دفع فرية التلويح بدعوى النبوة عن الإمام محمد بن عبد الوهاب: وبعد عرض ما كان عليه أهل السنة من تعظيم مقام النبي ﷺ ورفع مكانته التي فضله الله بها. يحسن الوقوف عند تهمة مكشوفة، وكذبة ظاهرة لُمِز بها الإمام محمد بن عبد الوهاب من قبل بعض أهل الأهواء والبدع والافتراق وهي تلكم التهمة الصلعاء التي أثارها بعض خصوم الإمام محمد بن عبد الوهاب حين زعموا أنه يلوّح حول دعوى النبوة، بل زعم بعضهم أنه يدعيها!! (١) وهذه فرية شنيعة وبهتان عظيم.
فإنه في حين لا نجد في منهج الإمام وآثاره وأعماله ما يشير إلى شيء من ذلك - أي دعوى النبوة - فإن العكس هو الواقع المحتم، إذ أن الإمام أكَّد في عقيدته ودروسه وشروحه ورسائله وخطبه ومؤلفاته عقيدة ختم النبوة بمحمد ﷺ وأن خلاف ذلك كفر يجب قتل مدَّعيها ومن يصدقه.
قال فيما يجب على كل مسلم بعد أن ذكر الحقوق الواجبة على المسلم:
«وأعظمها حق النبي ﷺ، وأفرضه شهادتك له أنه رسول الله، وأنه خاتم النبيين وتعلم أنك لو ترفع أحدًا من الصحابة في منزلة النبوة صرت كافرًا» (٢) .
وقال: «وأؤمن بأن نبينا محمد ﷺ خاتم النبيين والمرسلين ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته» (٣) .
ومن علامات الافتراء والخذلان لمروجي هذه الفرية أن أول من روَّجها، وأكثر الذي تابعوه، زعموا أنه (الإمام محمد بن عبد الوهاب) ادعى النبوة بلسان حاله، وأنه كان يُضمر دعوى النبوة في قلبه! (٤) .
_________________
(١) راجع ما قاله بعض الخصوم في كتبهم من ذلك:
(٢) خلاصة الكلام لدحلان (٢٣٩) .
(٣) والدرر السنية في الرد على الوهابية (٤٧) لأحمد بن دحلان كذلك.
(٤) ومصباح الأنام (٤) لعلوي حداد.
(٥) وفصل الخطاب (ق٣٦) لأحمد علي القباني.
(٦) والفجر الصادق للزهاوي) .
(٧) الدرر السنية (١) .
(٨) الدرر السنية (١ «) .
(٩) راجع دعاوى المناوئين (٨١ - ٩٠) .
[ ١٢٨ ]
وهذه حيلة العاجز المهزوم إذ كيف اطلعوا على ما في القلوب مما لا يعلمه إلا علاَّم الغيوب ﷾، مع أن الحقيقة الثابتة أنه قال وأعلن الحق بدليله، ثم ما القرائن التي دلت بلسان الحال على هذه الفرية؟ لم يذكروا شيئًا.
ولما شاع هذا البهتان العظيم، وروَّجه الخصوم من أهل الأهواء والبدع والافتراق الذين يكرهون السنة وأهلها، وتلقفته ألسنة الغوغاء والهمج، من أتباع الفرق والطرق - تصدى له علماء السنة في بلاد الشيخ الإمام وغيرها من سائر بلاد المسلمين، ممن شهدوا بالحق، وأنصفوا الخلق (١) .
وقال الشيخ سليمان بن سحمان: «إن الشيخ (يعني محمد بن عبد الوهاب) قد ذكر في كتاب التوحيد ما رواه البرقاني في صحيحه قوله في الحديث:» وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان وإنه سيكون من أمتي كذّابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي «(٢) . ..» إلى آخر الحديث.
وقال (يعني محمد بن عبد الوهاب) في المسائل المستنبطة من هذا الباب، «الثامنة: العجب العجاب خروج من يدعي النبوة مثل المختار مع تكلمه بالشهادتين وتصريحه أنه من هذه الأمة وأن الرسول حق وأن القرآن حق» (٣) .
وفيه أن محمدًا خاتم النبيين ومع هذا يصدق في هذا كله مع التضاد الواضح وقد خرج المختار في آخر عهد الصحابة، فكيف يضمر مع هذا دعوى النبوة، وكيف يزعم هذا ويرمي به الشيخ رجل يؤمن بالله واليوم الآخر، وبهذا تعلم أن هذا من تزوير من شرق بهذا الدين من أعداء الله ورسوله وتنفيرًا للناس عن الإذعان لإخلاص التوحيد لله بالعبادة» (٤) .
_________________
(١) انظر: دعاوى المناوئين ص (٨٤) .
(٢) الحديث جزء من رواية أصلها عند مسلم (٢٨٨٩)، وأبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢١٧٦)، وأخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (٢٢٩٥)، وقال المحققون: إسناده صحيح على شرط مسلم.
(٣) كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب (٥٣) .
(٤) الأسنة الحداد لابن سحمان (١٢، ١٣)، وانظر: دعاوى المناوئين للدكتور عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف (٨٤ - ٨٦) .
[ ١٢٩ ]
كما رد الشيخ ناصر الدين الحجازي (١) على هذه الفرية بأسلوب آخر، وذلك في رسالته "النفخة على النفحة"، حيث يزعم صاحب كتاب (النفحة الزكية) أن الإمام قد ادعى النبوة، فكان جواب الشيخ ناصر الدين الحجازي على هذا الإفك: «وأما قولك وكان يضمر دعوى النبوة إلا أنه لم يتمكن من إظهارها فهذه دعوى كشف واطلاع على ما في القلوب، فهي بين أمرين إما تصريح بالكذب وإما مشاركة لله تعالى في قوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] [سورة غافر، آية: ١٩] .
فاختر أي الشقين شئت، وإن كنت مدعيًا فعليك الدليل من كتبه التي طبعت في الهند وفي مصر وسارت في الأقطار» (٢) .