*باب ما جاء في أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين
وقول الله ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ .
_________________
(١) قال الشيخ ﵀: "باب ما جاء" يعني: ما ورد من الأدلة من أن "سبب كفر بني آدم" السبب في اللغة: ما يُتوصّل به إلى الشيء، ولذلك سمّي الحبل سببًا، قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ يعني: فليمدد بحبل إلى السماء. أما السبب عند الأصوليين فهو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. "كفر بني آدم" يعني: كفرهم بالله ﷿. "وتركهم" بالجر عطفًا على كفر المضاف إليه، لأن المعطوف على المجرور مجرور. "دينهم" دينهم منصوب على المفعوليّة، لأن المصدر إذا أضيف أو دخلت عليه "ألـ" فإنه يعمل عمل فعله. "هو الغلو في الصالحين" الغلو في اللغة: هو الزيادة عن الحد، يقال:. غلى القدر إذا زاد ومنه يقال: غلى السعر؛ إذا زاد في الأسواق، فالغلو في اللغة: هو الزيادة عن الحد. أما في الشرع: هو الزيادة عن الحد المشروع، يسمّى غلوًّا، ويسمّى طُغيانًا. والغلو في الصالحين، هو: الزيادة في مدحهم، ورفعهم فوق مكانتهم؛ بأن يُجعل لهم شيءٌ من العبادة. قال: "وقول الله ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ " المراد بأهل الكتاب: اليهود والنصارى، سُمّوا بأهل الكتاب: لأن الله سبحانه أنزل على أنبيائهم الكتب. اليهود أنزل الله على نبيهم موسى ﵇ التوراة. والنصارى أنزل الله على نبيهم عيسى﵊- الإنجيل، فلذلك سُمّوا أهل الكتاب فَرْقًا بينهم وبين الأُميّيّن والوثنيّين الذين لا كتاب لهم.
[ ١ / ٢٦٣ ]
وهذا فيه تنبيه على أن المطلوب منهم أن يتقيّدوا بالكتاب الذي أنزل عليهم، وعدم مجاوزته، وهو تنبيه لكل عالم بأن يلتزم الاعتدال.
" ﴿لا تَغْلُوا﴾ " هذا نهي من الله تعالى لهم عن الغلو، لأن الغلو أن يكون في شخص، أو يكون في دين.
والغلو في الشخص هو: المبالغة في مدحه، ورفعه فوق منزلته التي أنزله الله فيها.
وأما الغلو في الدين فهو: الزيادة عن الحد المشروع في العبادات، في مقاديرها، أو في كيفيّتها، كما في قصة الثلاثة الذي جاءوا يسألون عن عبادة النبي ﷺ، فلما أخبروا بها كأنهم تقالّوها، ولكنهم قالوا: أين نحن من رسول الله ﷺ وقد غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر؟، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أنام، قال الآخر: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء [يعني: يتبتّل]، وفي رواية: لا أكل اللحم [من باب التّقشّف وحِرمان النفس] . هذا غلو أيضًا، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال لهم: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟، أما والله إني لأرجو أن أكون أعرفكم بالله ﷿، وأخشاكم لله، وإني أصلّي وأنام، أصوم وأفطر، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس منّي"، هذا غلو نهى عنه الرسول ﷺ، وأمر بالتّوسّط وعدم الغلو.
ولما لُقطت له﵊ - حصى الجمار أمثال حصى الخَذْف - يعني: أكبر من الحِمَّص بقليل- أخذها ﷺ في كفّه وقال: "أمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو".
واليهود والنصارى غلو في أنبيائهم، وغلو في دينهم- أيضًا-، غلو في أنبيائهم، حيث قالت النصارى للمسيح: ابن الله، فرفعوه فوق منزلة البشرية إلى منزلة الربوبية ويسمُّونه الرب. وأما اليهود فقد غلوا في عزير، قالوا: هو ابن الله.
وكذلك النصارى غلو في دينهم فابتدعوا الرهبانية، وهي: التّبتّل والتّعبدّ، ولزوم الصّوامع، وعدم الخروج منها، رهبانية ابتدعوها، كما قال الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾، هذا من الغلو في الدين، قال تعالى: ﴿لا
[ ١ / ٢٦٤ ]
وفي الصحيح عن ابن عباس ﵁ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ .
_________________
(١) تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾، وفي الآية الأخرى في سورة النساء يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾ . فكذلك الذين غلو في الصالحين من هذه الأمة حتى عبدوهم مع الله ﷾، وجعلوا لهم شيئًا من الرّبوبيّة والألوهيّة، سواءً بسواء. قال: "في الصحيح" يعني: صحيح البخاريّ. "عن ابن عباس ﵁ في قول الله تعالى" يعني: في تفسير قوله تعالى: " ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ "، قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح إلخ" قوم نوح لما نهاهم نبي الله نوح﵊- عن الشرك وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له؛ تواصوا فيما بينهم بهذه الوصية الكافرة: "وقالوا لا نذرن آلهتكم" يعني: لا تطيعوا نوحًا ﵇، لا تتركوا آلهتكم التي تعبدونها من دون الله. " ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ " هذه أسماء رجال صالحين، وكان هذا في الأوّل، لأن النّاس كانوا بعد آدم ﵇ على دين التّوحيد- كما قال ابن عباس-، كانوا على دين التّوحيد دين أبيهم آدم﵊- عشرة قرون، وكان هؤلاء الصالحون في هذا العهد- عهد التّوحيد-، فلما ماتوا - ويُروى: أنهم ماتوا في سنة واحدة- حزنوا عليهم حزنًا شديدًا، وبكوا عليهم، فاستغل الشيطان- لعنه الله- هذه العاطفة فيهم، وأشار عليهم بمشورة ظاهرها النصح، وباطنها الخديعة والمكر، أشار عليهم بأن يصوّروا تماثيلهم، يعني: يجعلوا لهم صورًا على شكل تماثيل، كل واحد له صورة، وأن ينصبوا هذه التماثيل على
[ ١ / ٢٦٥ ]
قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت".
