_________________
(١) قال ﵀: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بدأ كتابه بـ " ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "؛ اقتداء بالنبي ﷺ، حيث كان يكتب " ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ " في أول رسائله إلى الناس، وكان يبدأ﵊- أحاديثه مع أصحابه بـ " ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". وقال ﷺ: "كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم؛ فهو أبتر" أي: ناقص البركة. وفي رواية: "بالحمد لله". وكما كتبها سليمان ﵇ فيما ذكر الله عنه لمّا كتب إلى بلقيس ملكة سبأ، وقرأت الكتاب على قومها: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ . فالبداءة بـ " ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ " في الأمور المهمّة في المؤلَّفات، والخطب، والمحاضرات، والأكل والشرب، وجميع الأمور التي هي من الأمور المهمة؟ تُبدأ بـ" ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ " تبركًا بهذه الكلمة العظيمة، وافتتاحًا للأمور بها. ومن هنا نعلم أن هؤلاء الذين لا يكتبون " ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ " في أول مؤلفاتهم في هذا العصر؛ أنهم قد خالفوا السنة، واقتدوا بالغربيين، وإلاَّ فإن المشروع في حق المسلم أن يبدأ بهذه الكلمة في أموره؛ في مؤلفاته، في خطبه، في محاضراته، في رسائله، إلاَّ أن هذه الكلمة لا تُكتب أمام الشعر الذي فيه هجاء أو فيه ذَم، ولا تُكتب أمام الكلام الذي فيه سِباب أو شتم أو كلام قبيح، تُنزّه هذه الكلمة، لا تُكتب أمام الشعر، وأعني: الشعر غير المحترم، أما الشعر النزيه الطيب فلا بأس، كذلك لا تُكتب أمام الهجاء، وأمام السب والشتم، وإنما تكتب أمام الكلام النزيه، ولهذا جاءت هذه الكلمة العظيمة في مبدأ كل سورة من سور القرآن
[ ١ / ١٧ ]
العظيم، سوى براءة والأنفال فإنها لم تأتِ بينهما؛ وقد أجاب أهل العلم عن ذلك، والله أعلم أنهما سورة واحدة، لأنهما في موضوع القتال، فهما في موضوع واحد وكأنهما سورة واحدة، أما في بقية السور فإنها تأتي في أول ومطلع كل سورة.
ومعناها- كما قرر أهل العلم-: " ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ " الجار والمجرور متعلق بمحذوف يجب أن يكون مؤخَّرًا، تقديره: أستعين، بـ " ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "، أو أبتدئ بـ " ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ " كتابي ومؤلَّفي، أو ابتدئ كلامي بـ " ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "، فالجار والمجرور متعلق بمحذوف مؤخر.
و" ﴿اللهِ﴾ الله" عَلَمٌ على الذات المقدّسة، وهو لا يُسمّى به غير الرّب ﷾، لا أحد تسمّى بهذا الاسم أبدًا، حتى الجبابرة، حتى الطواغيت والكفرة، ما أحد منهم سمّى نفسه " ﴿اللهِ﴾ " أبدًا، فرعون قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ ما قال: أنا الله، مع كفره لم يجرؤ أن يسمّي نفسه هذا الاسم" ﴿اللهِ﴾ "، وإنما هذا خاص بالله ﷾.
و"الله" معناه: ذو الألوهية، والألوهية معناها: العبادة، يقال: أَلَهَ يألَهُ: بمعنى: عبَد يعبُد، فالألوهية معناها: العبادة، فـ" ﴿اللهِ﴾ معناه: ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، كما جاء في الأثر عن ابن عباس ﵁.
و" ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ " اسمان لله ﷿ يتضمنان الرحمة، والرحمة صِفة لله ﷿، وكل اسم لله فإنه يتضمن صِفة من صفاته ﷾.
و" ﴿الرَّحْمَنِ﴾ ": رحمة عامة لجميع المخلوقات.
و" ﴿الرَّحِيمِ﴾ ": رحمة خاصة بالمؤمنين، كما قال- تعالى-: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ .
فـ " ﴿الرَّحْمَنِ﴾ ": رحمة عامة لجميع المخلوقات، حتى الكفار والبهائم والدواب إنما تعيش برحمة الله، وسخّر الله بعضها لبعض من رحمته ﷾، فهي رحمة عامة لجميع الخلق، بها يتراحمون، حتى إن البهيمة ترفع رجلها عن ولدها رحمة به.
وأما " ﴿الرَّحِيمِ﴾ " فإنه رحمة خاصة بالمؤمنين ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ .
والرحمة: صِفة من صفات الله ﷿ تليق بجلاله- سبحانه- ليست كرحمة
[ ١ / ١٨ ]
المخلوق، وإنما هي كسائر صفاته ﷾، نصِفه بها كما وصف بها نفسَه، ولكن لا نشبّه رحمته -سبحانه- برحمة خلقه.
ثم قال بعد ذلك: "كتاب التّوحيد".
قد يسأل سائل فيقول: لماذا لم يبدأ كتابه بالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي ﷺ؟
الجواب: أنه اكتفى ﵀ بـ" ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "؛ فإنها كافية في الثناء على الله ﷾، وكافية بالابتداء.
هذا جواب.
والجواب الثاني كما ذكر الشارح العلامة الشيخ: عبد الرحمن بن حسن ﵀ يقول: "عندي نسخة بخط المؤلِّف فيها أنه بدأ هذا الكتاب بقوله: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد) .
فإذًا؛ يكون في هذه النسخة جمع بين الفضيلتين؛ البداءة بـ" ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "، والبداءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهذا أكمل بلا شك، ثم قال: "كتاب التّوحيد".
"كتاب": مصدر كَتَبَ، والكَتْب في اللغة معناه: الجمعُ، سُمّيَ الكتاب كتابًا لأنه جمع الكلمات والنصوص، ففيه معنى الجمع، ولذلك سُمّي كتابًا، ومنه "الكتيبة" من الجيش، لأنها تجمع أفرادًا من الجنود، ومنه سُمَي الخرّاز كاتبًا؛ لأنه يجمع بين الرقاع.
و"التّوحيد" فصدر وَحَّدَ توحيدًا، ومعناه: إفراد الله ﷾ بالعبادة؛ فمن أفرد الله بالعبادة فقد وَحَّده، يعني: أفرده عن غيره، يقال: وَحَّد وَثَنَّى وَثَلّث، وَحَّد معناه: جعل الشيء واحدًا، وثَنّى يعني: جعل الشيء اثنين، وثَلّث: جعل الشيء ثلاثة، إلى آخره.
فـ"التّوحيد" معناه لغةً: إفراد الشي عن غيره.
أما معناه شرعًا: فهو إفراد الله- تعالى- بالعبادة. هذا هو التّوحيد شرعًا.
و"التّوحيد" ثلاثة أنواع- على سبيل التفصيل-:
[ ١ / ١٩ ]
النوع الأول: توحيد الربوبية، وهو: إفراد الله- تعالى- بالخلق، والرزق، والتدبير، والإحياء، والإماتة، وتدبير الخلائق. هذا توحيد الربوبية، أنه لا خالق، ولا رازق، ولا محيي، ولا ضار، ولا نافع؛ إلا الله ﷾. هذا يُسمّى: توحيد الربوبية، وهو: توحيده بأفعاله ﷾، فلا أحد يخلق مع الله، ولا أحد يرزق مع الله، ولا أحد يحي ويميت مع الله ﷾.
وهذا النوع من أقرّ به وحده لا يكون مسلمًا؛ لأنه قد أقرّ به الكفار، كما ذكر الله - جل وعلا- في القرآن في آيات كثيرة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ " ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُون َ﴾ (٣١) " ﴿أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ﴾، إلى غير ذلك من الآيات التي أخبر الله أن المشركين يقرّون بأن الله هو الخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، ومع هذا لا يكونون مسلمين، لماذا؟ لأنهم لم يأتوا بالنوع الثاني، الذي هو مدار المطلوب.
النوع الثاني: توحيد الألوهية، ومعناه: إفراد الله- تعالى- بالعبادة، هذا غير إفراده بالخلق والرزق والتدبير، بل إفراد الله بالعبادة؛ بأن لا يُعبَد إلا الله ﷾ لا يُصَلّى، ولا يُدعى، ولا يُذبَح، ولا يُنذَر، ولا يُحَج، ولا يُعتَمر، ولا يُتصَدق، ولا إلى آخره؛ إلا لله ﷾، يبتغى بذلك وجه الله ﷾.
وهذا هو الذي وقعت الخصومة فيه بين الرسل والأمم.
أما الأول فما وقعت فيه خصومة، لأن الأمم مقِرّة بأن الله هو الخالق الرازق، المحيي المميت، المدبر، ولم يُنكِر توحيد الربوبية إلاَّ شُذّاذ من الخلق، أنكروه في الظاهر، ولكنهم مستيقنون به في الباطن، من ذلك: فرعون، وإن كان جحد وجود الرّب ﷾، وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ فهذا في الظاهر، وإلاَّ فهو يقر في قرارة نفسه أنه ليس برب، وأنه لا يخلق، ولا يرزق، وإنما في قرارة نفسه يعترف بأن الله هو الخالق الرازق، كذلك الشيوعية في عصرنا الحاضر جحودها للرّب، هذا في الظاهر، وإلا كل عاقل يعلم أن هذا الكون ما وُجِدَ من دون خالق، ومن دون مدبِّر، ومن دون موجد، أبدًا، كل عاقل يعترف بتوحيد الربوبية.
[ ١ / ٢٠ ]
أما توحيد الألوهية والعبادة، فهذا قَلّ من الخلق من أقرّ به، ما أقرّ به إلاَّ المؤمنون أتباع الرسل- عليهم الصلاة والسلام، هم الذين أقرّوا به، أما عموم الكفار فإنهم ينكرون توحيد الألوهية، بمعنى: أنهم لا يفردون الله بالعبادة، حتى وإن أقرّوا بالنوع الأول وهو: توحيد الربوبية وإن عبدوا الله ببعض أنواع العبادة.
ولهذا لما قال لهم النبي ﷺ: "قولوا: لا إله إلاَّ الله تفلحوا" قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾، فهم أبوا أن يقولوا ﴿لا إله إلاَّ الله﴾ مع أنهم يعترفون بتوحيد الربوبية، لكن أبوا أن يعترفوا بتوحيد الألوهية، الذي هو إفراد الله بالعبادة، هم يقولون: نحن نعبد الله ونعبد معه غيره من الشفعاء والوسطاء، الذين يقربونهم -بزعمهم- إلى الله زُلفى، اتخذوهم وسائط- بزعمهم، وأبوا أن يفردوا الله- جل وعلا- بالعبادة ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ هذا في قوم نوح، والوتيرة واحدة من أول الكفار إلى آخرهم ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ .
