عقيدتهم في رسول الله ﷺ وحقوقه وخصائصه: أهل السنة والجماعة - السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان - ومنهم الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه - هم أولى الناس برسول الله ﷺ لأنهم هم الذين يحبونه حق المحبة، ويوقرونه حق التوقير، فهم الذين اتبعوا سنته، والتزموا ما كان عليه ﷺ
_________________
(١) الدرر السنية (١.
(٢) الدرر السنية (١) .
(٣) سيأتي الحديث عن عقيدتهم في اليوم الآخر والقدر.
(٤) الدرر السنية (١) .
[ ١١٧ ]
هو وأصحابه، وأخذوا بوصيته بالتزام السنة والجماعة، والحذر من الفرقة والبدع ومحدثات الأمور، ولا يزالون على الحق والسنة، ظاهرين بحمد الله وسعوا إلى نيل أسمى المطالب وهي محبة الله تعالى ورضاه التي لا تدرك إلا بمحبة الرسول ﷺ واتباعه كما أمر الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] [سورة آل عمران، آية (٣١) .] فالإمام محمد بن عبد الوهاب - وهو أحد أئمة السنة - وأتباعه وسائر أهل السنة اليوم - وقبل وبعد - إنما هم على أثر السلف الصالح، في تحقيق ما أمر الله به من الإيمان برسول الله ﷺ ومحبته وتوقيره واتباع سنته والدعوة إليها وحماية حقوقه ﷺ، وحقوق آله وصحابته وزوجاته أمهات المؤمنين والإيمان كشفاعته وحوضه.
وأنه ﷺ أفضل الخلق أجمعين، وخاتم النبيين والمرسلين.
وأن من توقيره وتعظيمه ألا يرفع إلى مقام الربوبية والألوهية ونحوها مما هو من خصائص الرب ﷿.
فالذين اتهموا الإمام وأتباعه ويسمونهم (الوهابية) بأنهم ينتقصون من حق النبي ﷺ أو يبغضونه، أو ينكرون شيئًا من فضائله أو حقوقه، ونحو ذلك من المزاعم.
إنما قالوا بهتانًا وزورًا، والناظر في حقيقة الأمر يعلم بداهة أنه ما يفتري ذلك إلا جاهل، أو مبتدع، أو مقلد على غير بصيرة، وحاسد ومغرض، أو صاحب هوى أضله هواه عن سبيل الحق، كما سيأتي بيانه في الفصل الثالث.
إن هذه المفتريات ونحوها كلها تخالف الحقيقة والواقع، والبرهان الساطع فقد أفصح الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة عن إيمانهم بسائر الحقوق المشروعة لرسوله ﷺ دون تفريط في مقامه اللائق به ﷺ ودون إفراط ولا إطراء امتثالًا لقوله ﷺ: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله» (١) .
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب: «والرسل: عليهم البلاغ المبين؛ وقد بلَّغوا البلاغ المبين؛ وخاتم الرسل محمد ﷺ أنزل الله عليه كتابه مصدقًا لما بين يديه من الكتاب،
_________________
(١) البخاري رقم (٣٤٤٥)، ومسلم (١٦٩١)، وأخرجه أحمد في المسند برقم (١٥٤)، ورقم (١٦٤)، وقال المحقق: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
[ ١١٨ ]
ومهيمنًا عليه، فهو المهيمن على جميع الكتب، وقد بَيَّن أبين بلاغ وأتمه وأكمله، وكان أنصح الخلق لعباد الله، وكان بالمؤمنين رؤوفًا رحيما، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد الله حتى أتاه اليقين، فأسعد الخلق، وأعظمهم نعيما وأعلاهم درجة: أعظمهم اتباعًا له، وموافقة علمًا وعملًا» (١) .
وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: «والذي نعتقده: أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره، حياة برزخية، أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه، وتسن زيارته، إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس (٢) ومن أنفق نفيس أوقاته، بالاشتغال بالصلاة عليه - ﵊ - الواردة عنه، فقد فاز بسعادة الدارين، وكفى همه وغمه، كما جاء في الحديث عنه» .
وقال الإمام عبد العزيز بن سعود بن محمد في رسالته إلى أحمد بن علي القاسمي:
«وأما قولك: إن أناسًا من أصحابنا ينقمون عليكم في تعظيم النبي المختار ﷺ.
فنقول: بل الله سبحانه افترض على الناس محبة النبي ﷺ، وتوقيره، وأن يكون أحب إليهم من أنفسهم، وأولادهم، والناس أجمعين، لكن لم يأمرنا بالغلو فيه، وإطرائه، بل هو ﷺ نهى عن ذلك، فيما ثبت عنه في الصحيح، أنه قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» (٣) (٤) .
_________________
(١) الدرر السنية (٢) .
(٢) وهم بهذا يقرون بمشروعية زيارة قبر النبي ﷺ خلاف ما يزعمه خصومهم عنهم - لكنهم لا يرون مشروعية شد الرحال لذلك مستدلين بحديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» الحديث، رواه البخاري (١٨٦٤)، ومسلم (٣٣٨٤)، وغيرهم من حديث أبي هريرة - ﵁ -) .
(٣) الحديث سبق تخريجه.
(٤) الدرر السنية (١) .
[ ١١٩ ]
وقال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر وهو من كبار علماء الدعوة: «ونحن - بحمد الله - من أعظم الناس إيجابًا لرعاية الرسول ﷺ، تصديقًا له فيما أخبر، وطاعة له فيما أمر، واعتناء بمعرفة ما بعث به، واتباع ذلك دون ما خالفه، عملًا بقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] [سورة الأعراف، آية: ٣] وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] [سورة الأنعام، آية: ١٥٥] .
وقال الشيخ سليمان بن سحمان: «من سليمان بن سحمان، إلى عبد العزيز العلجي، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فقد بلغني أنك استدركت عليّ فيما تزعم، كلمات في أبيات، وذلك في قولي:
على السيد المعصوم والآل كلهم وأصحابه مع تابعي نهجهم بعد
فزعمت: أنا ننكر، ونشدد على من قال: سيدنا محمد ﷺ، وأن هذا مذهبنا أهل "نجد" وهذا كذب، وافتراء علينا، ما أنكر ذلك منا أحد، ولا كان ذلك مذهبنا» .
إلى أن قال: «وأما نحن: فلا ننكر ذلك، لقوله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (١) وقوله: «إن ابني هذا سيد» (٢) وقوله للأنصار: «قوموا إلى سيدكم» (٣) وقوله: ««من سيدكم يا بني سلمة» فقالوا له: الجد بن قيس، على أنا نبجله فينا، ثم قال ﷺ: «بل سيدكم عمرو بن الجموح»» (٤) إذا فهمت هذا، فمن أين لك أنا ننكر ذلك ونشدد فيه؟ ومن حدثك بهذا؟ أو نقل عنا؟ وفي أي كتاب وجدت ذلك؟ وقد كان لي عدة رسائل، ومناظيم، وكل ذلك قد ذكرته فيها» (٥) .
_________________
(١) رواه مسلم (٢٢٧٨)، وأبو داود (٤٦٧٣)، وأحمد (٢) (٣) .
(٢) رواه البخاري رقم (٧١٠٩)، وأبو داود (٤٦٦٢) .
(٣) رواه البخاري رقم (٣٠٤٣)، ورقم (٣٨٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٤) رواه البخاري في الأدب المفرد ص (١١١) رقم (٢٩٦)، وأبو نعيم في الحلية (٧) بمعناه من حديث جابر - ﵁ -) .
(٥) الدرر السنية (٣) .
[ ١٢٠ ]