_________________
(١) مجالسهم؛ من أجل أن ينشطوا على العبادة، إذا رأوهم تذكّروا حالتهم فنشطوا على العبادة، فهو جاءهم من باب النصح، وأشار عليهم بمشورة ظاهرها الخبر، وأن هذه وسيلة للنشاط على العبادة، والتقوى، والصلاح، والإقتداء بهؤلاء، إذا رأوا صورهم تذكّروا صلاحهم وحالتهم فاقتدوا بهم، هذا ظاهر نصيحته، ولكنه في الباطن يمكر بهم، لأنه يرمي إلى مرمى بعيد- لعنه الله-، ينظر إلى العواقب، إلى الأجيال القادمة، يؤسس هذا الأساس للأجيال القادمة، وإلاَّ فإنه يعرف أن هؤلاء- ما دام العلم موجودًا، وما دام أنهم على التّوحيد- لن يتركوا عبادة الله ﷿، فقبلوا هذه المشورة لأن ظاهرها أنها خير، وابتدعوا هذه البدعة. وهذا دليل على أن البدع لا تجوز وإن كان ظاهرها الخير، وإن كانت نيّة أصحابها الخير. ابتدعوا هذه البدعة، وصوّروا هذه التماثيل على مجالس هؤلاء الصالحين ولم تُعبد في هذا الجيل، لأنهم على علم وعلى دين، لكن لما مات هذا الجيل، ونُسي العلم- وفي رواية: نُسِخ العلم بموت العلماء-، لأن الشيطان لا يتسلّط- في الغالب- مع وجود العلماء، لأن العلماء يكافحونه، ويردّون كيده، إنما يتسلّط عند عدم العلماء. "حتى إذا هلك أولئك، ونُسي العلم" يعني: بموت العلماء الذي يحذّرون من الشرك، "عُبدت" هذه الصور لأن الشيطان قال لهم: إن آباءكم ما نصبوا هذه الصور إلاّ من أجل أن يتقرّبوا إليها، ويسقون بها المطر، فصدّقوه في هذا. ومقالته لهذا الجيل المتأخِّر تخالف مقالته للجيل السابق، هذا من باب المكر، فصدّقوه في هذا فعبدوهم، ومن حينها حدث الشرك في الأرض، وغُيّر دين آدم - ﵊- فبعث الله نبيّه نوحًا ﵇ أول الرّسل. وهذا أول شرك حدث في الأرض، وسببه هو الغلو في الصالحين ثمّ بعث الله
[ ١ / ٢٦٦ ]
قال ابن القيم: "قال غير واحد من السلف: لما ماتوا؛ عكفوا على قبورهم، ثمّ صوّروا تماثيلهم، ثمّ طال عليهم الأمد، فعبدوهم".
_________________
(١) نبيّه نوحًا ﵇ ينهى عن ذلك، ويريد ردّهم إلى التّوحيد، ولكن لم يؤمن معه إلاّ القليل كما قال الله ﷾: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾، كما قال كفّار قريش لما نهاهم محمّد ﷺ عن الشرك: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾، لا تطيعوا محمّدًا فدين المشركين واحد من قديم الزمان وحديثه. "قال ابن القيم" ابن القيّم هو: محمّد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي، الإمام الجليل، الحافظ، صاحب المصنّفات المشهورة في التّوحيد والأصول والفقه ومختلف العلوم، وهو أكبر تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيميّة- رحمهما الله- علمًا وقدرًا. قال: "لما ماتوا" يعني: لما مات هؤلاء الصالحون. وهذا تفسير وتوضيح لما قاله ابن عباس ﵁. "عَكَفوا على قبورهم" العُكوف هو: طول البقاء في المكان، ومنه: الاعتكاف في المساجد، كما عرّفه الفقهاء بأنه: لزوم مسجد لطاعة الله. "ثم صوّروا تماثيلهم" هذه خطوة ثانية. "ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم" هذه خطوة ثالثة. فهذه الآثار مع الآية الكريمة تدلّ على مسائل عظيمة: المسألة الأولى: تحريم الغلو في الصالحين، بمعنى ما ذكرناه في الغلو، وأنه يؤول إلى الشرك، فإن غلو قوم نوح في الصالحين آل بهم إلى الشرك- والعياذ بالله-، فهذا شاهد للتّرجمة: "باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين" وهذا ظاهر، فإن ما وقع في قوم نوح كان سببه الغلو في الصالحين. وفيه ردٌّ على عبّاد القبور اليوم، الذين يقولون: البناء على القبور من باب المحبة للصالحين. وكوننا نستغيث بهم، ونستشفع بهم، ونذبح لهم، وننذر لهم، ونتبرّك بتربتهم، هذا ليس من الشرك، هذا من باب محبة الصالحين. ويقولون: للذين ينكرون هذا أنتم تبغضون الصالحين. هكذا فسروا المحبة والبُغض، بأن
[ ١ / ٢٦٧ ]
المحبة: عبادتهم، والبغض: ترك عبادتهم، هذا من انتكاس الفِطَر- والعياذ بالله-.
فالآية والأثر يردّان عليهم، لأن هذا ليس من محبة الصالحين، وإنما هو من الغلو فيهم الذي يؤول إلى الشرك- والعياذ بالله-.
المسألة الثانية: في هذه الآثار دليل على أن الغلو في الصالحين من سنّة اليهود والنصارى، قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، فالغلو في الصالحين من سنة اليهود والنصارى، وليس من سنة المسلمين، فهؤلاء القبوريون سلفهم اليهود والنصارى، وبئس السلف.