وكذلك عُبَّاد القبور اليوم، يقولون: لا تذرُن الحسن والحسين، والبدوي وغيرهم هؤلاء لهم فضل، ولهم مكانة؛ اذبحوا لهم، وانذروا لهم، وطوفوا بقبورهم، وتبرَّكوا بهم، لا تذروهم، لا تطيعوا هؤلاء الجفاة الذين يدعون إلى ترك عبادة القبور، ولا يعرفون حق الأولياء. الوتيرة واحدة مثل قوم نوح: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ .
الحاصل: أن النوع الثاني هو توحيد الألوهية، وهو: إفراد الله- تعالى- بالعبادة، وترك عبادة من سواه، وهذا هو الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به لكتب، كما تقرأون في هذه الآيات التي سمعتم وكما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ما قال: إلاَّ ليقروا بأني أنا الرّب، لأن هذا موجود ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ما قال: أن أقروا، بأن الله هو الخالق الرازق؛ لأن هذا موجود، وهو وحده لا يكفي.
[ ١ / ٢١ ]
وهذا النوع- توحيد الألوهية- جحده المشركون، وهم أكثر أهل الأرض في قديم الزمان وحديثه، أبوا أن يتركوا آلهتهم، وأن يفردوا العبادة لله ﷿، ويخلصوا الدين لله ﷿؛ زاعمين أن هذه الوسائط وهؤلاء الشفعاء يشفعون لهم عند الله، وأنهم يقرِّبونهم إلى الله، وأنهم وأنهم.. إلى آخره ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ .
النوع الثالث: توحيد الأسماء والصفات، بمعنى: أننا نثبت لله ﷾ ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسول الله ﷺ من الأسماء والصفات، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، على حد قوله- تعالى-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
فنثبت لله الأسماء كما قال- تعالى-: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
وكذلك الصفات، نصِف الله ﷿ بما وصف به نفسه؛ أنه عليم، وأنه رحيم، وأنه سميع بصير، يسمع ويُبصر ﷾، ويعلم، ويرحم، ويغضب، ويُعطي ويمنع، ويخفض ويرفع. وهذه صفات الأفعال.
وصفات الذات كذلك؛ أن له وجهًا- سبحانه، وأن له يدين، وأن له ﷾ الصفات الكاملة، نثبت لله ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله من صفات الذات ومن صفات الأفعال، ولا نتدخل بعقولنا وآرائنا وأفكارنا، ونقول: هذه الصفات أو هذه الأسماء موجودة في البشر، فإذا أثبتناها شبهنا- كما يقوله المعطِّلة، بل نقول: إن لله ﷾ أسماءً وصفات تليق بجلاله ﷾، وللمخلوقين أسماء وصفات تليق بهم، والاشتراك في الاسم، أو الاشتراك في المعنى؛ لا يقتضي الاشتراك في الحقيقة. خذ- مثلًا-: الجنة، فيها أعناب وفيها نخيل- كما ذكر الله، وفيها رمان، وفيها أسماء موجودة عندنا في الدنيا، لكن ليس ما في الجنة مثل ما في الدنيا، أبدًا، ليس النخيل التي في الجنة مثل النخيل التي في الدنيا، الرمان ليس مثل الرمان الذي في الدنيا، وإن اشترك في الاسم والمعنى، كذلك أسماء الله وصفاته وإن اشتركت مع أسماء المخلوقين وصفاتهم باللفظ والمعنى، فالحقيقة والكيفية مختلفة، لا يعلمها
[ ١ / ٢٢ ]
إلا الله ﷾، فلا تشابه إذًا في الخارج والواقع أبدًا، لأن الخالق - سبحانه- لا يشبهه شيء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ولا يلزم من إثبات الأسماء والصفات التشبيه- كما يقول المعطِّلة والمؤوِّلة، وإنما هذا من قصور أفهامهم، أو ضلالهم، ورغبتهم عن الحق، وإلاَّ كلٍّ يعلم الفرق بين المخلوق والخالق﷾، كما أن المخلوقات نفسها فيها فوارق، فليس- مثلًا- الفيل مثل الهرة والبعوضة أبدًا، وان اشتركت في بعض الصفات، البعوضة لها سمع- مثلًا، والفرس له سمع، البعوضة لها بصر، والفيل والفرس لهما بصر، هل يقتضي هذا أن تكون البعوضة مثل الفيل أو مثل الفرس؟ لا، وإن اشتركت في الأسماء فلا تشترك في الحقائق والمعاني.
إذا كان هذا الفارق بين المخلوقات، فكيف بين الخالق ﷾ والمخلوقين؟
نحن نُقِرُ لله ﷾ بما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، الله- تعالى- قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ نفى المثلية وأثبت السمع والبصر؛ فدل على أن إثبات السمع والبصر وغيرهما من الصفات لا يقتضي المثلية ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾ .
الله ﷾ لا يشبهه أحد من خلقه.
هذه أنواع التّوحيد الثلاثة:
توحيد الربوبية: وهذا في الغالب لم ينكره أحد من الخلق.
توحيد الألوهية: وهذا أنكره أكثر الخلق، ولم يثبته إلاَّ أتباع الرسل- عليهم الصلاة والسلام- كما قال- تعالى-: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ .
ما أثبت توحيد الألوهية إلاَّ أتباع الرسل- عليهم الصلاة والسلام- وهم المؤمنون من كل أمة، هم الذين أثبتوا توحيد الألوهية، وأبى عن الإقرار به المشركون في كل زمان ومكان.
[ ١ / ٢٣ ]
وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ الآية.
_________________
(١) والثالث: أثبته أهل السنة والجماعة، فأثبتوا لله الأسماء والصفات، وحرّفها وأوَّلها الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، ومشتقاتهم من سائر الطوائف التي سارت في ركابهم؛ فهؤلاء منهم من نفاها كلها، منهم من نفى بعضها وأثبت بعضها، المهم أن نعرف مذهب أهل السنة والجماعة في هذا. وتقسيم التّوحيد إلى هذه الأنواع الثلاثة مأخوذ من الكتاب والسنة وليس تقسيمًا مبتدعًا كما يقوله الجهال والضلال اليوم ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ وليس مصدر هذا التقسيم علم الكلام وقواعد المتكلمين التي هي مصدر عقائد هؤلاء المخذولين الذين يتكلمون بما لا يعرفون، بل هذا التقسيم مأخوذ بالاستقراء من الكتاب والسنة. فالآيات التي تتحدث عن أفعال الله وأسمائه وصفاته فهي في توحيد الربوبية. والآيات التي تتحدث عن عبادة الله، وترك ما سواه؛ فهي في توحيد الألوهية. قوله: "وقول الله" بالكسر معطوف على "التّوحيد"، وهو مجرور بالإضافة، (وقول الله- تعالى-) معطوف على المجرور، ويجوز الرفع (وقولُ الله- تعالى-) يكون على الابتداء. " ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ " لاحظوا دِقّة الشيخ ﵀، قال: "كتاب التّوحيد. وقول الله- تعالى- ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ " ليُبَيّن لكم ما هو معنى التّوحيد؟، بأن التّوحيد معناه: إفراد الله بالعبادة، وليس معناه: الإقرار بالربوبية، بل معناه: إفراد الله بالعبادة، بدليل هذه الآية وغيرها. يقول الله- جل وعلا-: " ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ " يُبَيِّن الله ﷾ الحِكمة من خلقه للجن وخلقه للإنس. أما ﴿الْجِنَّ﴾ فهم عالم من عالم الغيب، نؤمن بهم، ولكننا لا نراهم، ولذلك سُمُّوا بـ ﴿الْجِنَّ﴾ من الاجتنان وهو الاستتار، ويقال: جَنَّه الليل إذا سَتَرَه، ويقال: الجنين في البطن، لماذا سُمِّي جنينًا؟، لأنه مستتر، فـ ﴿الْجِنَّ﴾، سُمُّوا جنًا لأنهم مستترون عن أبصارنا لا نراهم ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ فهم من عالم
[ ١ / ٢٤ ]
الغيب، والإيمان بهم واجب، ومن جحد وجود الجن فهو كافر؛ لأنه مُكَذِّبٌ لله ورسوله وإجماع الأمة على وجود الجن، وهؤلاء الذين أنكروا وجودهم على أي شيء يعتمدون؟، ما يعتمدون على شيء إلاَّ لأنهم لا يرونهم، وهل كل موجود لابد أن تراه؟ هناك أشياء كثيرة ما تراها وهي موجودة، مثلًا: الروح التي فيك، هل تراها؟، هل الروح التي تحركك؛ تمشي بها وتقعد هل تراها، والعقل موجود ومع هذا لا تراه.
الحاصل؛ أنه ما كل شيء موجود لابد أننا نراه، هناك أشياء كثيرة وكثيرة وكثيرة لا نراها، وربما تكون تعيش معنا، ولله الحِكمة ﷾، ومن ذلك ﴿الْجِنَّ﴾ وهم عالم عظيم، إلاَّ أننا لا نراهم، وهم مكلّفون مثل الإنس.
وأما ﴿وَالأِنْسَ﴾ معناها: بنو آدم، من الاستئناس لأنهم يأنس بعضهم ببعض، ويألف بعضهم بعضًا.
الله ﷾ بَيّن لنا الحِكمة من خلقه الثقلين: الجن والإنس، وهي: أنه إنما خلقهم لشيء واحد، وهو: العبادة، ولهذا جاء بالحصر " ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ " حَصَر الحِكمة من خلق الجن والإنس في شيء واحد وهو: أنهم يعبدونه، فالحِكمة من خلق المخلوقات هي: عبادة الله ﷾، خلق الله الجن والإنس للعبادة، وخلق كل الأشياء لمصالحهم، سَخَّرها لهم ليستعينوا بها على عبادته ﷾.
ومعنى ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: يفردوني بالعبادة، أو تقول بعبارة أخرى: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ ليوحِّدون، لأن التّوحيد والعبادة شيء واحد.
ومع كونه ﷾ خلقهم لعبادته؛ فمنهم من قام بالعبادة وعبد الله، ومنهم من لم يعبد الله، إذ لا يلزم من كونه خلقهم لعبادته أن يعبدوه كلهم، بل يعبده من شاء الله - ﷾- له الهداية، ويكفر به من شاء الله له الضلالة، ومعنى: " ﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ " أي: إلاَّ لآمرهم بعبادتي، أو لآمرهم وأنهاهم، كما قال- تعالى -: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦)﴾ أي: لا يؤمر ولا يُنَهى.
وما دام أن الله ﷾ خلق الثقلين لعبادته فهذا يدل على أن العبادة هي الأصل، وأن التّوحيد هو الأصل والأساس.
[ ١ / ٢٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ .
