المبحث الرابع
نماذج من المفتريات والاتهامات الأنموذج الأول وجوابه: ويمثل أخطر رسالة وأهمها في أول الدعوة في استعداء العالم الإسلامي على الدعوة وصاحبها وأتباعه.
وهي رسالة سليمان بن محمد بن سحيم وهي بمثابة البرقية العاجلة الموجهه إلى سائر العلماء في العالم الإسلامي:
«من الفقير إلى الله تعالى، سليمان بن محمد بن سحيم، إلى من يصل إليه من علماء المسلمين وخُدّام شريعة سيِّدِ ولَدِ آدم من الأولين والآخِرين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فالذي يحيط به علمُكم أنه قد خرج في قطرنا رجل مبتدعٌ جاهل، مُضِلٌّ ضال، من بضاعة العلم والتقوى عاطل (١)؛ جرت منه أمور فظيعة، وأحوال شنيعة، منها شيء شاع وذاع، وملأ الأسماع، وشيء لم يتعدّ أماكننا بعد (٢) . فأحببنا نشر ذلك لعلماء المسلمين وورثَة سيِّد المرسَلين ليصيدوا هذا المبتدِع صيْدَ أحرار الصُّقور لصغار بُغَاث الطيور، ويردُّوا بِدَعَهَ وضلالته، وجهله وهفواته (٣) .
والقصد من ذلك: القيام لله ورسوله، ونصرة الدين؛ جعلنا الله وإياكم من الذين يتعاونون على البر والتقوى.
فمن بدعه وضلالته: أنه عمد إلى شهداء أصحاب رسول الله ﷺ الكائنين في الجُبَيْلَة: زيد بن الخطاب وأصحابه، وهدم قبورهم وبعثرها، لأجل أنهم من حجارة ولا يقدرون أن يحفروا لهم، فطووا على أضرحتهم قدْرَ ذراع ليمنعوا الرائحة والسباع، والدافع لهم خالد، وأصحاب رسول الله ﷺ (٤) .
_________________
(١) لقد ثبت من سيرة الشيخ الإمام وأحواله أنه: متبع للسنة لا مبتدع. وأنه عالم لا جاهل، وأنه مهتد وداع للهدى لا ضال ولا مضل. وأنه صاحب علم وتقوى.
(٢) تأمل ألفاظ التهويل والتشنيع والاستعداء والتضليل وما ذاك إلا لأن الشيخ دعا للتوحيد وترك البدع وأقام الحدود ونهى عن المنكرات، وأفتى بالدليل على غير المألوف.
(٣) لاحظ أسلوب الاستعداء مرة أخرى.
(٤) الإمام إنما عمد إلى هدم القباب والأبنية على القبور، وما رفع منها أكثر مما جاءت السنة، امتثالًا لأمر النبي ﷺ بتسوية كل قبر مشرف (مرتفع) .
[ ١٦٨ ]
وعمد أيضًا إلى مسجد في ذلك وهدمه، وليس داعٍ شرعي في ذلك إلا اتباع الهوى (١) .
ومنها: أنه أحرق «دلائل الخيرات» لأجل قول صاحبها: سيدنا ومولانا وأحرق أيضًا «روض الرياحين» وقال: هذا روض الشياطين (٢) .
ومنها: أنه صحّ عنه أن يقول: لو أقدر على حجرة الرسول هدمتُها، ولو أقدر على البيت الشريف أخذت ميزابه، وجعلت بدله ميزاب خشب (٣) . أما سمع وجه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] .
ومنها: أنه ثبت أنه يقول: الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء. وتصديق ذلك أنه بعث إليَّ كتابا يقول فيه: أقرُّوا أنكم قبلي جُهَّال ضُلال (٤) .
ومن أعظمها: أنّ من لم يوافقه في كل ما قال ويشهد أن ذلك حقٌّ، يَقْطْع بكفره، ومن وافقه وصدّقه في كل ما قال - قال: أنت موحِّد، ولو كان فاسقًا محضا، أو ماكسًا (٥) .
_________________
(١) بل كان ذلك المسجد مسجد ضرار تقام فيه البدع وتمارس حوله المنكرات وأنواع الدجل والابتزاز لأموال المساكين، فلا يعقل أن إمام السنة في زمانه يعمد إلى هدم المسجد فهو إنما أزال البدع، وإن هدمه فلا يكون ذلك بدون سبب مشروع لأنه ليس بجاهل ولا ظالم ولا مبتدع. وقد هدم النبي ﷺ مسجد الضرار.
(٢) هذه الأمور كلها نفاها الشيخ بنفسه ولم تثبت عليه، وسيأتي تفنيدها إن شاء الله، فهي من جملة البهتان والأكاذيب.
(٣) هذه الأمور كلها نفاها الشيخ بنفسه ولم تثبت عليه، وسيأتي تفنيدها إن شاء الله، فهي من جملة البهتان والأكاذيب.
(٤) هذه الأمور كلها نفاها الشيخ بنفسه ولم تثبت عليه، وسيأتي تفنيدها إن شاء الله، فهي من جملة البهتان والأكاذيب.