المسألة الثالثة: فيه التحذير من التصوير، ونشر الصور، لأن ذلك وسيلة إلى الشرك، فأول شرك حدث في الأرض هو بسبب الصور المنصوبة، وهذه إحدى علّتي تحريم التصوير، لأن التصوير ممنوع لعلّتين:
العلّة الأولى: أنه وسيلة إلى الشرك.
العلّة الثانية: أن فيه مُضاهاة لخلق الله ﷾.
وقد قال تعالى كما في الحديث القدسي: "ومن أظلم ممّن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حبّة، أو ليخلقوا شعيرة"، فالمصوّر يحاول أن يضاهي خلق الله تعالى بإيجاد الصورة، فلذلك يجعل لها أعضاء، ويجعل لها عينين، ويجعل لها أنفًا، ويجعل لها شفتين، ويجعل لها وجهًا، ويجعل لها يدين، ويجعل لها رجلين، يضاهي خلق الله، إلاّ أنه لا يقدر على نفخ الروح فيها، ويجعل الصورة على شكل ضاحكة، أو على شكل باكية، أو شكل مقطّبة الجبين، أو مسرورة، كل هذا مضاهاة لخلق الله، وإن كانوا يسمون هذا من باب الفنون، وهي فنون شيطانية، والجنون فنون، فتسميته من باب الفنون لا يسوغ عمله، والتصوير ملعون من فعله، ففيه: التحذير من التصوير ونصب الصور. لأن ذلك يؤول إلى الشرك بالله ﷿، وهذا أعظم العلّتين في النهي عن التصوير ونصب الصور، لاسيّما صور المعظمين من الملوك والرؤساء ومن الصالحين والمشايخ إذا نُصبت فإن هذا يؤول إلى عبادتها، ولو على المدى البعيد، لأن الشيطان حاضر ويشغل الجهل والعواطف.
المسألة الرابعة: في الآية والآثار دليل على تحريم البدع في الدين، وأنها
[ ١ / ٢٦٨ ]
تؤول إلى الشرك، ولذلك قال العلماء: البدعة توصل إلى الشرك ولو على المدى البعيد. وهذه بدعة قوم نوح وصَّلت إلى الشرك، وهذا شيء واضح.
المسألة الخامسة: فيه دليل على أن حسن النيّة لا يسوغ العمل غير المشروع، لأن قوم نوح نيّتهم حسنة، عندما صوّروا الصور يريدون النشاط على العبادة، وتذكر أحوال هؤلاء الصالحين، ولا قصدوا الشرك أبدًا، وإنما قصدوا مقصدًا حسنًا، لكن لما كان هذا الأمر بدعة صار محرّمًا لأنه يُفضي إلى الشرك ولو على المدى البعيد، فالنية الحسنة لا تسوغ العمل غير المشروع.
المسألة السادسة: وهي عظيمة جدًا: فيه بيان فضيلة وجود العلم والعلماء في النّاس، ومضرّة فقدهم، لأن الشيطان ما تجزّأ على الدعوة إلى الشرك مع وجود العلم ووجود العلماء، إنما تجزّأ لما فُقد العلم ومات العلماء، فهذا دليل على أن وجود العلم ووجود العلماء فيه خير كثير للأمة، وأن فقدهم فيه شر كثير.
المسألة السابعة: فيه التحذير من مكر الشيطان، وأنه يُظهر الأشياء القبيحة بمظهر الأشياء الطيبّة حتى يغرِّر بالناس. هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أنه يتدرّج بالناس شيئًا فشيئًا، لأنه تدرّج بقوم نوح من تذكّر العبادة والنشاط والمقصد الحسن، تدرّج بهم إلى المقصد السيء والشرك بالله ﷿.
وليسو هذا مقصورًا على شيطان الجن، بل وشيطان الإنس كذلك يعمل هذا العمل، فدعاة السوء ودعاة الضلال- أيضًا- يمكرون بالأمة الإسلامية مثل ما يمكر الشيطان: ﴿شَيَطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ .
المسألة الثامنة: فيه دليل على تحريم الغلو في قبور الصالحين،، فقول ابن القيم: "لما ماتوا عكفوا على قبورهم" فيه: التحذير من الغلو في قبور الصالحين، وذلك بالعكوف عندها، أو البناء عليها، أو غير ذلك من أي مظاهر الغلو، والنبي ﷺ حذّر من البناء على القبور، وحذّر ﷺ من الصلاة عند القبور، والدعاء عند القبور، لأن ذلك وسيلة إلى الشرك، وحذّر ﷺ من إسراج القبور، فقال: "لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسّرج" لأن هذا يغرّ العوام، ويقولون: ما عمل به هذا العمل إلاّ لأنه يضر أو ينفع، ولذلك أوصى النبي ﷺ علي بن أبي طالب ﵁
[ ١ / ٢٦٩ ]
وعن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" أخرجاه.