_________________
(١) ثم قال- جل وعلا-: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ هذا فيه بيان أن الله- جل وعلا- ليس بحاجة إلى عبادتهم، وإنما هم المحتاجون إلى عبادة الله ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾، فالله خلق الثقلين لعبادته، ولكنه- جل وعلا- ليس محتاجًا إلى عبادتهم، إذًا من هو المحتاج إلى العبادة؟. هم العباد أنفسهم. ولهذا قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾، فالله لا تضره معصية العاصي، ولا تنفعه طاعة المطيع، وإنما الطاعة تنفع صاحبها، والمعصية تضر صاحبها، قال- تعالى-: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ وفي الحديث القدسي، أن الله ﷾ يقول: "يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا"، وفي ختام الحديث العظيم، قال: "يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفِّيكم إيّاها؛ فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلاَّ نفسه". والله يقول: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾، لا ليتكثَر بهم من قِلّة، ولا ليتعزّز بهم من ذِلَّة ﷾، وإنما خلقهم لعبادته، ومصلحة العبادة راجعة إليهم هم. فهذه الآية فيها بيان معنى (التّوحيد) وأنه: العبادة، وليس "التّوحيد" المطلوب معناه: الإقرار بالربوبية - كما يقول الضلال، وإنما معناه العبادة، أي إخلاص العبادة لله ﷾. قال: "وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ " يُخبرِ ﷾ أنه بعث في كل أمة، و(الأمة) معناها: الجماعة والجيل والطائفة من الناس ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، و(الرسول) هو: من أوحي إليه بشرع
[ ١ / ٢٦ ]
وأُمِرَ بتبليغه، والرسل كثيرون، منهم من سَمّى الله- جل وعلا- لنا في القرآن، ومنهم من لم يُسَمِّ لنا ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾، فنحن نؤمن بجميع الرسل من أوّلهم إلى آخرهم، من سمى الله لنا ومن لم يسم، والإيمان بالرسل أحد أركان الإيمان الستة.
" ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ " هذا مثل: " ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ "، فكما أن الله خلق الخلق لعبادته كذلك أرسل الرسل- أيضًا- لعبادته ﷾، ما أرسل الرسل يعلمون الناس الفلاحة والزراعة والصناعة، ولا ليعلموهم الأكل والشرب، ولا ليعلموهم أن يقروا بوجود الرب والربوبية، إنما أرسل الرسل ليأمروا الناس بعبادة الله ﷾ الذي هو ربهم، والذي يعترفون أنه ربهم وخالقهم ﷾.
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ هذا أمر، ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ هذا أمر بمعنى النهي. والطاغوت: مأخوذ من الطغيان، وهو: مجاوزة الحَدّ في كل شيء، والطاغوت يُطلق ويُراد به الشيطان، وهو رأس الطواغيت- لعنه الله- ويُطلق ويُراد به الساحر والكاهن، والحاكم بغير ما أنزل الله، والذي يأمر الناس باتباعه في غير طاعة الله، فالطاغوت- كما يقول ابن القيم-: "كل ما تجاوز به العبد حَدّه من معبود أو متبوع أو مطاع في غير طاعة الله فهو طاغوت".
فالله أمرنا بعبادته ﷾ واجتناب الطاغوت، والمراد بالطاغوت هنا: كل ما عُبِد من دون الله من الأصنام والأوثان، والقبور والأضرحة وغير ذلك، كلها تسمى طواغيت، لكن من عُبد من دون الله ولم يرضَ بذلك فهذا لا يُسمى طاغوتًا، مثل: عيسى ﵇؛ كذلك: عباد الله الصالحين كالحسن والحسين، والأولياء الذين لم يرضوا أن يُعبَدوا من دون الله؛ هؤلاء لا يسمون طواغيت، ولكن عبادتهم عبادة للطاغوت الذي هو الشيطان، فهؤلاء الذين يعبدون الحسين وأمثاله، هؤلاء يعبدون الشيطان؛ لأنه هو الذي أمرهم بهذا: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ يعني: الشياطين، ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ .
[ ١ / ٢٧ ]
فـ " ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ " يعني: كل ما يُعبد من دون الله ﷿.
وفي الآية الأخرى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ فهذا هو معنى "لا إله إلاَّ الله"، لأن "لا إله إلاَّ الله" معناها: الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، مثل قوله: " ﴿اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ " نفيٌ وإثبات.
ولاحظوا قوله:" ﴿وَاجْتَنِبُوا﴾ "، ما قال: اتركوا عبادة الطاغوت؛ لأن "اجتنبوا" أبلغ؛ يعني: اتركوا كل الوسائل التي توصِّل إلى الشرك ٤ والاجتناب أبلغ من الترك، فالاجتناب معناه: أننا نترك الشيء ونترك الوسائل والطرق التي توصِّل إليه، فهذه الآية فيها: أن الرسل بُعثوا بالتّوحيد، الذي هو عبادة الله وترك عبادة الطاغوت، من أولهم إلى آخرهم.
إذًا جميع الرسل جاءوا بالدعوة إلى التّوحيد والنهي عن الشرك، هذه مِلَّة الرسل- عليهم الصلاة والسلام-، وهي مِلَّة واحدة، وإن اختلفت شرائعهم، إلاَّ إن أصل دينهم وعقيدتهم هو: التّوحيد، وعبادة الله في كل وقت بما شرع، فمثلًا: الصلاة إلى بيت المقدس في أوّل الإسلام؛ عبادة لله، لأن الله أمر بها، لكن بعدما نُسِخَت وحُوِّلَت القِبلة إلى الكعبة صارت العبادة هي الصلاة إلى الكعبة، والصلاة إلى بيت المقدس أصبحت منتهية، فمن صلى إلى بيت المقدس بعد النسخ يُعتَبر كافرًا، فعبادة الله في كل وقت بما شرعه في ذلك الوقت، وإذا نُسِخ فإنه يُنتَقَل إلى الناسخ ويتُرك الدين المنسوخ، فدين الرسل واحد وإن اختلفت شرائعهم، وقد شبههم النبي ﷺ بالإخوة لعلات، وهم الإخوة من الأب، أبوهم واحد ولكن أمهاتهم مختلفات، كذلك الرسل دينهم واحد وشرائعهم مختلفة، حسب حِكمة الله ﷾، لأن الله يشرع لكل وقت ما يناسبه، ولكل أمة ما يصلحها وهو أعلم ﷾ ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ فما دام الدين لم ينسخ فهو عبادة لله، وإذا نُسِخ فالعبادة لله هي الانتقال إلى الناسِخ وترك المنسوخ.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ﴾ يعني: منهم من أجاب الرسل، ومنهم من أبى، و﴿حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ القدر السابق المقدّر باللوح المحفوظ بسبب كفره وعناده.
[ ١ / ٢٨ ]
وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية.
_________________
(١) قوله: "وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ " القضاء له عِدة معان، منها: القضاء والقدر، ومنها: الحُكم والشرع، ومنها: الإخبار ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ يعني: أخبرناهم، ومنها: الفراغ ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ﴿) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ يعني: فرغتم منها. فالقضاء له عدة إطلاقات، المراد منها هنا: الأمر والشرع، و" ﴿وَقَضَى﴾ " معناه: شرع " ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ "، والله لم يشرع عبادة غيره أبدًا، لم يشرع عبادة الأصنام، ولم يشرع عبادة الأولياء والصالحين، ولم يشرع عبادة الأضرحة والقبور، ولم يشرع عبادة الأشجار والأحجار، أبدًا، هذا شرعه الشيطان، أما شرع الله فهو عبادة الله -سبحانه- وحده لا شريك له. وهذا هو معنى "لا إله إلاَّ الله " " ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا﴾ " هذا نفي، " ﴿إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ " هذا إثبات، فهو معنى "لا إله إلاَّ الله" تمامًا. ولما أمر بحقه- سبحانه- أمر بحق الوالدين: " ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ " فيأتي حق الوالدين بعد حق الله ﷾ مباشرة؛ لأن الوالدين هما أعظم محسِن عليك بعد الله- سبحانه- ومعنى " ﴿إِحْسَانًا﴾ " يعني: أحسن إليهما كما أحسنا إليك. والشاهد من الآية: " ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ " لأنها تفسِّر التّوحيد، وهو: عبادة الله وترك عبادة ما سواه، هذا هو التّوحيد، أما عبادة الله بدون ترك عبادة ما سواه فهذا لا يسمى توحيدًا، فالمشركون يعبدون الله ولكنهم يعبدون معه غيره فصاروا مشركين، فليس المهم أن الإنسان يعبد الله فقط، بل لابد أن يعبد الله ويترك عبادة ما سواه، وإلاَّ لا يكون عابدًا لله، ولا موحِّدًا، فالذي يصلي ويصوم وبحج ولكنه لا يترك عبادة غير الله ليس بمسلم، ولا تنفعه صلاته ولا صيامه ولا حجّه؛ لأنه لم يتمثل قوله- تعالى-: " ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ "، " ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ " يعني: لا تعبدوا معه غيره، وفي الحديث القدسي عن الله ﷾ أنه يقول: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه"، وفي رواية: "فهو للذي أشرك، وأنا منه بريء".
[ ١ / ٢٩ ]
وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآية.
_________________
(١) والآية الرابعة: " ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ "، الآيات على نَسَق واحد، ومنهجها واحد فـ " ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ " مثل: " ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ " تمامًا؛ لأنها تخرج من مِشكاة واحدة " ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ﴾ " هذا أمر من الله ﷾ بعبادته " ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ " هذا نهي عن الشرك، وهذا هو معنى ﴿لا إله إلاَّ الله﴾، لأن ﴿لا إله إلاَّ الله﴾ معناها: نفي الشرك وإثبات العبادة لله ﷿، ومعنى " ﴿َاعْبُدُوا اللهَ﴾ " أي: أخلصوا له العبادة، والعبادة لابد من معرفة معناها، هي: الذل والخضوع، هذا أصلها، في اللغة، يقال: طريق معبَّد يعنى: طريق ذلّلته الأقدام بوطئها. وأما العبادة في الشرع فهي كما عرّفها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة"، فالعبادة هي: فعل ما شرعه الله ﷾. فالصلاة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، وصلة الأرحام عبادة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبادة، والإحسان إلى اليتيم عبادة، إلى آخره، كل ما شرعه الله فهو عبادة، ليست العبادة: أن الإنسان يتقرب إلى الله بشيء من عند نفسه فهذه بدعة، وكل بدعة ضلالة، إذًا العبادة: ما شرعه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، لأن العبادة منها ما هو على الجوارح والأعضاء الظاهرة، مثل: الصلاة، والجهاد في سبيل الله، هذا ظاهر على الجوارح، تتحرك، تعمل، ومنها ما هو على اللسان مثل: الذكر "سبحان الله والحمد لله" هذه عبادة باللسان، ومنها ما هو بالقلب مثل: الخوف، والخشية، والرغبة، والرهبة، والرجاء، هذه أعمال قلوب؛ فالعبادة تكون على القلوب، وتكون على الألسنة، وتكون على الجوارح. " ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ " لمَّا أمر بعبادته- سبحانه- نهى عن الشرك، لأن الشرك يفسد العبادة، كما أن الحدث يفسد الصلاة والطواف، كذلك الشرك يفسد العبادة، ولذلك نهى الله ﷾ عنه.
[ ١ / ٣٠ ]
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآيات.
