المبحث الثالث
* لماذا هذه المفتريات والتهم؟ عند التحقيق في دعاوى المناوئين وشائعات الخصوم، وغيرهم نجد أن الناس الذي ينقلون هذه الشائعات ويتداولونها ليس لديهم مستندًا علميًا على ما يشيعون أو يفترون، بل غالبًا إنما ينقل بعضهم عن بعض، ويتداولون المقولات، ويزيدون عليها، فحين تظهر فرية تطير بها الشياطين في الآفاق حتى تتشعب وتزداد إلى أن تصبح من الأساطير والملاحم الكبرى التي قد تصل إلى كتب ومصنفات مصدرها الخيالات والأوهام والشائعات واللوازم التي لا أصل لها. والله حسبنا ونعم الوكيل. ومن أهم أسباب ذلك:
١ - الحسد والخوف على السلطان والمصالح: ومما تجدر الإشارة إليه أن من أعظم ما استثار خصوم الدعوة سواء كانت خصومتهم مذهبية - وهو الغالب - وأعني بهم أهل الأهواء والبدع والافتراق - أو كانت خصومتهم دنيوية بسبب الحسد، أو الخوف على المصالح، أو من كانت خصومتهم سياسية، كل هؤلاء وغيرهم ممن عارضوا الدعوة ووقفوا ضدها، أو كرهوا ظهورها وانتشارها - إنما أزعجهم واستثارهم أن يكون للدعوة دولة وسلطان وإمارة وكيان سياسي، لا سيما وأن أول من احتضنها وهو الإمام محمد بن سعود وأحفاده كانت تتوفر فيهم صفات الزعامة والقيادة والسيادة، فكان ابن سعود يمتاز عن كثيرين ممن حوله بالدين والخلق والعدل والحنكة والحلم والصبر، وسداد الرأي، وسلامة المعتقد مما أكسبه السمعة الحسنة والذكر الطيب، وكثيرون من عقلاء الناس وساستهم يعرفون أن هذه هي مؤهلات التمكين والظهور بعد توفيق الله.
ولا شك أن هذه المؤهلات القيادية أثارت غيرة الزعامات المجاورة وغير المجاورة وحسدهم، وخوفهم على مراكزهم ومصالحهم، فكانوا في طليعة المناوئين للدعوة وإمامها وأميرها ودولتها.
وفي مقدمة هذا الصنف: المناوءون الأوائل الذين وقفوا ضد الحركة الإصلاحية وأثاروا العالم حول إمامها الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
فإنهم حين رأوا الحزم والجد من قبل الشيخ في نشر دعوة التوحيد وإزالة البدع والمنكرات وإقامة الحدود، شرعوا في استعداء الناس عليه ليس في نجد فحسب، بل قام
[ ١٦٠ ]
بعضهم بالمكاتبات والرسائل للعلماء والزعماء في سائر العالم الإسلامي، ولسلاطين الدولة العثمانية والأشراف.
وقام آخرون بالرحلات إلى مواطن البدع واستنهض همم أهلها، واستعداهم على الدعوة وإمامها وأتباعها.
ولعل من أكبر أسباب الدعاية المضادة للدعوة الإصلاحية السلفية، إزالتها للبدع الظاهرة والمنكرات المتفشية، فكلما وصلت إلى بلد أزالت القباب والمشاهد على القبور وهدمت الأضرحة التي يتجاوز بناؤها السنة وأزالت الأحجار والأشجار والمزارات البدعية، وأقامت الحدود، وقضت على المنكرات الظاهرة، وعلى كل مظاهر الدجل والسحر والشعوذة وأكل أموال الناس بالباطل وسائر المظالم.
وهذا مما لا شك فيه أنه سيثير حفيظة أهل الباطل والمنكر والبدع، ويوقع في نفوسهم الهلع، وتنقطع به منافعهم ومصالحهم، ومنافع كثير من المرتزقين بالبدع والمنكرات والدجل من زعماء وشيوخ وسدنة ومزورين وعاملين وغيرهم كثير من الخاصة والعامة.
وهذا من أكبر عوامل الإثارة ضد الدعوة وضد السنة إلى اليوم؛ لأنها تقضي على مظاهر الارتزاق بالشركيات والبدع والمنكرات وسائر أسباب الكسب الحرام، والجاه المشبوه، وتكشف ألاعيب الدجالين والمتاجرين بالدين.