_________________
(١) قال: "لا تدع قبرًا مشرفًا إلاّ سوّيته" المشرف: هو المرتفع بالبناء، "إلاَّ سوّيته" يعني: هدمت البناء الذي عليه، وكذلك نهى ﷺ عن تجصيص القبور، وطلائها بالجص، أو بالنورة، أو بالبويات، أو الألوان المزخرفة، لأن هذا يغرّ العوام، ويظنون أنه ما عمل به هذا العمل إلاّ لأنه له خاصية، ونهى ﷺ عن الكتابة على القبور، فلا يكتب على القبور اسم الميت، ولا تاريخ وفاته، ولا مكانته، فلا يقال: هذا قبر العالم الفلاني الذي عمل كذا وكذا، كل هذا لا يجوز، لأن هذا يغرر بالناس فيما بعد، ويقولون: ما كُتبت هذه الكتابة إلاّ لأن هذا الميّت له خاصيّة. كل هذه الأمور نهى عنها الشارع، لأنها وسائل إلى الشرك. والمشروع في القبور أن تُدفن كما كان على عهد النبي ﷺ تُدفن بترابها، وتُرفع عن الأرض قدر شبر بالتراب من أجل أن تُعرف أنها قبور فلا تُداس، ويجعل عليها نصائب من طرفيها لتحديد القبر، لأجل أن لا يوطأ، وما زاد عن ذلك فهو ممنوع. هكذا كانت القبور في عهد النبي ﷺ، وهذه سنة النبي ﷺ في دفن الأموات. المسألة التاسعة: فيه أن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذه قاعدة مشهورة، لأن عمل قوم نوح فيه مصلحة جزئية وهي: تذكر حالة الصالحين، لكن المفسدة أكبر من هذا، وهو أن ذلك يؤول إلى الشرك- والعياذ بالله-. قوله: "وعن عمر" المراد به: عمر بن الخطاب بن عمرو بن نُفَيْل العدوي القرشي، ثاني الخلفاء الراشدين، وأفضل هذه الأمة بعد أبي بكر الصدّيق، رضي الله تعالى عن الجميع. فهو عمر بن الخطاب الذي أعزّ الله به الإسلام والمسلمين، وفتح الله على يديه الفتوحات في المشرق والمغرب، حتى اتسعت رُقْعة الإسلام في الأرض، وله من الفضائل الشيء الكثير، رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعن جميع صحابة رسول الله والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. "أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُطْروني" هذا نهي منه ﷺ عن الإطراء في حقهّ،
[ ١ / ٢٧٠ ]
والإطراء هو: زيادة المدح والمبالغة فيه، كما هي عادة بعض المدّاحين من الشعراء وغيرهم، وهذه صفة ذميمة، فإن كثرة المدح والزيادة في ذلك منهي عنها في حق الرسول ﷺ وفي حق غيره، ولكن في حق الرسول أعظم، لأن ذلك يؤدي إلى الشرك والكفر، فإن الغلو في مدح الأنبياء يؤدي إلى الشرك، كما حصل للنصارى واليهود حينما غلو في الأنبياء.
فمعنى قوله: "لا تُطروني" يعنني: لا تزيدوا في مدحي.
"كما أطرت النصارى ابن مريم" النصارى المراد بهم: أتباع عيسى ﵇، قيل: سُمُّوا نصارى نسبة إلى البلد: الناصرة في فلسطين، أو من قوله تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ﴾، وهم أهل ملّة من الملل الكتابيّة، ويسمّون بالنصارى، أما أن يسمّوا بالمسيحيين- كما عليه النّاس الآن- فهذا غلط، لأنه لا يقال: المسيحيون إلاّ لمن اتبع المسيح ﵇، أما الذي لم يتبعه فإنه ليس مسيحيًّا، وإنما هو نصراني، فاسمهم في الكتاب والسنّة: النصارى.
كما أن اليهود نفروا من الاسم الخاص بهم في الكتاب والسنّة وهو اليهود فسموا أنفسهم إسرائيل، وإسرائيل هو نبي الله يعقوب - ﵊- فليسوا هم إسرائيل، وإنما هم اليهود. هذا هو اللفظ الموضوع لهم، الذي رُبطت به اللعنة والغضب من الله ﷾ بسبب كفرهم بالله وعنادهم وتعنتّهم، فهم اليهود.
نعم، يُقال: بنو إسرائيل- كما سمّاهم الله بذلك- لأنهم من ذرية يعقوب ﵇ في الغالب، وفيهم أناس يهود ليسوا من ذرية إسرائيل، لكن الغالب عليهم أنهم من بني إسرائيل.
وعلى كل حال؛ لا يجوز أن يُقال: إسرائيل، وإنما يُقال: اليهود، أو يقال: بنوا إسرائيل.
" كما أطرت النصارى" أي: كما غلت النصارى في مدح المسيح ﵇.
"ابن مريم" يُنسب إلى أمه ﵍ لأنه ليس له أب، لأن الله خلقه من أم بلا أب بقوله: ﴿كُن﴾، فهو تكوّن بالكلمة من قوله: ﴿كُن﴾، ولذلك يُقال: (كلمة الله)، لأنه تكوّن بها من غير أب، فتكوّن بأمر الله ﷾ حين قال له: "كُن" فكان بأمر الله، هذا
[ ١ / ٢٧١ ]
سبب تسميته كلمة الله، والله قادر على كل شيء، فالله خلق آدم من غير أب ولا أم، خلقه من تراب بشرًا سويًا، وخلق حوّاء من غير أم، خلقها من آدم: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، وخلق عيسى أم بلا أب، وخلق سائر البشر من أم وأب، ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾، فإذا كنتم تعجبون من خلق عيسى من أم بلا أب، فآدم ﵇ أولى بالعجب، لأن الله خلقه من تراب ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فلا غرابة في قدرة الله ﷾، فالله قادر على كل شيء، لا تتحكّم فيه الأسباب، وإنما هو سبحانه يتحكّم في الأسباب والمخلوقات: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ﷾، ولا حَجْر على قدرته ﷾.
وكيف أطرت النصارى ابن مريم؟، قالوا: إنه ابن الله، أو هو الله، أو ثالث ثلاثة. ولا يزالون على هذه المقالة إلى الآن، في إذاعاتهم، وفي كتاباتهم.