قال عبد الله بن مسعود ﵁: "من أراد أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ الآية.
_________________
(١) ثم يواصل الشيخ ﵀ سياق الآيات والأحاديث في هذا الباب فيقول: "وقول الله - تعالى-: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى آخر الآيات الثلاث في آخر سورة الأنعام، التي آخرها: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . قال عبد الله بن مسعود ﵁ عن هذه الآيات الثلاث: "من أراد أن ينظر إلى وصّية محمد ﷺ التي عليها خاتَمه فليقرأ هذه الآيات الثلاث". " ﴿أَتْلُ﴾ " أي: أقرأ، " ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ " دلّ على أن التحليل حقٌّ للربوبية؛ فالرب هو الذي يحلِّل ويحرِّم؛ لا ما حرّمتموه، أو حرّمه أولياؤكم من الشياطين من الإنس والجن، كالأنعام التي يحرِّمونها للأصنام. بدأ بأعظم المحرَّمات فقال: " ﴿أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ "، فأعظم المحرمات هو:- الشرك بالله- سبحانه-؛ فإذا قيل لك: ما هو أعظم المحرّمات؟، تقول: الشرك بالله ﷿، وإذا قيل لك: ما أعظم ما نهى الله عنه؟، تقول: الشرك بالله؛ وإذا قيل: ما أعظم المنكرات؟ تقول: الشرك بالله؛ وإذا قيل: ما هو أكبر الكبائر؟، تقول: الشرك بالله، كما قال النبي ﷺ: "أكبر الكبائر: الشرك بالله". فالشرك- والعياذ بالله- هو أخطر الذنوب، وأعظم ذنب عُصي الله به، وهو: عبادة غيره معه ﷾ بصرف أيِّ نوع من أنواع العبادة لغير الله. فقوله: " ﴿أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ " هذا نهيٌ من الله ﷾ عن الشرك به؛ وهو أعظم ما حرم ربكم عليكم؛ فأنتم تستحلُّون أعظم المحرّمات- وهو الشرك-. وكلمة " ﴿شَيْئًا﴾ " يقول العلماء: نكرة في سياق النهي تعمُّ كلّ ما عُبد من
[ ١ / ٣١ ]
دون الله ﷿، سواءً كان مَلَكًا أو نبيًا أو وليًّا أو صالحًا من الصالحين أو شجرًا أو حجرًا أو قبْرًا أو غير ذلك؛ كله يعمُّه كلمة: " ﴿شَيْئًا﴾ " فهي كلمة عامة؛ يعني: أي شيء من الأشياء لا يجوز أن يُصرف له شيء من عبادة الله ﷾.
وأيضًا " ﴿أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ " يشمل كل أنواع الشرك الأكبر والأصغر، فليس هناك شيء من الشرك يُتَسامَح فيه لا أكبر ولا أصغر، لأن قوله- تعالى-: " ﴿شَيْئًا﴾ " كلمة عامّة تنفي جميع الشرك كبيره وصغيره، كما أنها تمنع أن يُشرك مع الله أحد كائنًا من كان، لا الملائكة المقرّبون، ولا الأنبياء والصالحون، ولا الجمادات، ولا الأشجار، ولا الأحجار، ولا القبور، ولا أيّ شيء؛ لا يجوز أن يُصرف شيءٌ من العبادة لغير الله، لا النذور، ولا الذبائح، ولا الطواف، ولا الدعاء، ولا الخوف، ولا الرجاء، ولا الرغبة، ولا الرهبة؛ لا يجوز ذلك سواءً كان شركًا أكبر أو شركًا أصغر، سواء كان شركًا جَليًا ظاهرًا أو شركًا خفيًا في القلوب.
" ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ " أي: وصّاكم أن تُحسنوا بالوالدين إحسانًا؛ فكلمة: " ﴿إِحْسَانًا﴾ " منصوبٌ على فعل محذوف، تقديره: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا؛ وهذا - كما ذكرنا في القاعدة المتقرِّرة-: أن الله- سبحانه- يبدأ بحقه أوّلًا ثم يثنِّي بحق الوالدين دائمًا وأبدًا، إذا أمر بتوحيده أمر أيضًا ببرِّ الوالدين، هذا في كثير من الآيات.
فهذا فيه الأمر بالإحسان إلى الوالدين بالبر، والصِّلة، والإكرام، والتوقير أحياءًا وأمواتًا: أما برُّهم في الحياة فبالإحسان إليهما بالكلام اللِّين، والتواضُع، والنفقة، والقيام بخدمتهما، والتماس رضاهما في غير معصية الله ﷾ كما قال- تعالى-: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾؛ ففي حال حياتهما يَبَرُّ بهما بأنواع البر، ولا يسيء إليهما أيَّ إساءة، لأن الإحسان إليهما بر، والإساءة إليهما عقوق، والعقوق من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله ﷾؛ ففي الأمر بالإحسان إليهما نهيٌ عن الإساءة إليهما.
وقد جاء في الحديث: أن النبي ﷺ صعِد المنبر فقال: "آمين، آمين، آمين"،
[ ١ / ٣٢ ]
ثم قال لأصحابه: "إنَّ جبريل ﵇ عَرَض له فقال له: يا محمد مَن أدرك شهر رمضان فلم يُغفر له فمات فدخل النار، قل: آمين، قلت: آمين، قال: يا محمد من أدْرك أبويه أو أحدهما ولم يُدخلاه الجنة فمات فدخل النار، قل: آمين، فقلت: آمين، قال: يا محمد مَن ذُكرتَ عنده فلم يصلِّ عليك فمات فدخل النار، قل: آمين، فقلت: آمين"؛ الشاهد من هذا: أن من أدرك أبويه- أو أحدهما- فلم يَبَرَّهما فمات دخل النار بسبب العقوق دعا عليه جبريل بدخوله النار وأَمَّن على ذلك محمدٌ ﷺ.
هذا الإحسان إليهما في حال الحياة.
أما الإحسان إليهما بعد الموت فقد سُئل عنه النبي ﷺ، حيث سأله رجلٌ فقال: يا رسول الله ما بقي من بر والديِّ بعد موتهما؟، قال: "أن تصلِّيَ عليهما مع صلاتك" يعني: تدعو لهم إذا دعوت لنفسك، "وإنفاذ عهدهما"؛ يعني: الوصية التي أوصيا بها، و"صلة الرحم التي لا توصَل إلاَّ بهما، وإكرام صديقهما"، إذا كان لوالدك صديق أو لأمك صديقة فأكرم هذا الصديق، لأن إكرام صديق والدك أو صديقة والدتك إكرامٌ لوالديك؛ هذا ما يبقى من البر بعد وفاة الوالدين: الدعاء، وتنفيذ وصاياهما، وصلة الرحم المرتبطة بهما من الأعمام والعمات، والأخوال والخالات؟، وسائر القرابة، والأخوة والأخوات، وأبناء الأخوة وأبناء الأخوات إلى آخره؛ كلُّ من تربطك به قرابةٌ من جهة أبيك أو من جهة أمك فهو من ذوي الأرحام، وإذا وصلته فقد بَرَرْت بوالديك.
ثم قال- تعالى-: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ هذه الوصية الثالثة، وهي: تحريم قتل الأولاد من إملاق، يعني بسبب الفقر، كانوا في الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الفقر، يسيئون الظن بالله- تعالى- كأن الرزق من عندهم، ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ وهنا قال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ إذا كنتم أنتم لا ترزقون أنفسكم فكيف ترزقون غيركم.
ومن الناس اليوم من ورِث هذه الخصْلة الذميمة فصاروا يسعون لتحديد النسل
[ ١ / ٣٣ ]
خشية الفقر، يقولون: يحصُل في الأرض انفجار سُكّاني من كثرة النسل، والموارد قليلة فيحصل مجاعات؛ فيطلبون تحديد النسل؛ فالآن قضية المطالبة بتحديد النسل قائمة على قدم وساق، والدافع لهذا هو خشيتهم الفقر، وهذا لأنهم لا يؤمنون بالله ﷾، ولا يؤمنون أنّ الأرزاق من الله ﷾.
وانْخدع بهذه الدعاية بعض المسلمين، فصاروا يكرهون كثرة الأولاد، وبعضهم يحاول تنظيم النسل، وبعضهم يحاول تحديد النسل، وهناك كلام فارغٌ يردّد، وكلُّ هذا باطل.
وطلب الذرية، وكثرة الذرية، وكثرة الإنجاب أمرٌ مطلوبٌ في الإسلام، لأن هذا فيه تقوية للمسلمين، وتكثير لعدد المسلمين، وأما الرزق فهو على الله ﷾: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ .
قال- تعالى-: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ هذه الوصية الرابعة؛ الفواحش جمع فاحشة، والمراد بها: المعصية، سُمِّيت المعصية فاحشة لقبْحها وشناعتها، يعني: لا تقربوا المعاصي.
ولاحظوا قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا﴾ ما قال: ولا تفعلوا الفواحش، بل قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا﴾؛ ليشمل ذلك المنع من الوسائل التي تؤدِّي إلى المعاصي. حرّم المعاصي وحرّم الوسائل المؤدِّية إليها، فمثلًا: تبرُّج النساء من قُرْبان الفواحش، لأن تبرُّج النساء وسيلة إلى الزنا، فالزينة والسُّفور من التطرُّق إلى الزنا؛ ونهى الله عن قُربان الزنا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾، ما قال: ولا تفعلوا الزنا، قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا﴾ لأن النهي عن القُربان أبلغ من النهي عن نفس الفعل ليمنع الوسيلة إليه؛ وحرّم النظر إلى ما حرّم الله لأن النظر إلى ما حرّم الله- كالنظر إلى المرأة- وسيلة إلى الزنا، وحرّم السماع- سماع الكلام الماجن، والأغاني، والمزامير- لأنها وسائل إلى المحرّمات.
فقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾ يعني: لا تتعاطوا الأسباب التي تؤدِّي إلى المعاصي، بل تجنّبوها من نظر وسماعٍ وسُفور وتبرُّج وغير ذلك من الوسائل والأسباب التي تؤدي إلى الفواحش.
[ ١ / ٣٤ ]
فإنا كانت الأسباب محرّمة فكيف بنفس الفواحش؟، تكون أشدَّ تحريمًا ﴿مَا ظَهَرَ﴾ يعني: ما رآه الناس في الأسواق وفي الدكاكين وفي المجمّعات. ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ المعاصي الخفية في البيوت، وفي المحلاَّت المستورة؛ فالمؤمن يتقي الله ﷿ ظاهرًا وباطنًا، يتقي الله في الشارع ويتقي الله في البيت، يتقي أينما كان، يتقي الله في النهار ويتقيه في الليل، يتقيه في الضياء ويتقيه في الظلمة، لأنه دائمًا معه- سبحانه-، لا يخفى عليه.
