[الباب التاسع:] باب من تبرّك بشجرة أو حَجْر ونحوهما
_________________
(١) هذا الباب مكمِّلٌ للأبواب التي قبله، لأن الأبواب التي قبله في لبس الحلْقة والخيط ونحوهما، أو تعليق الرُّقى والتّمائم، وهذا فيه النهي عن التبرّك بالأشجار والأحجار، فهذه الأبواب كلها مؤدّاها الاعتقاد بغير الله ﷾ أنه يضر أو ينفع، وهذا شرك، لأن الذي يقدر على دفع الضر وجلب النفع هو الله ﷾ وحده لا شريك له، هو القادر ﷾ على ذلك، لا يشاركه أحد، وإن كان هناك أشياء يترتّب على استعمالها أو أكلها أو شُربها ضرر، أو يترتّب عليه نفع؛ فهذه أسباب فقط، أما الذي يخلق ذلك فهو الله سبحانه. مثلًا: الأكل والشرب من الطيبات هذا فيه نفع، لكن ليس الأكل والشرب هو الذي يخلق النفع، إنما الذي يخلق النفع هو الله ﷾. مثلًا: السُّم يقتل، والنار تُحرق، لكن ليست هي التي تفعل هذه الأشياء، لأنها مخلوقات لله ﷾، ولكنها أسباب، يقدِر القادر سبحانه أن يسلبها هذه الخاصيات، كما سلب النار الحرارة لما أُلقي فيها إبراهيم، وصارت بردًا وسلامًا، فدلّ على أنها لا تستقل بالضرر. وقوله: "باب من تبرّك" أي: طلب البركة، وهي حصول الخير ونماؤه وثبوته وكثرته. "بحَجَر أو شجر" أي: طلب البركة من حَجَر أو من شجر، أو اعتقد أنها سبب للبركة وهي لم يجعلها الله أسبابًا لها فقد أشرك بالله ﷾، لأن الحجر والشجر لا يخلق البركة ولا يوجدها، ولا هو مسبب في حصولها إلاَّ ما جعله سببًا في حصولها وإنما الذي يوجدها هو الله ﷾، وهو سبب الأسباب نعم قد يجعل الله بعض الأشياء مباركة، مثل: ماء زمزم، ومثل: الأنبياء ﵈، ومثل: الكعبة المشرفة: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾، فالله هو الذي جعل الكعبة مباركة، أما الكعبة فليست هي التي تُوجِد البركة، أو تخلق البركة، لكن الله جعلها مباركة، فالبركة من الله ﷾ وبركتها بالحج والعمرة واستقبالها في الصلاة والطواف بها والتعبد عندها في المسجد الحرام.
[ ١ / ١٥٥ ]
وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ الآيات.
_________________
(١) وقد يجعل الله بعض الأشياء مباركة، كما أن الله يجعل بعض الأشياء شرِّيرة، فقد جعل الشياطين شرِّيرة، وجعل بعض الدواب شرِّيرة، فالاعتماد على الله ﷾ في كل الأمور، وإنما نتخذ الأسباب لأن الله أمرنا باتخاذ الأسباب، وأما النتائج فهي عند الله ﷾، نحن لا نعتمد على الأسباب، وإنما نعتمد على الله، ونحن لا نعطّل الأسباب، لأن الله أمرنا باتخاذها، وتعطيل الأسباب عجز وتعطيل للمنافع، التي جعلها الله ﷾ في الأشياء، كما قال بعض العلماء: "الاعتماد على السبب شرك، وترك السبب قدح في الشرع" لأن الشرع أمرك باتخاذ الأسباب، و"الاعتماد على الأسباب شرك" لأنه اعتماد على غير الله. فهذه مسألة يجب على طالب العلم أن يفقهها وأن يعرفها، وأن يتأملها جيدًا، وأن يوضحها للمسلمين، لإزاحة الشُّبُهات، وإزاحة التضليل الذي يَرُوج عند بعض الناس بسبب الجهل، أو بسبب سوء القصد. قوله: "وقول الله تعالى: " ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ " وتتمة الآيات: " ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ " هذه الآيات في تقرير التّوحيد وتثبيت العقيدة في قلوب المؤمنين، والرد على المشركين. يقول الله تعالى للمشركين الذي يعبدون الأصنام، وفي مقدمتها الأصنام الثلاثة المشهورة عند العرب: اللات والعُزَّى ومَنَاة، هل تنفع هذه الأصنام أو تضر؟، فيقول: " ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ " هل نفعتكم؟، هل دفعت عنكم الضرر؟، هل جلبت لكم شيئًا من الرزق؟، فلا يستطيعون الجواب بأنها تضر أو تنفع، لم تنفعهم في بدر وغيرها من الغزوات، ولم تدفع عنهم ما أوقع الله بهم من الهزائم، ما أجابوا عن هذا السؤال العظيم؛ فدلّ على انقطاع حجتهم. وهكذا في كل أسئلة القرآن الكريم التي هي من باب التحدِّي والتعجيز، لم
[ ١ / ١٥٦ ]
يصدر لها جواب من قبل المشركين، ولن يصدر لها جواب إلى أن تقوم الساعة.