فسبب وقوعهم في هذا الكفر هو: الغلو- والعياذ بالله-، لأنهم لم يرتضوا أن يصفوا عيسى بأنه عبد الله ورسوله، وإنما زادوا وقالوا: إنه ابن الله جاء ليخلّص النّاس من الخطيئة، وقُتل وصُلب من أجل أن يخلّص النّاس من الخطيئة، ثمّ بعد قتله وصلبه قام وصعد إلى السماء.
وهذا كذب مَحْضٌ، كذبه الله وردّه بقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾، فالذي قُتل وصُلب هو شخص غير المسيح، ألقى الله شبه المسيح عليه، فقُتل وصُلب، لأنه خان ودلَّ الكفرة على مكان المسيح، أما المسيح فإنه رفعه الله إليه، ولهذا لم يجزموا أن الذي قتلوه هو المسيح: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ .
فالحاصل؛ أن هذا هو غلو النصارى، أنهم مدحوا المسيح ورفعوه فوق منزلته، حتى عبدوه من دون الله، وادّعوا فيه الربوبية بسبب الغدو، وعيسى ﵇ يقول: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾، وفي يوم القيامة يتبرّأ من هؤلاء: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، فالعبادة حق الله ليست حقًا لمخلوق، ﴿مَا يَكُونُ لِي﴾ ما ينبغي ولا يليق ولا يصح ﴿أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ لأن العبادة حق لله ﷾، ثمّ ردّ ذلك
[ ١ / ٢٧٢ ]
إلى الله ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، والله يعلم ﷾ أن عيسى لم يقل هذه المقالة، وإنما هذا من باب التوبيخ لهؤلاء، ثمّ قال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ هذا تصديق للمسيح ﵇ على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، حينما يجتمع الأولون والآخرون يوم القيامة، فهذا مآلهم -والعياذ بالله-، وهذا موقف المسيح - ﵊- في الدنيا والآخرة أنه عبد الله ورسوله، ليس له من الربوبية شيء، ولا يستحق من العبادة شيئًا، وإنما العبادة حق لله ﷾ وحده لا شريك، وإذا كان المسيح ليس له حق في العبادة، ومحمد ﷺ ليس له حق في العبادة، وجميع الرسل، فكيف بغيرهم من الأولياء والصالحين.
ففي هذا الحديث دليل على ما ساقه المصنّف من أجله، وهو أن الغلو في الصالحين يسبِّبُ كفرَ بني آدم وتركهم دينهم.
وفي هذا شفقته ﷺ بأمته، حيث حذّرهم مما وقعت فيه النصارى.
وفيه: النهي عن التشبّه بالكفار.
ثمّ قال ﷺ: "إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" "إنما" هذه كلمة حَصْر، أي: أن شأني ومكانتي أنني عبد الله ﷾، ليس لي من الربوبية شيء، والعبد لا يُغلى فيه ويُطرأ، ويُرفع فوق منزلته.
"فقولوا: عبد الله ورسوله" أرشدنا ﷺ إلى أن نقول فيه الكلام الواقع واللاّئق به ﷺ، وهو أنه عبد الله ورسوله. فدلّ هذا على أنه يُمدح ﷺ بصفاته من غير زيادة ومن غير نقص، وهي: العبودية والرسالة، والله جل وعلا وصف محمّدًا بأنه عبد في كثير من الآيات، في مقام التنزيل قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا (١)﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾، وفي مقام الإسراء قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، والمعراج في قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)
[ ١ / ٢٧٣ ]
فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾، وفي مقام التحدّي وصفه الله بالعبودية قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ .
ففي قوله: "عبد الله" ردٌّ على الغلاة الذين يغلون في حقه ﷺ.
وفي قوله: "رسوله" ردٌّ على المكذبين الذين يكذّبون برسالته ﷺ، والمؤمنون يقولون: هو عبد الله ورسوله.
هذا وجه الجمع بين هذين اللّفظين، أن فيهما ردًا على أهل الإفراط وأهل التفريط في حقه ﷺ.
وفيه: ردٌّ على الذين غلو في مدحه ﷺ من أصحاب القصائد، كقصيدة البُردة والهمزية وغيرهما من القصائد الشركية التي غلت في مدحه ﷺ، حتى قال البوصيري:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
فنسي الله ﷾.
ثم قال:
إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي فضلًا وإلاّ قل يا زلة القدم
يعني: ما ينجيه من النار يوم القيامة إلاّ الرسول.
ثم قال:
فإن من جودك الدّنيا وضرّتها ومن علومك علم اللّوح والقلم
الدّنيا والآخرة كلها من جود النبي ﷺ، أما الله فليس له فضل، هل بعد هذا الغلو من غلو؟؟.
واللّوح المحفوظ والقلم الذي كتب الله به المقادير هذا بعض علم النبي ﷺ، ونسي الله تمامًا- والعياذ بالله-.
وكذلك من نهج على نهج البردة ممن جاء بعده، وحاكاه في هذا الغلو، هذا كله من الغلو في مدح النبي ﷺ ومن الإطراء.
أما المؤمنون فيمدحون الرسول ﷺ بما فيه من الصفات الحميدة والرسالة
[ ١ / ٢٧٤ ]
وقال: قال رسول الله ﷺ: "إياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو".