فليس المقصود أن الإنسان يتجنب المعاصي الظاهرة فقط، وأما إذا خلا فإنه مسموحٌ له، لا، الحرام حرام على أي حال، والرب هو الرب- سبحانه- مطّلع في سائر الأحوال ظاهرًا وباطنًا لا يخفى عليه شيء ﷾، مهما حاولتم التستُّر فإنكم لا تخفون على الله ﷾: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾، بل إنه قال: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾، إذا كان كذلك فيجب عليك أن تتقي الله ﷾ على كل حال، يقول النبي ﷺ: "اتق الله حيثما كنت"، يقول- تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ يعني: في حال غيبتهم عن الناس، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ .
ثم قال- تعالى-: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ النفس التي حرم الله هي: النفس المؤمنة، وكذلك النفس المعاهَدة، ولو كانت كافرة؛ فالله حرّم قتل المؤمنين، وكذلك حرّم قتل المعاهدين من الكفّار الذين لهم عهدٌ عند المسلمين بالذمة أو بالأمان: فالذمة وهم الذين يدفعون الجزية، أو بالأمان وهم الذين دخلوا بلادنا بالأمان، لا يجوز قتلهم والتعدِّي عليهم، لأنهم في ذمّة المسلمين، وفي أمان المسلمين، لا يجوز خيانة ذمة المسلمين، ولهذا جاء في الحديث: "من قتل معاهَدًا لَمْ يَرَحْ رائحة الجنة".
﴿إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ أي: إلاَّ بإحدى هذه الثلاث: قصاص أو زنا أر ردة؛ هذا قتل بالحق شرعه الله ﷾، ما عدا ذلك فلا يجوز قتل المسلم، قال- تعالى-: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ وقتل النفس من أعظم الكبائر بعد الشرك بالله ﷾.
[ ١ / ٣٥ ]
﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ هنا تعليلية، أي: لأجل أن تعقلوا؛ والعقل معناه: الكَفُّ عمّا لا يجوز؛ سُمي العقل عقلًا لأنه يكفُّ الإنسان عن الأشياء التي لا تليق، كما أن العقال للبعير يمنعه عن الضياع كذلك العقل، وهو خلقٌ جعله الله في الإنسان يمنع من تعاطي ما لا يجوز.
ثم قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ من الكبائر المحرّمات: أكل أموال اليتامى بغير حق.
واليتيم هو: الصغير الذي مات أبوه؛ هذا هو اليتيم؛ أما إذا بلغ فإنه يخرُج عن حدِّ اليُتْم، وكذلك لو ماتتْ أمه، وأبوه حيٌّ لا يسمى يتيمًا، لأن أباه يقوم عليه ويُنفق عليه ويربيه، ويتعاهده، ويحميه؛ فاليتم هو: فُقدان الآباء في وقت الصغر.
فاليتيم بحاجة إلى من يعينه، وإلى من يحميه، وإلى من يربيه، وإلى من يدافع عنه؛ فهو ضعيف؛ ومن ذلك: المحافظة على ماله، فلا ينتهز فرصة صغره ويُتْمه فيعتدى على ماله، لأنه لا يدافع، ولهذا يقول: ﷾: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ إلى قوله- تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١)﴾ .
فقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ ما قال: لا تأكلوا مال اليتيم، بل قال: ﴿لا تَقْرَبُوا﴾ يعني: لا تعملوا الوسائل التي تُفضي إلى تَلَف مال اليتيم؛ فكيف بإتْلاف مال اليتيم؟، هذا من باب أولى.
﴿إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلاَّ بشيء فيه مصلحة لليتيم: كأن تتاجر فيه؛ من أجل أن يربح وينمو.
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ هذا من الوصايا الربّانية؛ للإنسان الذي يبيع على الناس السِّلع بالوزن أو بالكيل، أو بالأكياس، أو بالصناديق يجب عليه أن لا يبخسها، بل يوفيها بالمكيال والميزان.
المكيال للحبوب- مثلًا- والأشياء التي تُكال؛ والميزان للأشياء المائعة التي توزن؛ فالمعيار الشرعي هو المكيال أو الميزان.
[ ١ / ٣٦ ]
وقد يكون المكيال- أيضًا- بالكيس، كأن يباع بالكيس، أو بالصندوق-مثلًا-، أو بالعلبة، هذا كله يدخل في الكيل والميزان؛ فلا يجوز للإنسان أنه ينقص هذه الأشياء ويبيعها على أنها وافية وقد بخسها وأخذ منها، كما يفعل بعض الخونة الذين يبيعون على الناس الأشياء على أنها تامة وهي مبخوسة، أو يبيع الأشياء والخضار على الناس على أنه سليم، ويجعل عُلُوّ الشيء الطيب، ولكن أسفله معيب أو تالف؛ هذا من البخس أيضًا ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾، وأهلك الله أمة من الأمم بسبب البخس- وهو قوم شعيب-، والنبي ﷺ لمّا مرّ بالسوق ووجد بائع طعام فأدخل النبي ﷺ أصابعه في الطعام فوجد في أسفله بَلَلًا فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟ "، قال: أصابته السماء يا رسول الله- يعني: أصابه المطر-، قال: "ألا جعلته ظاهرًا حتى يراه الناس؛ من غشّنا فليس منّا". فلا يجوز للإنسان أن يخفي الأشياء المعيبة في أسفل الشيء؛ في أسفل الصندوق، في أسفل الإناء، في أسفل السطل، يعني: يجعل الأشياء النَّضِرة في أعلاه، ويقول للناس كله من هذا النوع. هذا حرام. ويجعل أحسنه أعلاه وأسوأه أسفله هذا لا يجوز، هذا من بخس الناس أشياءهم، ومن النقص في الكيل والميزان: ﴿) وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾، يعني: يحسبون أن المسألة انتهت لو أفلت من الخلق، ومن رقابة (البلدية)، ومن رقابة السلطان؛ ء فإنه لا يفلت من رقابة الله ﷾: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ .
لم فقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ يعني: بالعدل؛ فالقسط معناه: العدل، بأن تزِنْ بالميزان العادل، وتكيل بالمكيال العادل الذي لا يظلم البائع ولا يظلم المشتري.
﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ يعني: لو حصل أن الإنسان اجتهد في أن يوفي الحق وأن يوفي الكيل، ولكن حصل نقص يسير لم يتعمّده، فهذا لا يؤاخذه الله عليه ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ أنت أعدل بقدر ما تستطيع فإذا حصل شيءٌ لا تستطيعه ولا تعلم عنه فإنك لا تؤاخذ لأن الله لا يكلِّف نفسًا إلاَّ وسعها، إنما الكلام في
[ ١ / ٣٧ ]
الإنسان الذي يتعمّد الخديعة، ويتعمّد البخس، ويتعمّد النقص، لأن العدل تمامًا لا أحد يستطيعه إلاَّ الله ﷾، الإنسان يعجز، ولكن الله ﷿ يعفو عمّا لا يستطيعه الإنسان ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ .
﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ لمّا أمر بالوفاء بالكيل والوزن أمر بالوفاء بالكلام أيضًا؛ إذا تكلّمت في شخص فعليك بالعدل لا تمدحه بشيء ما هو فيه. ولا تذمُّه بشيء ما هو فيه، بل الزم العدل، قل ما تعلم فيه من الصفات، لا تمدحه مدحًا لا يستحقَّه، ولا تذمُّه ذمًّا لا يستحقُّه؛ وإذا كنت لا تعرفه فقل: لا أدري، لا أعرفه، لا تدخل نفسك في شيء لا تعرفه.
كذلك من ناحية الشهادة: إذا أردت أن تشهد على أحد فلا تشهد إلاَّ بالحق؛ لا تحابي مع أحد وتشهد له لأنه قريبك، أو لأنه صديق لك، تشهد له بالباطل؛ أو تكتم الشهادة عن أحد لأنه عدوٌّ لك، قل الحق ولو على نفسك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾، وقال- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا﴾ ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ﴾ يعني: لا يحملكم بغض قوم على أن لا تعدلوا فيهم، وأن تتكلموا فيهم بغير حق، حتى ولو كانوا كفّارًا، ولو كانوا أعداءًا قولوا فيهم الحق.
فالعدل مطلوب، قامتْ به السموات والأرض. العدل مطلوب مع العدو، ومع الصديق، ومع القريب، ومع البعيد، ومع كلِّ أحد؛ لا يجوز للإنسان أن يتبع الهوى وشهوات النفس ويتكلّم على حسب رغبته، أو يكتم الشهادة على حسب رغبته.
﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ قلتم بالتزكية، قلتم في الشهادة، قلتم في التجريح- تجريح الرواة أو تعديلهم-، ﴿فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ يعني: ولو كان المتكلّم فيه قريبٌ لك، لا يحملك قرابته والشفقة عليه أن تحيد في حقه، بل قل فيه الحق، واشهد عليه بالحق؛ واشهد بالحق ولو كان لعدوك وخصمك، هذا هو العدل الصحيح.
[ ١ / ٣٨ ]
﴿وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا﴾ وهذا من الوصايا العظمية: الوفاء بعهد الله ﷿؛ والوفاء بعهد الله المراد به: الوفاء بالمواثيق التي تكون بين العبد وبين ربه، والتي تكون بين الناس بعضهم مع بعض؛ العهد الذي بينك وبين الله أن تعبده ولا تشرك به شيئًا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ هذا عهدٌ بينك وبين الله تعاهده أن لا تعبد إلاَّ إياه، ولا تستعين إلاَّ به؛ فالعهد الذي بين العبد وبين ربه هو: أن يقوم بعبادة الله ﷾.
والعهد الذي بينك وبين الناس: إذا عاهدت سلطانًا، أو أميرًا، أو عاهدت أحدًا من الناس فلا تغدر العهد الذي بينك وبين الله، ولا بالعهد الذي بينك وبين الناس؛ إذا عاهدت وجب عليك الوفاء بالعهد قال الله ﷾: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، قال النبي ﷺ: "آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذَب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر"، فالغدر بالعهود من صفات المنافقين.
بل إذا كان بيننا وبين الكفار عهد فلا يجوز لنا أن نغدر به، بل يجب الوفاء مع الكفار المعاهَدين.
وإذا أراد ولي الأمر أن ينهي المعاهدة مع الكفار فلا يلغيها فجأة، بل يعطيهم؛ مُهلة: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ .
ومبايعة السلطان عهد يجب على الرعية أن يفوا به، وأن لا يغدروا به، وأن لا يعصوا ولّي الأمر، إلاَّ إذا أَمر بمعصية فإنه لا يُطاع في المعصية، لكن يُطاع في الأمور الأخرى التي ليستْ بمعصية، هذا من العهد الذي بينك وبين وليّ الأمر.
كذلك العهد الذي بينك وبين الناس؛ العهد الذي بين دولتك ودولة أخرى، كلّ هذا من العهد الذي أمر الله بالوفاء به، ولا يُستهان به أبدًا؛ فالعهود أمرها عظيم، ولذلك أضافها الله إليه قال- تعالى-: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ قال - تعالى-: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ وهنا يقول: ﴿وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا﴾ أضاف العهد إليه ليدل على عظمته.
﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿لَعَلَّ﴾ هنا للتعليل أيضًا، أي: لأجل أن تتذكّروا ما عليكم من الحقوق والواجبات فتقوموا بها خير قيام.
[ ١ / ٣٩ ]
ثم ختم هذه الوصايا بالوصية العاشرة العظيمة فقال- جل وعلا-: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾: الصراط في اللغة معناه: الطريق؛ والمراد بالصراط هنا: كتاب الله ﷾ وسنة رسوله ﷺ، لأنهما طريقٌ إلى الجنة، أي: ما أوحيته إليكم بواسطة رسولي من الأوامر والنواهي في هذا القرآن العظيم وفي السنة النبوية هذا هو الصراط. فالذي يسأل عن الطريق إلى الله، نقول هو كتاب الله، وكذلك سنة النبي ﷺ لأنها، تابعة للقرآن، ومفسِّرة للقرآن؛ فالسنة داخلة في كتاب الله ﷿.
﴿مُسْتَقِيمًا﴾ نُصب على الحال؛ والمستقيم هو: المعتدل، فطريق الله ﷿ معتدل، ليس فيه ميلان، وليس فيه منعطفَات، وليس فيه غموض، طريق واضح يوصلك إلى الجنة، تمشي فيه على نور، وعلى برهان، وعلى طريق واضح.
وأضاف ﴿الصِّرَاطَ﴾ إليه ﷾ إضافة تشريف وتكريم؛ ثم وصفه بأنه مستقيم، يعني: معتدلٌ بخلاف الطرق الأخرى فإنها معوجَّة ومتعرِّجة، تضلِّل صاحبها؛ لأن هناك طرقًا كثيرة للشياطين؛ شياطين الإنس والجن، ومذاهب، وهناك جماعات متعدّدة، هناك.. وهناك..، لكن طريق الله واحدة، ما فيها تعدُّد، ولا فيها انقسام، ولهذا وحّد صراطه وعدّد السبل قال: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ لأن الطرق والسبل التي غير القرآن وغير الشريعة طرقٌ كثيرة ليس لها حصر، كل صاحب مذهب له طريقة، وكل صاحب نِحْلة له طريق، وكل جماعة من الضُّلاَّل لهم طريق، وكل، مَن اخْتلف عن الحق صار له طريق غير طريق الآخر؛ وهذه علامة أهل الضَّلاَّل أنهم لا يجتمعون على شيء، ولا يتوافقون أبدًا، بخلاف أهل الحق فإنهم يتوافقون، لماذا؟ لأنهم يسيرون على طريق الله ﷾.
فميزه أهل الحق أنهم لا يختلفون، وإن حصل اختلاف فإنه يُحْسَم بالرجوع إلى كتاب الله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾؛ فالصحابة ﵃ قد يقع بينهم اختلافات لكن سرعان ما تذهب، لماذا؟، لأنهم يرجعون إلى كتاب الله؛ فقد اختلفوا بعد موت الرسول ﷺ من الخليفة بعده؟، ثم سَرْعان ما انْحَسَم النزاع وعاهدوا أبا بكر الصدِّيق- رضي الله تعالى عنه- لما
[ ١ / ٤٠ ]
رجعوا إلى السنة، واختلفوا في حروب الردة، وسرعان ما اتّفقوا على قتال المرتدِّين، لأنهم رجعوا إلى كتاب الله وسنة رسوله.
فأهل الحق حتى لو حصل بينهم خلاف ناتج عن اجتهاد، فإنهم يرجعون إلى كتاب الله، بخلاف أهل الضلال فإن كل واحد يركب رأسه، ولا يُصْغي للآخر، كل واحد يريد أن يكون هو الشيخ والمعظَّم، لأنه يريد تعظيم نفسه، ولا يريد الحق؛ فلذلك تجدون أهل الضلال دائمًا في اختلاف، ودائمًا في صراع، وتجدون أهل الضلال تتشعّب مناهجهم، وتتنوّع، وكل حين يخرج مذهب جديد، هذه صفة أهل الضلال- والعياذ بالله- وهذا مذكور في هذه الآية: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وضّح النبي ﷺ هذه الآية بتوضيحٍ محسوسٌ: ذلكم أنه خط ﷺ على الأرض خطًّا معتدلًا، ثم خطّ على جَنَبَتَيْه خطوطًا، فقال ﷺ للخط المعتدِل: "هذا صراط الله"، وقال لهذه الطرق: "وهذه سُبُل، على كل سبيل منها شيطان يدعو الناس إليه"، هذا مثال واضح من الرسول ﷺ لبيان الآية الكريمة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ .
وفي سنة رسول الله ﷺ: يقول: "ومن يَعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي؛ تمسّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ؛ وإياكم ومحدَثات الأمور، فإن كلّ محدَثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة"، وقال ﷺ: "وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلاَّ واحدة"، فقالوا: من هي يا رسول الله؟، قال: "مَنْ كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي" هذا صراط الله ﷿ في الآيات وفي الأحاديث.
ولا نستغرب إذ حصل اختلافات، ونشأتْ مذاهب ضالّة، وحصل صراعات بين الناس، لا نستغرب هذا، لأن هذه سنة الله ﷾ لابتلاء العباد وامتحانهم، ومن هو الذي يثبت على الطريق ومن هو الذي لا يثبت؟
والنبي ﷺ عندما حضرته الوفاة أراد أن يكتُب كتابًا لأصحابه، يَعْهَد إليهم فيه، ولكنه عدل عن ذلك، وتُوفي رسول الله ﷺ ولم يوص ولم يَعْهَد إليهم، فتأسّف بعضهم، فابن مسعود يقول: لستم بحاجة إلى كتاب يكتبه الرسول ﷺ لأن عندكم القرآن.
[ ١ / ٤١ ]
عن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت رديف النبي ﷺ على حمار، فقال لي: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ "، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا"، قلت: أفلا أبشّر الناس؟، قال: "لا تبشرهم فَيَتَّكِلُوا" أخرجاه في الصحيحين.
_________________
(١) فقول ابن مسعود ﵁: "من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليها خاتمه" يعني: التي تعوِّض عن هذه الكتابة التي هَمّ بها رسول الله ﷺ. "فليقرأ هذه الآيات" لأن الرسول ﷺ لا يوصي إلاَّ بكتاب الله، وأيضًا الرسول ﷺ يقول: "إني تاركٌ فيكم ما إنْ تمسَّكْتم به لن تضلوا من بعدي: كتاب الله وسنتي". فالحمد لله، عندنا ما أوصى به الرسول ﷺ، لأنه أوصانا باتّباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. ثم ساق الشيخ ﵀ حديث معاذ والكلام عليه أن نقول: في هذا الحديث العظيم: فضيلة لمعاذ ﵁، وفضائله كثيرة، وهو معاذ بن جبل الخَزْرَجي الأنصاري، أحد أَوْعِيَة العلم، وأعلم هذه الأمة بالحلال والحرام، وقد استخلفه النبي ﷺ على مكة لما فتحها قاضيًا ومعلِّمًا، ثم أرسله- أيضًا- في السنة التاسعة أو العاشرة إلى اليمن قاضيًا ومعلِّمًا- كما سيأتي-، ثم جاء من اليمن بعد وفاة النبي ﷺ فأرسله عمر إلى الشام قاضيًا ومعلِّمًا، وتوفي هناك- رضي الله تعالى عنه- في الشام في طاعون عُمْوَاس المشهور. قوله: "قال: كنت رديف النبي ﷺ"، يعني: راكبًا معه. "على حمار" هذا فيه: تواضع النبي ﷺ وأنه يركب الحمار، مع أنه أشرف الخلق على الإطلاق، وتواضعه- أيضًاﷺ في إرداف صاحبه معه، وفيه: جواز الإرداف على الدّابّة إذا كانت تُطيق ذلك، ولا يشق عليها. "فقال لي: يا معاذ" أراد النبي ﷺ أن يعلمه هذا الحكم العظيم، ولكنه ﷺ
[ ١ / ٤٢ ]
أراد أن يُلْقِيَه إليه بطريقة السؤال والجواب، ليكون ذلك أَدْعى إلى الانتباه والاهتمام، فإن التعليم عن طريق السؤال والجواب من أعظم الطرق الناجحة في تعليم العلم، لأنك لما تسأل الطالب عن شيء يجهله ثم يتطلع إلى الجواب، أحسن من أن تلقي إليه المسألة ابتداءً، وهو على غير انتباه واستعداد لاستقبالها، وهذه طريقة من طرق التعليم، وهي طريقة نبويّة، استعملها النبي ﷺ في كثير من الأحوال.
"أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله" هذه مسألة عظيمة.
قال معاذ: "قلت: الله ورسوله أعلم" هذا فيه: تأدب طالب العلم في أنه إذا سُئل عن شيء وهو لا يعرفه، أن يقول: الله ورسوله أعلم، ولا يدخل ويَتَخَرَّص في شيء لا يعرفه، بل يَكِلُ العلم إلى عالِمه، هذه- أيضًا- من طرق التعلُّم الناجحة، هي: أن الإنسان إذا سُئل عن علم لا يعلمه أو عن مسألة وهو لا يعرفها، لا يحمله الأنفة بأن لا يقول: لا أدري، بل يقول: لا أدري، أو يقول: الله أعلم، ولا غَضَاضة عليه في ذلك، بل هذا يدل على فضله وورعه وأدبه مع الله ﷾، وأدبه مع المعلم.
وقد سُئل الإمام مالك عن أربعين مسألة، فأجاب عن أربع مسائل منها، وقال عن البقيّة: لا أدري، فقال السائل: جئتك من بلاد كذا وكذا أسألك عن مسائل، وتقول لا أدري؟ فقال له: اركب راحلتك واذهب إلى البلد الذي جئت منه، وقل: سألت مالكًا وقال: لا أدري. هكذا أدب العلماء.
وهذا معاذ ﵁ يقول للنبي ﷺ: "الله ورسوله أعلم"، ففي هذا: رَدُّ العلم إلى عالمه، وعدم تدخُّل الإنسان في شيء وهو لا يدري عن حكمه، والله- تعالى- يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، ويقول ﷾ لما ذكر المحرّمات في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، ختمها بقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ وقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾، والآيات والأحاديث في هذا كثيرة، فمن يريد النجاة لنفسه، ويريد السلامة، وأيضًا يريد السلامة للناس؛ فإنه لا يتدخل في شيء لا يعرفه،
[ ١ / ٤٣ ]
لأنه يُوَرَّطُ نفسه، ويُوَرِّطُ الآخرين معه، لأنه إذا أجاب بخطأ ضلّل الناس ﴿لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، فهذه مسألة عظيمة، يجب علينا أن نتعقّلها، وأن الإنسان لا يتسرّع في الإجابة عن شيء، إلاَّ إذا كان يعلمه تمامًا، وإلاَّ فليقف على شاطئ السلامة، ولا يدخل في لِجَّة البحر وهو لا يُحسن السباحة.
