٣ - وأني أكفر الناذر إذا أراد بنذره التقرب لغير الله، وأخذ النذر لأجل ذلك.
٤ - وأن الذبح لغير الله كفر، والذبيحة حرام.
فهذه المسائل حق، وأنا قائل بها؛ ولي عليها دلائل من كلام الله وكلام رسوله، ومن أقوال العلماء المتبعين، كالأئمة الأربعة؛ وإذا سهل الله تعالى بسطت الجواب عليها في رسالة مستقلة، إن شاء الله تعالى.
ثم اعلموا وتدبروا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] [سورة الحجرات، آية: ٦]» (١) .
وبهذه الرسالة يثبت قطعًا أنه على عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة. وأنه تبرأ مما اتهمه به الخصوم وافتروا عليه، من المزاعم والدعاوى الكاذبة والشبهات الملبسة، وقد كرر الإمام هذه العقيدة وعمل عليها وتعامل على أساسها، مع المؤيدين والمعارضين، وكرر نفي هذه المفتريات وغيرها، وكل ذلك فعله بالدليل والبرهان، وإشهاد الناس على ما يقول ويفعل، ولم نجد من استطاع أن يثبت أن الشيخ الإمام على خلاف ما يقول ويدعي والحمد لله.
_________________
(١) الدرر السنية (١) .
[ ٦٩ ]