_________________
(١) والعبودية، كما أرشد إلى ذلك النبي ﷺ، كما عليه شعراء الرسول ﷺ الذين مدحوه وأقرّهم، مثل: حسّان بن ثابت، وكعب بن مالك، وكعب بن زُهير، وعبد الله بن رواحة، وغيرهم من شعراء الرسول ﷺ الذين مدحوه بصفاته ﷺ، وردوا على الكفّار والمشركين. هذا هو المدح الصحيح المعتدل، الذي فيه الأجر وفيه الخير، وهو وصفه ﷺ بصفاته الكريمة من غير زيادة ولا نُقصان. ثم قال المصنّف ﵀: "وقال: قال رسول الله ﷺ: "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو"، هكذا ذكره المصنف ﵀ من غير أن يذكر راويه، ومن غير أن يعزوه إلى مخرِّج من أصحاب الكتب، بل جعل مكان ذلك بياضًا. والحديث رواه ابن عباس، وخرّجه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، وابن ماجه في سننه. وهذا حصل في مُنْصَرَفه ﷺ في حجة الوداع من مزدلفة إلى منى من أجل رمي جمرة العقبة، ولما كان في الطريق بين مزدلفة ومنى قال لابن عباس: "التقط لي الحصى"، فلقط له سبع حصيات مثل حصى الخَذَف، وهي الصغار التي تُخْذَف على رؤوس الأصابع، وهي أكبر من الحِمَّص بقليل، فأخذها ﷺ بيده الكريمة، ثمّ نفضها والناس ينظرون إليه، ثمّ قال ﷺ: "أمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو"، وهذا يدل على أن الواجب علينا أن نتقيد بالعبادة كما جاءت. فـ "إياكم" هذه كلمة تحذير. "والغلو" تقدم معناه، وهو: الزيادة على الحد المشروع، وهذا لا يجوز، وهو مردود وهلاك، بل نتقيّد بضوابط العبادة كما جاءت في سنة رسول الله ﷺ، وليس لنا تدخّل في تحديد العبادة ومواقيتها وصفاتها، وهيئاتها، وإنما يتبع في هذا ما دلّ عليه الدليل من كتاس الله وسنة رسوله ﷺ، علينا الامتثال فقط.
[ ١ / ٢٧٥ ]
"فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" مثل النصارى غلو في عيسى ﵇، يعني: فأخرجهم الغلو من الدين إلى الكفر- والعياذ بالله- فهلكوا، وهم يريدون النجاة، لكن لما كانت طريقتهم غير مشروعة لم تحصل لهم النجاة، وإنما حصل لهم الهلاك، فكل أحد يريد النجاة من غير أن يسلك طريقها فإنه هالك، لا نجاة إلاّ بإتباع الرسول ﷺ، مهما كلّف الإنسان نفسه إذا خالف منهج الرسول ﷺ فإنه غالٍ وهالك، وهو مشابه لمن كان قبلنا من الغلاة.
ففي هذا: التحذير من الغلو في العبادات، والغلو في الأشخاص، والغلو في كل شيء، فالغلو في كل شيء ممنوع، والمثل يقول: "كل شيء جاوز حدّه انقلب إلى ضده"، كل غلو فهو طريق هلاك، وإنما طريق النجاة هو الاعتدال والاستقامة: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا﴾ .
وما هلكت الخوارج والمعتزلة وعلماء الكلام إلاّ بسبب غلوهم.
فالخوارج عندهم عبادة عظيمة، حتى إن الصحابة يحقرون صلاتهم إلى صلاتهم، وعندهم قراءة للقرآن كثيرة، لكنهم لم يقتصروا على المشروع، زادوا -والعياذ بالله- حتى هلكوا، وكل من فعل هذا فإنه يهلك، والتجربة موجودة، وما وصل أحد من المتنطّعين والغلاة إلى النتيجة المطلوبة أبدًا، وإنما يكون سبيلهم الهلاك في الدّنيا والآخرة.
فهذا مما يحذّر منه في هذا الزمان، لأن ظاهرة الغلو والتّنطع كثرت إلاّ من رحم الله ﷿، وذلك لما فشا الجهل في الناس جاء الغلو وجاءت المخالفات بتزيين شياطين الإنس والجن.
فالواجب علينا أن نحذر من هذا، وأن نلزم طريق الاستقامة في كل شيء.
أما المعتزلة فغلوا في تنزيه الله، حتى نفو صفات الله التي وصف بها نفسه.
والممثلة غلو في إثبات الصفات، حتى شبّهوا الخالق بالمخلوق، فغلو في ذلك، فَضَلّوا -والعياذ بالله-.
وأهل السنّة والجماعة توسطوا؛ فأثبتوا لله الأسماء والصفات كما جاءت، تنزيهًا بلا تعطيل، هذا نفي للغلو في التنزيه، وإثباتًا بلا تمثيل، هذا نفي للغلو في الإثبات، فهم توسطوا.
[ ١ / ٢٧٦ ]
ولمسلم عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: "هلك المتنطّعون" قالها ثلاثًا.
_________________
(١) أما المعتزلة فهم غلو في التنزيه حتى نفو الصفات. والممثلة غلو في الإثبات حتى شبهوا الله بخلقه، تعالى الله عما يقولون. والخوراج والمعتزلة غلوا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى خرجوا على أئمة المسلمين، ومن أصولهم: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمعنى: الخروج على الأئمة. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكرمطلوب، ولكن في حدود الشريعة، قال ﷺ: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه" فجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراتب حسب الاستطاعة، ولم يأمر بالخروج على الولاة، ونقض البيعة، والتفريق بين المسلمين، وهذه طريقة المعتزلة والخوراج. والخوارج خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وانتهى بهم الأمر إلى أن قتلوه ﵁، هذا كله بسبب الغلو، بزعمهم أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فسبب لهم هذا الهلاك، وهذا مصداق قوله ﷺ "فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو". فالغلو هلاك في الدّنيا، وهلاك في الآخرة، ولا يأتي بخير أبدًا، ودين الله بيّن الغالي فيه والجافي عنه، دين الله وسط: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، وسط بين الغلو وبين الجفاء، وهذه الأمة عدول خيار، ليس فيهم غلو، وليس فيهم جفاء، وإنما فيهم الاعتدال، هذا هو طريق النجاة دائما وأبدًا. قال "ولمسلم" يعني روى الإمام مسلم ﵀ في صحيحه. "عن ابن مسعود" عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، الصحابي الجليل، والعالم الكبير، الذي يُعد من أكابر علماء الصحابة، وإليه المرجع في الفتوى، ورواية الحديث، وغير ذلك، فهو من أكابر الصحابة، ومن السابقين الأولين إلى الإسلام، رضي الله تعالى عنه، وكان- أيضًا- من أشد الناس تحذيرًا من البدع
[ ١ / ٢٧٧ ]
"والغلو" ومواقفه من المبتدعة مشهورة، وكلماته رضي الله تعالى عنه في ذلك مأثورة.