"قلت: الله ورسوله أعلم" هذا يُقال في حياة النبي ﷺ: الله ورسوله أعلم، أما بعد وفاة النبي ﷺ فإنه يقال: الله أعلم، لأن النبي ﷺ قد انتقل من هذه الدار إلى الرّفيق الأعلى إلى الدار الآخرة، فيُوكل العلم إلى الله ﷾ لأن الله ﷾ أعطى رسوله علمًا عظيمًا ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾، فالرسول ﷺ عنده علم عظيم من الله، ويجيب في حياته، ولكن بعد وفاته قد بلّغ البلاغ المُبين ﷺ وأنهى مهمّته ورسالته، وانتقل إلى ربه ﷿، فلا يجيب في مسألة.،
فلما تهيّأ معاذ للجواب وتنبّه وتطلع؛ ألقى عليه النبي ﷺ الجواب، فقال: "حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا" هذا هو حق الله ﷾ على عباده، من أولهم إلى آخرهم، كما في الآية التي في مطلع الباب: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، هذا هو حق الله على العباد، وهو أول الحقوق، وآكد الحقوق، لأن الإنسان منّا عليه حقوق، أعظمها: حق الله، ثم حق الوالدين، ثم حق الأقارب، ثم حق اليتامى والمساكين والجيران والمماليك، كما في قوله- تعالى-: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فهذه عشرة حقوق، ذكرها الله- سبحانه- في هذه الآية، أولها: حق الله ﷾ وكما في الآيات في سورة الإسراء التي ذكر الله فيها خمسة عشر حقًّا، أولها: حق الله في قوله- تعالى-: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ﴾، ثم جاء بحق الوالدين ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا﴾، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، ختم الآيات بما بدأها به وهو حق الله على عباده أن يعبدوه، ولا يكفي هذا، أن يعبدوه، بل ولا يشركوا به شيئًا، لأن العبادة لا تكون عبادة إلاَّ إذا خَلَصَتْ من الشرك، أما إذا خالطها شرك فإنها
[ ١ / ٤٤ ]
لا تكون عبادة لله، كما قال- تعالى-: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، لأن الشرك يُبطل العبادة، ويُبطل سائر الأعمال، ولا يصحُّ معه عمل، مهما كلّف الإنسان نفسه بالعبادات، إذا كان عنده شيء من الشرك الأكبر فإن عبادته تكون هباءً منثورًا: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾، قال- تعالى -: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾، وقال- تعالى- لما ذكر الأنبياء في سورة الأنعام: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ إلى آخر الأنبياء الذين ذكرهم الله، قال- جلَّ وعلا-: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فالشرك يُحبط الأعمال، ولهذا كثيرًا ما يأتي الأمر بالعبادة مقرونًا بالنهي عن الشرك: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ "أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئًا"، وهذا هو معنى لا إله إلاَّ الله، لأن لا إله إلاَّ الله تشتمل على النفي وعلى الإثبات، النفي: نفى الشرك، والإثبات: إثبات التّوحيد.
"أن يعبدوه" والعبادة- أيضًا- كما أنها لا تكون عبادة إلاَّ مع التّوحيد، كذلك لا تكون عبادة إلاَّ إذا كانت موافقة لما شرعه النبي ﷺ، فالعبادة وسائر الأعمال لا تصح إلاَّ بشرطين:
الشرط الأول: الإخلاص لله ﷿.
الشرط الثاني: المتابعة للرسول ﷺ.
فلو أن الإنسان جاء بعبادات مُحْدَثة ليس فيها شرك أبدًا كلها خالصة لله، ولكنها ليست من شريعة النبي ﷺ، فهي بدع مردودة لا تُقبل، قال ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدْ" وفي رواية: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رَدْ"، فالعبادة لا تكون عبادة إلاَّ بشرطين: الإخلاص لله ﷿، والمتابعة للرسول ﷺ، وهذا هو معنى الشهادتين: شهادة أن لا إله إلاَّ الله، فمعناها: الإخلاص لله ﷿، وشهادة أن محمدًا رسول الله ومعناها: المتابعة للرسول ﷺ، فالعبادات لا يصلح أن يكون فيها شيء من الاستحسانات البشريّة، أو استدراكات العقول، أو غير ذلك، مهما حسُنت نية الفاعل ما دام أنه بدعة: فلو أن إنسانًا- مثلًا- قال: الصلوات خمس،
[ ١ / ٤٥ ]
أنا أريد زيادة خير، أصَلِّي فريضة سادسة، زيادة خير، نقول: لا، هذا باطل، لأن هذا شيء لم يَشْرعه الله ولا رسوله، وإن كان قصدك حسنًا، فهو عمل مردود وباطل، ولهذا لما جاء ثلاثة نفر من الصحابة إلى بيت النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ من أجل أن يقتدوا به، فذكر أزواج النبي ﷺ لهؤلاء الرَّهْط عبادة النبي ﷺ فكأنهم تقالُّوها، ولكن اعتذروا بأن الرسول ﷺ مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر، وقالوا: أين نحن من رسول الله ﷺ فقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أنا أصلي ولا أنام، وقال الآخر: أنا لا أتزوج النساء- يعني: يريد التَّبَتُّل -، وقال الثالث: أنا أصوم ولا أُفطر،- وفي رواية: ولا آكل اللحم-، فلما بلغ ذلك رسول الله غضب غضبًا شديدًا، وقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأعلمكم بالله وأتقاكم له وأخشاكم له، وإني أصلي وأنام، وأصوم وأُفطر، وأتزوج النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني"، وهكذا، فالعبادة لابد أن تكون مطابقة لما جاء به النبي ﷺ ليس فيها بدع، ولا خرافات، ولا محدثات، ولا استحسانات للعقول، أو اقتداء بفلان أو علاَّن، ما دام أن هذا المُقتدى به ليس متبعًا للرسول ﷺ فليس بقدوة، هذه هي العبادة، ولهذا يقول العلامة ابن القيّم ﵀ في "النونية":
حق الإله عبادة بالأمر لا بهوى النفوس فذاك للشيطان
حق الإله عبادة بالأمر، يعني: بالشرع، فالأمر المراد به: الشرع؛ فلا تحدث شيئًا من عندك.
لا بهوى النفوس فذاك للشيطان، فالذي يعبد الله باستحسان عقله، وشهوة نفسه بشيء لم يَشرعه الرسول ﷺ ليس عابدًا لله، وإنما هو عابد للشيطان، لأنه هو الذي أمره بذلك، فالشيطان يأمر بالبدع والخرافات.
وقال في موضع آخر:
وعبادة الرحمن غاية حُبّه مع ذُلِّ عابده هما قُطْبان
وعليهما فَلَك العبادة دائر ما دار حتى قامت القُطْبان
ومداره بالأمر أمر رسوله لا بالهوى والنفس والشيطان
[ ١ / ٤٦ ]
هكذا تكون العبادة، لابد أن تكون العبادة خالصة لوجه الله ﷿، ليس فيها شرك، وأن تكون- أيضًا- على وفق ما جاء به رسول الله ﷺ تمامًا ليس فيها بدعة.
"وحق العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا"، هذا الحق للعباد على الله ليس بحق واجب على الله، وإنما هو تفضُّل منه ﷾، لأن الله لا يجب عليه حق لأحد، ولا أحد يوجب على الله شيئًا، كما هو مذهب المعتزلة، فهم الذين يرون أن الله يجب عليه أن يعمل كذا، يوجبون على الله بعقولهم، أما أهل السنة والجماعة فيقولون: الله ﷾ ليس عليه حق واجب لخلقه، وإنما هو شيء تفضَّل به- سبحانه- وتكرَّم به، كما قال- تعالى-: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، هذا حق تفضل به، ونظم ذلك الشاعر بقوله:
ما للعباد عليه حق وجب كلا ولا سعي لديه ضائع
إن عُذِّبوا فبعد له أو نُعِّموا فبفضله وهو الكريم الواسع
فمعنى "حق العباد على الله" يعني: الحق الذي تفضل الله- تعالى- به، وأوجبه على نفسه، من دون أن يوجبه عليه أحد من خلقه، بل هو الذي أوجبه على نفسه، تكرّمًا منه بموجب وعده الكريم الذي لا يُخلفه- سبحانه- ﴿وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ﴾ .
"أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا" فدلّ هذا على أن من سَلِم من الشرك الأكبر والأصغر فإنه يسلم من العذاب، وهذا إذا جَمعته مع النصوص الأخرى التي جاءت بالوعيد على العُصاة والفسقة، فإنك تقول: العُصاة من الموحّدين الذين لم يشركوا بالله شيئًا، ولكن عندهم ذنوب دون الشرك من سرقة، أو زنا، أو شرب خمر، أو غيبة، أو نميمة أو، إلى آخره، فهذه ذنوب يستحق أصحابها العذاب، ولكن هي تحت مشيئة الله إن شاء الله غفر لهم من دون عذاب وأدخلهم الجنة، وإن شاء عذبهم بقدر ذنوبهم، ثم يخرجهم بتوحيدهم، ويدخلهم الجنة، فالموحّدون مآلهم إلى الجنة، إما ابتداءً وإما انتهاءً، وقد جاء في الأحاديث أنه يُخرج من النار من في قلبه أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان، ويُخرج من النار أُناس كالفحم، قد
[ ١ / ٤٧ ]
امتحشوا، ثم يُنبت الله أجسامهم بأن يُلقوا في نهر على باب الجنة، يُقال له نهر الحياة، فتنبت أجسامهم، ثم يدخلون الجنة، ويُخَلَّدون فيها، فأهل التّوحيد مآلهم إلى الجنة، حتى ولو عذبوا في النار فإنهم لا يخلدون فيها وذلك بسبب التّوحيد، أما الكفار والمشركون والمنافقون النفاق الأكبر، فهؤلاء مآهلم النار خالدين مخلَّدين فيها، لا يدخلون الجنة أبدًا ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ .
فقوله ﷺ: "أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا" هذا وعد من الله ﷾؛ إن شاء غفر هذه الذنوب، وإن شاء عذب أصحابها، ثم يدخلهم الجنة بعد ذلك، وقد يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، وقد يخرجهم برحمته ﷾، فحتى ولو عذَّبوا مآلهم إلى الجنة ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فالتّوحيد يَعصم من الخلود في النار، وإذا كان التّوحيد كاملًا فإنه يَعصم من دخول النار أصلًا، وإذا كان ناقصًا فإنه يَعصم من الخلود فيها، ولا يعصم من الدخول فيها، وإنما يَعصم من الخلود فيها، كما قال- تعالى- لما ذكر مناظرة إبراهيم الخليل ﵇ مع عَبَدَة الأصنام قال: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾، المؤمنون أو المشركون، ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال الله- تعالى-: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، هؤلاء هم أهل التّوحيد، ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ يعني: بشرك، ولهذا لما نزلت هذه الآية شقَّتْ على الصحابة وقالوا: أيُّنا لم يظلم نفسه؟، فقال ﷺ: "ليس الذي تَعْنُون، إنه الشرك، ألم تسمعوا قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، فالمراد بالظلم هنا: الشرك، فالذين سلِموا من الشرك لهم الأمن، إما الأمن المطلق، وإما مطلق الأمن، والأمن المطلق هو الذي ليس معه عذاب، وأما مطلق الأمن فهذا الذي قد يكون معه شيء من العذاب على حسب الذنوب، فالحاصل: أن أهل التّوحيد لهم الأمن بلا شك، ولكن قد يكون أمنًا مطلقًا، وقد يكون مطلق أمنٍ، هذا هو الجواب الصحيح عن هذه المسألة.