و" ﴿اللاَّتَ﴾ ": صنم في الطائف لبني ثقيف. وفي تفسيرها قولان لأهل العلم:
القول الأول: أنها بالتخفيف، وهو اسم حجر كبير أملس عليه نقوش، كانوا يتبرّكون به، ويطلبون منه قضاء حاجتهم، وتفريج كرباتهم.
والقول الثاني: أنه بالتشدّيد اسم فاعل من لَتَّ يَلُتُّ: وهو في الأصل رجل صالح، كان يَلُتُّ السّويق للجاج، وكان يُطعم الحجّاج من هذا الطعام تقرّبًا إلى الله ﷾، فلما مات عَكَفُوا على قبره يتبرّكون به، كما حصل لقوم نوح لما غَلَوْ في الصالحين.
فالغُلُّو في الصالحين قديم، ولا يزال مستمرًّا وهو سنّة جاهلية من قديم الزمان، من عهد قوم نوح، ولا تزال.
فعلى التفسير الأول هو: تبرّك بالأحجار، وعلى التفسير الثاني هو: تبرّك بالقبور. وكِلا التفسيرين حق، فالآية تدلّ على منع التبرّك بالأحجار، ومنع التبرّك بالقبور، وما زال هذا الصنم يُعبد من دون الله إلى أن فتح النبي ﷺ مكة في السنة الثامنة من الهجرة، وأمر بهدم هذا الصنم كغيره من الأصنام التي هدمت.
أما "وَالْعُزَّى" فكانت صنمًا لأهل مكة، وهي عبارة عن شجرات ثلاث من السَّمْر، وعندها بَنِيَّة عليها أستار، وكانت لقريش ولأهل مكة يعبدونها من دون الله ﷿. ولهذا قال أبو سفيان في يوم أحد بعد أن انتهت المعركة: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال النبي ﷺ: "أجيبوه، قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم"، هذا هو الرد الشافي، وفيما بعد منّ الله على أبي سفيان بالإسلام فأسلم، والإسلام يَجُبُّ ما قبله، والشاهد من هذا: أن العُزَّى كانت لأهل مكة، فلما فتح النبي ﷺ مكة أرسل إليها خالد بن الوليد فهدمها وقطّع الأشجار، ثم رجع إلى النبي ﷺ فأخبره، قال: "لم تفعل شيئًا"، فرجع خالد ﵁، إليها مرّة ثانية فوجد عندها السَّدَنة، فلما رأوه هربوا إلى الجبال، فجاء فإذ بامرأة عريانة ناشرة شعرها، فعلاها بالسيف وقتلها، ثم رجع إلى النبي ﷺ وأخبره، قال: "تلك العُزَّى".
والواقع أن المشركين ليست عبادتهم لهذه الأصنام، وإنما عبادتهم للشياطين،
[ ١ / ١٥٧ ]
وعن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حُنَيْن، ونحن حُدَثاء عهد بكفر،
_________________
(١) فالشياطين هي التي تُغريهم، وتدعوهم إلى عبادتها، وهي التي تكلّمهم أحيانًا، ويظنون أن الصنم هو الذي يتكلم، أو أن الميت هو الذي يتكلم. أما " ﴿وَمَنَاةَ﴾ " فهي صنم قريب من المدينة، وكانت لقبائل من العرب. وكانوا يُحْرِمُون من عندها للحج والعمرة. ولما فتح النبي ﷺ مكة أرسل إلى مَنَاة علي بن أبي طالب ﵁ فهدمها. فأين ذهبت هذه الأصنام؟، لو كانت آلهة لدفعت عن نفسها. والشاهد من الآية الكريمة: بطلان التبرّك بالأشجار والأحجار، لأن هذه أشجار وأحجار، ولم تدفع عن نفسها فضلًا عن أن تدفع عن غيرها. ففي هذا: بُطلان التبرك بالأحجار والأشجار، وفيه: أن من تبرّك بقبر أو بحجر أو شجر يعتقد فيه أنه ينفع ويضر من دون الله، أو أنه سبب لحصول البركة، أو تقرب إليه بشيء من العبادة؛ فهو مثل من عبد اللات والعُزَّى سواء، ولا فرق، بل من غلا في قبر من القبور فهو كمن عبد اللات، لأن اللات- على التفسير الثاني- هو رجل صالح، غَلَوا في قبره بعد موته، فالذين يعبدون القبور اليوم مثل الذين يعبدون اللاتّ سواء بسواء، والقرآن واضح في هذا، لكن يحتاج إلى التدبّر، ونبذ للتقاليد والعادات والبيئات الفاسدة، والتحرر من الخرافات والأباطيل، ورجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله، ففيهما الشفاء للقلوب. قال "وعن أبي واقد الليثي" هذه كنيته، أما اسمه فهو الحارث بن عوف، و"الليثي" من بني الليث. "قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حُنَيْنِ" أي: غزوة حنين، وحنين اسم وادٍ بين مكة والطائف، وغزوة حُنَيْن كانت في شوال من السنة الثامنة من الهجرة، وذلك أن الرسول ﷺ لما فتح مكة، ونصره الله على قريش؛ خافت هوازِن على نفسها أن يصلها الرسول ﷺ، فأرادوا أن يغزوا الرسول ﷺ قبل أن يغزوهم، وجمّعوا أمرهم ليغزوا رسول الله ﷺ، يريدون الدفاع عن أنفسهم، فلم يمهلهم الرسول ﷺ، بل غزاهم هو بنفسه ﷺ. وهذا هو الحزم والسياسة؛ أن ولي أمر المسلمين إذا علم أن
[ ١ / ١٥٨ ]
وللمشركين سِدْرَة يعكفون عندها وينُوطون بها أسلحتهم، يُقال لها: ذات أَنْواط، فمررنا بِسدْرَة فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أَنْواط كما لهم ذات أَنْواط.