"أن رسول الله ﷺ قال: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثا" المتنطعون: جمع متنطع، وأصل التنطع هو التقعّر في الكلام إظهارًا للفصاحة، هذا هو أصل التنطع في اللغة. والمراد هنا: التنطع في الكلام، والتنطع في الاستدلال، والتنطع في العبادة.
والتنطع في الكلام معناه: أن يتكلم الإنسان بالكلمات الغريبة من اللغة التي لا يفهمها الناس، فيأتي بأسلوب وألفاظ من وحشي اللغة لا يعرفها النّاس.
وكذلك من التنطع في الكلام: أن يخاطب الحاضرين بأشياء لا يفهمونها، فالنّاس بحاجة إلى أن يبيّن لهم عقيدتهم وعبادتهم وطهارتهم ومعاملاتهم، ثمّ يذهب يتكلم في أشياء بعيدة عنهم، بل بعيدة من مجتمعهم، يتكلم في أمور السياسة، والأمور البعيدة، وأمور الدول، وأمور وسائل الإعلام، وأمور بعيدة، العوام لا يعرفون منها شيئًا، ولا يستفيدون منها شيئًا، ويخرجون من عنده بجهلهم، لا يعرفون أمور دينهم، بل منهم من لا يعرف كيف يصلي، منهم من لا يعرف كيف يتوضأ، ومنهم من لا يعرف كيف يغتسل من الجنابة، فيخرجون بجهلهم، وما انتفعوا بهذا الكلام البعيد الغريب عن أسماعهم.. هذا من التنطع.
وغرض المتكلم أن يبيّن للناس أنه فاهم، وأنه مثقّف ولو على حساب الحاضرين، ولو ما فهموا، ولو ما عرفوا شيئًا.
وهذا من التنطع.
والمطلوب من الخطيب والمحاضر والمتكلم والمدرس: أن يتكلم في حدود ما يفهمه الحاضرون، وما هم بحاجة إليه في أمور دينهم، وفي أمور معاملاتهم وأخلاقهم، هذا هو المطلوب.
وأن يكون قصده نفع الحاضرين، وتعليم الحاضرين، لا يكون قصده إظهار شخصيته، وإظهار فصاحته، فهذا هالك كما قال النبي ﷺ: "هلك المتنطعون".
فلنحذر من هذا حينما نتكلم في درس، حينما نخطب في الجمعة، أو عيد أو استسقاء، حينما نلقي محاضرة، علينا أن نراعي حالة الحاضرين، وأن نأتي من
[ ١ / ٢٧٨ ]
الكلام بما يفهمونه، وما يستفيدون منه، وأيضًا يكون بأسلوب سهل، لا نتعمّد المجيء بأساليب لا يفهمونها، وكلمات لا يفهمونها، بل يختار الموضوع المناسب، والأسلوب المناسب، واللغة التي يفهمونها. هذا الذي يريد الخير للناس، ويريد تعليم الناس.
أما الذي يريد أن يُظهر نفسه على حساب الناس، فهذا هو المتنطع، وهذا لا يفيد شيئًا، ويَخرج كما دخل من غير فائدة.
فعلينا أن نتنبّه لذلك، لئلا نكون من المتنطعين في الكلام.
وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول: "حدثوا النّاس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ ".
أما التنطع في الاستدلال فهو: طريقة أهل الكلام وأهل المنطق الذين عدلوا عن الاستدلال بالكتاب والسنّة إلى الاستدلال بقواعد المنطق، ومصطلحات المتكلمين.
والمنطق هذا من أين جاء؟، وقواعد المنطق من أين جاءت؟، جاءت من اليونان، استجلبوها واستعملوها في الإسلام، وتركوا الاستدلال بالكتاب والسنّة، وقالوا: إن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين، وإنما الذي يفيد اليقين هو الأدلة العقلية - بزعمهم-، فبذلك هلكوا.
الواجب أن يكون الاستدلال بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنّة وإجماع المسلمين والقياس الصحيح كما عليه علماء أهل السنّة والجماعة، ولهذا يقول الإمام الشافعي ﵀: "حكمي في أهل الكلام: أن يضربوا بالجريد والنعال، وأن يطاف بهم في القبائل، وأن يقال: هذا جزاء من أعرض عن الكتاب والسنّة واشتغل بعلم الكلام".
فمن هؤلاء من يترك كلام الله وكلام رسوله ويأتي بقواعد المنطق، حتى في العقائد وهو ما يسمونه الآن علم التّوحيد، يسمون علم المنطق، وعلم الكلام: علم التّوحيد، ولذلك وقعوا في الهلاك، وضلوا وأضلوا، وقد انتهى أمرهم إلى الحيرة، كما شهد بذلك أكابرهم، وبعضهم عند الوفاة أشهد الحاضرين بأنه مات وهو
[ ١ / ٢٧٩ ]
لا يعرف شيئًا، مع أنه أفنى عمره في علم الكلام والجدل والمنطق، هذا مآل المتنطعين- والعياذ بالله-، وشهاداتهم على أنفسهم موجودة، مما يدل على صدق قول الرسول ﷺ: "هلك المتنطعون".