بخلاف مذهب الخوارج والمعتزلة، فعندهم أن أصحاب الكبائر مخلّدون في
[ ١ / ٤٨ ]
النار- والعياذ بالله، من هذا المذهب الباطل، فعندهم أن متى دخل النار لا يخرج منها بزعمهم، ويغالطون النصوص الصحيحة من الكتاب والسنة التي تدل على أن أهل التّوحيد ولو كان عندهم ذنوب ومعاص فإنهم لا يخلدون في النار، قال الله ﷾: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ يعني: هذه الأمة، والمراد بالكتاب: القرآن، ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾، انظروا كيف ذكر الظالم لنفسه مع المقتصد ومع السابق بالخيرات، ووعدهم جميعًا بالجنة: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾، ذكر منهم الظالم لنفسه- بل بدأ به-؛ مما يدل على أن أهل التّوحيد يرجى لهم الخير، ويرجى لهم دخول الجنة، ولو كان عندهم ذنوب كبائر دون الشرك.
وسيأتي في الأحاديث: "من مات وهو يشرك بالله شيئًا دخل النار،. ومن مات وهو لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة"، "إن الله حرم على النار من قال لا إله إلاَّ الله يبتغي بذلك وجه الله"، إلى كير ذلك من الأحاديث التي فيها أن التّوحيد يعصم من دخول النار، أو يعصم من الخلود فيها، وسيأتي باب مستقل في هذا الكتاب المبارك اسمه "باب فضل التّوحيد وما يكفِّر من الذنوب".
ولما قال النبي ﷺ: "حق العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا" فمعاذ -﵁- استبشر بهذا الحديث الشريف، وفرح به غاية الفرح، وقال: يا رسول الله ألا أبشر الناس؟، قال النبي ﷺ: "لا تبشرهم فيَتَّكِلُوا"، يعني: أن النبي ﷺ خشي إذا سمعه الناس فإنهم يتّكِلون على جانب الرجاء ويتساهلون في المعاصي، ويقولون: ما دمنا موحّدين فالمعاصي لا تضرنا، لأن الرسول يقول: "أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا"، ونحن والحمد لله لسنا مشركين، ونحن لا نعبد إلاَّ الله، فيتساهلون في المعاصي، فيغلِّبون جانب الرجاء على جانب الخوف، فهذا من
[ ١ / ٤٩ ]
الحكمة؛ أن العلم لا يوضع إلاَّ في مواضعه، فإذا خيف من إلقاء المسائل على بعض الناس محذور أكبر، فإنهم تُكتم عنهم بعض المسائل من أجل الشفقة بهم، ورحمتهم من الوقوع في المحذور، فإن النبي ﷺ أمر بكتمان هذا النوع من العلم عن عامة الناس، وأخبر به معاذًا، لأن معاذًا من الجهابذة، ومن خواص العلماء، فدلَّ على أنه يجوز كتمان العلم للمصلحة، إذا كان يترتب على إيضاح بعض المسائل للناس محذور: بأن يفهموا خطأً، أو يَتَّكِلوا على ما سمعوا، فإنهم لا يُخبَرون بذلك، وإنما تلقى هذه المسائل على خواص العلماء الذين لا يُخشى منهم الوقوع في المحذور، فأخذ العلماء من هذا الحديث جواز كتمان العلم للمصلحة، وإنما أخبر معاذ ﵁ بهذا الحديث عند وفاته، خشية أن يموت وعنده شيء من الأحاديث لم يبلِّغه للناس، كما في حديث علي ﵁: "حدِثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله"، يعني: لا يُلقى على كل الناس بعض المسائل التي فيها أمور يَخفى عليهم معناها، أو تشوِّش عليهم، وإنما يُلقى على الناس ما يفهمونه، ويستفيدون منه، أما نوادر المسائل، وخواص المسائل، فهذه تلقى على طلبة العلم، والمتفقهين المتمكِّنين، وهذا من الحكمة ووضع الشيء في موضعه، لمّا تكون أمام عُصاة يشربون الخمور، ويزنون، ويسرقون، وتقول: الله غفور رحيم، الله قريب مجيب، الله ﷾ يغفر ويسمح، فيزيدون في الشرور، لكن حين تقول لهم: اتقوا الله، الله ﷾ توعّد الزناة بالعذاب وتوعّد على السرقة، وعلى المعاصي بالعذاب الشديد، فتذكر لهم نصوص الوعيد، من أجل التوبة، ولو أتيت عند متمسِّكين وطيبين فذكرت لهم آيات الوعيد، فهذا ربما يزيدهم وسواسًا، أو تشدّدًا، فأنت تذكر لهم آيات التيسير، وأحاديث التيسير، والتسهيل، والرحمة، الفرج، إلى غير ذلك، من أجل أن لا يزيدوا ويشتدوا ويغلوا، فكل مقام له مقال، وتوضع الأمور في مواضعها، هذا هو الميزان الصحيح، والناس ليسوا على حد سواء، كل يخاطب بما يستفيد منه ولا يتضرر به، فلا تأتي بآيات الوعد والرجاء عند المتساهلين، ولا تأتي بآيات الوعيد عند المتشددّين، بل تكون كالطبيب تضع الدواء في موضعه المناسب، هكذا يكون طالب العلم، إذا كانت هناك أمور غامضة،
[ ١ / ٥٠ ]
لا يعرفها العوام، ولا تتسع لها عقولهم، من المسائل العلمية، فلا تُلقى على العوام، وإنما تُلقى على طلبة العلم، وعلى الناس الذين يستوعبونها، ولهذا يقول ابن مسعود: "ما أنت بمحدث قومًا بحديث لا تبلغه عقولهم إلاَّ كان لبعضهم فتنة" وقال علي ﵁: "حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله".
فالحاصل؛ أن طالب العلم والواعظ والمعلم يجب عليه أن يراعي أحوال الحاضرين وأحوال الناس، ويعطيهم ما يحتاجون إليه من المسائل، ولا يُلقى عليهم المسائل الغريبة التي لم يتوصلوا إليها، فلو أتيت عند طلبة علم مبتدئين، فلا تلق عليهم غرائب المسائل التي لا يعرفها إلاَّ الراسخون في العلم، بل تعلمهم مبادئ مبسطة سهلة يتدرّجون بها شيئًا فشيئًا، لا تطلب من طالب مبتدئ أن يقرأ في "صحيح البخاري"، لأنه لم يصل إلى هذا الحد لكن لَقِّنه "الأربعين النووية"، والأحاديث القريبة، وشروط الصلاة، وأحكام الطهارة، إلى آخره، وإنسان مبتدئ بعلم العربية، لا تأمره بقراءة كتاب سيبويه؟، لكن تأمره بقراءة "الأجرُّوميَّة"، ومسائل مبسطة، يدخل بها على اللغة العربية والنحو، شيئًا فشيئًا، ولذلك ألف العلماء المختصرات والمتوسطات والمطوّلات، من أجل إن طالب العلم يمشي مراحل، شيئًا فشيئًا، الحاصل: أن كل شيء له شيء، وكل مقام له مقال.
وقوله ﵀: "أخرجاه في الصحيحين" أخرجه البخاري: محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه "الجامع الصحيح"، الذي هو أصح كتاب عند المسلمين بعد كتاب الله ﷿، وبالمنزلة الأولى من كتب السنة، ثم يليه "صحيح الإمام مسلم"﵀، فالصحيحان: "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" هما أعلى شيء في كتب السنّة، وأصح الأحاديث ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم ما رواه البخاري، ثم ما رواه مسلم، ثم بقية الأحاديث، لأن هناك صحاحًا غير الصحيحين: مثل: "صحيح ابن خزيمة"، وهذا يُثني عليه أهل العلم، و"صحيح الحاكم"، و"صحيح ابن حبّان"، وهذه يشترط أهلها الصحة، ولكن تصحيحهم دون تصحيح الإمامين البخاري ومسلم.
[ ١ / ٥١ ]
فهذا الباب اشتمل على فوائد عظيمة:
الفائدة الأولى: بيان تفسير التّوحيد، وأنه عبادة الله وحده لا شريك له، هذا هو التّوحيد، لأن كل الآيات التي في الباب تأمر بالعبادة وتنهى عن الشرك: " ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ "، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾، ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، فهذه الآيات تفسر التّوحيد بأنه العبادة.
الفائدة الثانية: أن الرسل بعثوا بالدعوة إلى توحيد العبادة، لا بالدعوة إلى توحيد الربوبية، فليس هناك آية واحدة قالت أقروا بالربوبية، أو أَقِرُّوا أن الله هو الخالق الرازق، لماذا؟، لأن هذا موجود في الناس. فهم مقرُّون بأن الله هو الخالق، الرازق، المحيي، المميت، المدبّر، فتوحيد الرُّبوبية موجود في غالب البشر، لأن الفِطَر تقتضيه، لأن العاقل من الناس يعلم أن هذا الخلق لابد له من خالق: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾، ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾، فالآيات ما جاء تطالب الناس بالإقرار بتوحيد الرّبوبية، لأن هذا موجود، والإقرار به لا يكفي في الدخول في الإسلام، وإنما جاءت كلها على نَسَق واحد تأمر بالعبادة، وإنما تذكر توحيد الربوبية للاستدلال به على توحيد الألوهية.
الفائدة الثالثة: في قوله: " ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ " هذه الآية فيها: أن الحكمة من خلق الجن والإنس هي عبادة الله ﷾، الآية الثانية: " ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ " فيها: أن الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم جاءوا بالأمر بعبادة الله، وترك عبادة ما سواه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، فدلّ على أن التّوحيد هو الذي بُعثت به الرسل، كما أنه هو الذي خلق الخلق من أجله.
الفائدة الرابعة: أن العبادة لا تنفع مع الشرك، فمن أشرك بالله شيئًا فإنه لم
[ ١ / ٥٢ ]
يُؤَذِّ حق الله ﷾، فالذي لا يَعبد الله مطلقًا كالملاحدة، وكذلك الذي يعبد الله مع الشرك، كلهم سواء، الملحد والمشرك، إنما الذي يعبد الله حقًا هو الذي يعبده ولا يشرك به شيئًا، هذا هو الذي يعبد الله حق عبادته وهو الذي تنفعه عبادته.
[ ١ / ٥٣ ]