(٥) هذه الأمور كلها نفاها الشيخ بنفسه ولم تثبت عليه، وسيأتي تفنيدها إن شاء الله، فهي من جملة البهتان والأكاذيب.
[ ١٦٩ ]
وبهذا ظهر أنه يدعو إلى توحيد نفسه لا إلى توحيد الله (١) .
ومنها: أنه بعث إلى بلداننا كتابًا مع بعض دُعاته بخطِّ يده، وحلف فيه بالله أن علمه هذا لم يعرفه مشايخه الذين ينتسب إلى أخذ العلم منهم - في زعمه، وإلا فليس له مشايخ - ولا عرفه أبوه، ولا أهل «العارض» . فيا عجبًا إذا لم يتعلمه من المشايخ ولا عرفه أبوه ولا أهل قُطْره، فمن أين علمه؟ وعن من أخذه؟ هل أوحى إليه؟ أو رآه مناما؟ أو أعلمه به الشيطان؟ وحلفه هذا أشرف عليه جميع أهل العارض (٢) .
ومنها: أنه يقطع بتكفير ابن الفارض وابن عربي (٣) .
ومنها: أنه قاطع بكفر سادةٍ عندنا من آل الرسول، لأجل أنهم يأخذون النذور، ومن لم يشهد بكفرهم فهو كافر عنده (٤) .
ومنها: أنه ثبت عنه لمّا قيل له: اختلافُ الأئمة رحمة؛ قال: اختلافهم نقمة (٥) .
ومنها: أنه يقطع بفساد الوقف، ويكذِّب المروي عن رسول الله ﷺ وأصحابه أنهم وقفوا (٦) .
ومنها: إبطال الجعالة على الحج (٧) .
ومنها: أنه ترك تمجيد السلطان في الخطبة، وقال: السلطان فاسق لا يجوز تمجيده (٨) .
ومنها: أنه قال: الصلاة على رسول الله ﷺ يوم الجمعة وليلتها هي بدعة وضلالة تَهْوِي بصاحبها إلى النار (٩) .
_________________
(١) هذه فرية صلعاء فإن أشهر ما دعا إليه الشيخ إخلاص التوحيد والعبادة لله وحده، وهذه قضيته الكبرى بإجماع الناس، وهي أبرز ما ينقم عليه خصومه من المدافعين عن الشركيات والبدع ووسائلها وأهلها، فكيف يقال إنه يدعو إلى توحيد نفسه.
(٢) هذا من التدليس والتلبيس فإن الشيخ لم يدَّع ذلك، إنما بين حال المقلدين، الذي أخذوا دينهم عن الأباء والأجداد دون بصيرة، وبعض العلماء الذين عارضوا دعوة التوحيد، وبعضهم لم يفهم أو لم يفقه معنى لا إله إلا الله فجعل دعاء غير الله ونحو ذلك من التوسل المشروع.
(٣) هذه الدعوى نفاها الشيخ بنفسه في رسائله.
(٤) هذا من الكذب فلم يثبت.
(٥) هذا أيضًا من الكذب.
(٦) ليس على إطلاقه، فالشيخ إنما أنكر بعض صور الوقف التي فيها ظلم وجنف.
(٧) لم يثبت ذلك عنه.
(٨) لم يثبت عنه ذلك. بل كان في رسائله يدعو للأمراء التابعين للسلطان كما فعل في رسالته لأشراف مكة.
(٩) الشيخ يرى ويعلن مشروعية الصلاة على النبي ﷺ وأنها من الحقوق الواجبة على كل مسلم لكنه ينكر ما يفعله أهل البدع من الأذكار والهيئات المبتدعة في ذلك.
[ ١٧٠ ]
ومنها: أنه يقول: الذي يأخذه القضاة قديمًا وحديثًا - إذا قضوا بالحق بين الخصمين، ولم يكن بيت مال لهم ولا نفقة - إن ذلك رشوة (١) . هذا القول بخلاف المنصوص عن جميع الأمَّة: أن الرشوة ما أُخِذ لإبطال حقٍّ أو لإحقاق باطل، وأن للقاضي أن يقول للخصمين: لا أقضي بينكما إلا بجُعْل.
ومنها: أنه يقطع بكفر الذي يذبح الذبيحة ويسمِّي عليها ويجعلها لله تعالى، ويدخل مع ذلك دفع شر الجن، ويقول: ذلك كفر واللحم حرام، فالذي ذكره العلماء في ذلك أنه مَنْهِيٌّ عنه فقط وذكره في حاشية «المنتهى» (٢) .
فبيِّنوا رحمكم الله للعوامِّ المساكين الذي لبَّس عليهم، وأبطل عليهم الاعتقاد الصحيح، فإن رأيتم أن ذلك صواب فبيِّنُوه لنا ونرجع إلى قوله (٣) «وإن رأيتموه خطأ فادعوه وازجروه (٤) وبينوا للناس خطأه، فقد افتتن بسببه ناس كثير من أهل قُطْرنا، فتداركوا - رحمكم الله - الأمر قبل أن يرسخ في النفوس، فإن الجواب متعيِّنٌ على من وقف عليه ممن له معرفة بحكم الله ورسوله؛ لأن ذلك إظهار للحق عند خفائه، وإدحاض للباطل» (٥) .