وإذا عرفت حال التوراة الذي هو أس الملة الإسرائيلية فاسمع
حال كتاب يوشع الذي هو في المنزلة الثانية من التوراة فأقول: لم يظهر لهم إلى الآن بالجزم اسم مصنفه ولا زمانُ تصنيفه، وافترقوا إلى خمسة أقوال قال: (جرهارد، وديوديتي، وهيوت، وباترك، وتاملاين وداكتر (٣٣) كرى): إنه تصنيف يوشع وقال داكتر (لائت فت) إنه تصنيف فنيحاس، وقال كالون: إنه تصنيف العازار، وقال وانتل: إنه تصنيف صموئيل، وقال هنري: إنه تصنيف أرميا، فانظروا إلى اختلافهم الفاحش، وبين يوشع وأرميا مدة ثمانمائة وخمسين سنة تخمينًا،
[ ١ / ١٢٩ ]
ووقوع هذا الاختلاف الفاحش دليل كامل على عدم استناد هذا الكتاب عندهم، وعلى أن كل قائل منهم يقول بمجرد الظن رجمًا بالغيب، بلحاظ بعض القرائن الذي ظهر له أن مصنفه فلان، وهذا الظن هو سند عندهم، ولو لاحظنا الآية الثالثة والستين من الباب الخامس عشر من هذا الكتاب مع الآية السادسة والسابعة والثامنة من الباب الخامس من سفر صموئيل الثاني يظهر أن هذا الكتاب كتب قبل السنة السابعة من جلوس داود ﵇، ولذلك قال جامعو تفسير هنري واسكات ذيل شرح الآية الثالثة والستين المذكورة هكذا: "يعلم من هذه الآية أن كتاب يوشع كتب قبل السنة السابعة من جلوس داود ﵇"، وتدل الآية الثالثة عشرة من الباب العاشر من هذا الكتاب أن مصنفه ينقل بعض الحالات عن كتاب اختلفت التراجم في بيان اسمه، ففي
[ ١ / ١٣٠ ]
بعض التراجم كتاب اليسير، وفي بعضها كتاب ياصار، وفي بعضها كتاب ياشر، وفي التراجم العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤ سفر الأبرار، وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١ سفر المستقيم، ولم يعلم حال هذا الكتاب المنقول عنه، ولا حال مصنفه، ولا حال زمان التصنيف، غير أنه يفهم من الآية الثامنة عشرة من الباب الأول من سفر صموئيل الثاني أن مصنفه يكون معاصرًا
لداود ﵇ أو بعده، فعلى هذا الغالب أن يكون مؤلف كتاب يوشع بعد داود ﵇، ولما كان الاعتبار للأكثر وهم يدعون بلا دليل أنه تصنيف يوشع فأطوى الكشح عن جانب غيرهم وأتوجه إليهم وأقول هذا باطل لأمور:
(الأمر الأول) هو ما عرفت في الأمر الأول من حال التوراة (والأمر الثاني) ما عرفت في الأمر الرابع من حال التوراة (والأمر الثالث) توجد فيه آيات كثيرة لا يمكن أن تكون من كلام يوشع قطعًا بل تدل بعض الفقرات على أن يكون مؤلفه معاصرًا لداود، بل بعده كما
[ ١ / ١٣١ ]
عرفت، وستعرف هذه الفقرات إن شاء الله في المقصد الثاني من الباب الثاني. والعلماء المسيحية يقولون رجمًا بالغيب: إنها من ملحقات نبي من الأنبياء وهذه الدعوى غير صحيحة ومجرد ادعاء فلا تسمع، فما لم يقم دليل قوي على الإلحاق تكون هذه الفقرات أدلة كاملة على أن هذا الكتاب ليس تصنيف يوشع. (والأمر الربع) في الباب الثالث عشر من هذا الكتاب هكذا ٢٤: (وأعطى موسى سبط جاد وبنيه لقبائلهم ميراثًا هذا تقسيمه) ٢٥: (حد يَعْزير وجميع قرى جِلْعاد (٣٤) ونصف أراضي بني عمون إلى عَرْواعير التي هي حيال ربا) .
[ ١ / ١٣٢ ]
وفي الباب الثاني من سفر الاستثناء هكذا: "قال لي الرب إنك تدلو إلى قرب بني عمون احذر تقاتلهم ومحاربتهم، فإني لا أعطيك شيئًا من أرض بني عمون لأني أعطيتها بني لوط ميراثًا" انتهى ملخصًا. ثم في هذا الباب: "أسلم الرب إلهُنا الجميعَ سوى أرض بني عمون التي لم تدن منها" فبين الكتابين تخالف وتناقض فلو كانت هذه التوراة المشهورة تصنيف موسى ﵇ كما هو مزعومهم فلا يتصور أن يخالفها يوشع ويغلط في المعاملة التي كانت في حضوره، بل لا يتصور من شخص إلهامي آخر أيضًا، فلا يخلو إما أن لا تكون هذه التوراة المشهورة من تصنيف موسى ﵇ أو لا يكون كتاب يوشع من تصنيفه، بل لا يكون من تصنيف رجل إلهامي آخر أيضًا.
[ ١ / ١٣٣ ]