أما التنطع في العبادة فهو كما سلف، هو: أن يزيد الإنسان في العبادة على الحد المشروع، وهذه رهبانية النصارى، أما الحد المشروع فهو كما قال ﷺ: "أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، ومن رغب عن سنتي فليس مني" هذا هو الاعتدال، وأما التبتّل وعدم التزوج، والصيام دائمًا ولا يُفطر، والصلاة كل الليل ولا ينام، هذا كله من الغلو ومن التنطع الذي يَهْلك صاحبه كما هلكت النصارى في رهبانيتهم، والنبي ﷺ حذّر من الغلو، وحذّر من رهبانية النصارى، وأمر بالاعتدال والتوسط، وقال: "هذا الدين متين، ولن يشاد الدين أحد إلاّ غلبه، ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾، وقال ﷺ: "إن المنبتّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى" والمنبت هو: الذي يكلّف نفسه بالسير ولا يستريح ولا يريح راحلته، هذا ينبت، يعني: ينقطع وتموت راحلته، ويقف في وسط الطريق: "فلا ظهرًا أبقى" لأن راحلته ماتت، ولا أرضًا قطع لأن المسافة باقية. أما لو أخذ الطريق على مراحل، وشيئًا فشيئًا، وأراح نفسه، وأراح راحلته لقطع الطريق، وبلغ المقصود ولهذا قال ﷺ: "أوغلوا فيه برفق".
فالحاصل؛ أن التنطع في العبادة هو: الزيادة فيها عن الحد المشروع، والمطلوب أن الإنسان يتوسط في العبادة من غير زيادة، ومن غير نقصان.
ونبيّن هنا ما يُستفاد من هذه الأحاديث لاختصار:
المسألة الأولى: التحذير من الغلو في مدحه ﷺ، لأن ذلك يؤدي إلى الشرك، كما أدى بالنصارى إلى الشرك.
المسألة الثانية: فيه الرد على أصحاب المدائح النبوية التي غلوا فيها في حقه ﷺ، كصاحب البردة، وغيره.
المسألة الثالثة: فيه النهي عن التشبه بالنصارى، لقوله: "كما أطرت النصارى ابن مريم".
[ ١ / ٢٨٠ ]
_________________
(١) ومن الغلو في حقه ﷺ: إحياء المولد كل سنة، لأن النصارى يحيون المولد بالنسبة للمسيح على رأس كل سنة من تاريخهم، فبعض المسلمين تشبّه بالنصارى فأحدث المولد في الإسلام بعد مضي القرون المفضلة، لأن المولد ليس له ذكر في القرون المفضلة كلها، وإنما حدث بعد المائة الرابعة، أو بعد المائة السادسة لما انقرض عهد القرون المفضلة، فهو بدعة، وهو من التشبه بالنصارى. المسألة الرابعة: فيه مشروعية مدحه ﷺ بصفاته الكريمة: عبد الله، ورسوله، الداعي إلى الله، بلّغ البلاغ المبين، جاهد في الله حق جهاده، كل هذا من صفاته ﷺ؛ فذكره طيّب. المسألة الخامسة: يُستفاد من ذلك: كمال شفقته ﷺ على أمته، وأنه حذّرها من الإطراء في حقه ﷺ، وحذّرها من الغلو، وحذّرها من التنطع. ثلاثة أساليب جاء بها ﷺ: الإطراء والغلو والتنطع. نوّعها ﷺ من باب التأكيد والتحذير من الغلو. المسألة السادسة: فيه أن من نهى عن شيء فإنه يذكر البديل الصالح عنه إن كان له بديل، فإنه ﷺ لما نهاهم عن الإطراء قال: "إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" هذا البديل الصالح. المسألة السابعة: في الحديث: النهي عن الغلو في العبادات، ومنها حصى الجمار، قال فيها ﷺ: "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو"، والغلو في العبادات، هو: الزيادة فيها عن الحد المشروع: كميّة وكيفيّة ووقتًا، إلى غير ذلك، نحن لا نُحدث شيئًا من عند أنفسنا. والبدعة تنقسم إلى قسمين: بدعة حقيقية، وبدعة إضافية. البدعة الحقيقية: إذا أُحدث شيء لا أصل له، مثل المولد والتبرك بالآثار. والإضافية: أن نُحدِث للعبادة المشروعة وقتًا أو صفة لم يشرعها الله ورسوله، كما لو قلنا: ليلة النصف من شعبان يصلون النّاس ويتهجّدون، أو نصوم النصف من شعبان. فالصيام مشروع، وقيام الليل مشروع، لكن إذا حدّدناه بوقت لا دليل عليه فهذا
[ ١ / ٢٨١ ]
بدعة إضافية، لأن أصل العبادة مشروع، ولكن تقييدها بوقت محدّد، منه إضافة إلى العبادة وهي غير مشروعة، فهذه بدعة تسمى إضافية.
ذكر الله مشروع؛ التسبيح والتهليل والتكبير، لكن إذا قلنا للناس: سبِّحوا ألف تسبيحة، كبروا ألف تكبيرة، قولوا: كذا ألف مرة بدون دليل. فهذا يُعتبر بدعة إضافية.
المسألة الثامنة: فيه التحذير من التنطع في الكلام، والتنطع في الاستدلال، والتنطع في العبادة، وعرفنا بماذا يكون التنطع في الكلام، والتنطع في الاستدلال، والتنطع في العبادة.
المسألة التاسعة: فيه تكرار النصيحة حتى ترسخ وتثبت، لأن النبي ﷺ كرّر قوله: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثًا، من أجل أن ترسخ هذه النصيحة، وتثبت في قلوب السامعين.
والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٢٨٢ ]