_________________
(١) هناك من الكفار من يريد غزو المسلمين يبادر إلى ذلك العدو، ولا يمهله. وأبو واقد كان من الذين أسلموا في هذا العام، ولهذا قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حُنَيْن ونحن حُدَثاء عهد بكفر" يعني: أن إسلامهم كان جديدًا متأخرًا، وهو يريد بذلك بيان العذر مما وقع منهم، أنهم كانوا جُهّالًا، لم يتفقّهوا كما كان الصحابة الذين مع الرسول ﷺ فقهاء، عرفوا العقيدة ودرسوها، لكن هؤلاء أسلموا قريبًا، ولم يتمكّنوا من التفقّه في العقيدة، وكانوا آلفين لأشياء من دين الجاهلية، لم يتخلّصوا منها بعد. قال العلماء: فهذا فيه دليل على أن الإنسان إذا عاش في بيئة فاسدة ثم انتقل منها؛ أنه قد يبقى في نفسه منها شيء. فهذا كان في بيئة شركية، وأسلم قريبًا. وهذا دليل على آفة الجهل، وأن الإنسان قد يقع في الشرك بسبب الجهل، وفيه الحث على تعلم العقيدة ومعرفتها والتبصّر فيها خشية أن يقع الإنسان في مثل ما وقع فيه هؤلاء، فالذين ينادون اليوم بتهوين أمر العقيدة، ويقولون: لماذا يدرسون العقيدة وهم مسلمون؟، يا سبحان الله، المسلم هو أولى بدراسة العقيدة من أجل أن يصحِّح إسلامه، ومن أجل أن يحفظ دينه، هؤلاء مسلمون ومع هذا وقعوا في هذه القضية بسبب أنهم لم يتعلموا، ففي هذا دليل على وجوب تعلم العقيدة الصحيحة، ووجوب تعلّم ما يضادها من الشرك والبدع والخرافات؛ حتى يكون الإنسان على حذر منها، وما أوقع اليوم عُبّاد الأضرحة- أو كثير منهم- في عبادة القبور إلاَّ بسبب الجهل، ويظنون أن هذه من الإسلام، فهذه مصيبة عظيمة، حتى سمعنا أن بعض الدعاة يدعون - في أمريكا وفي غيرها- إلى دين الصوفية وإلى دين القبوريّة، فهم أخرجوهم من كفر إلى كفر، وكونه يبقى على كفره، أخف من كونه ينتقل إلى كفر يسمّى باسم الإسلام. وقوله: "وللمشركين سِدْرَة يَعْكُفُون عندها" العُكُوف هو: البقاء في المكان، يقال: اعتكف في المكان إذا أطال الجلوس فيه، واعتكف في المسجد يعنى: جلس في المسجد للعبادة.
[ ١ / ١٥٩ ]
فقال رسول الله ﷺ: "الله أكبر، إنها السُّنَن، قلت- والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ لتركبن سُنَن من قبلكم" رواه الترمذي وصحَّحه.
_________________
(١) "ويُنَوطُون بها أسلحتهم" النَّوْط هو: التعليق، وغرضهم من هذا العكوف والنوط التبرك بهذه الشجرة. "فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أَنْوَاط كما لهم ذات أَنْوَاط" أعجبهم عمل المشركين، فظنوا أن هذا عمل سائغ، وهم يحرصون على تحصيل البركة، فطلبوا من النبي ﷺ أن يجعل لهم شجرة يَعْكُفُون عندها، ويَنُوطُون بها أسلحتهم طلبًا للبركة، ولكن انظروا إلى أدب الصحابة مع الرسول ﷺ حيث لم يقدموا إلى هذا الأمر من عند أنفسهم، بل رجعوا إلى الرسول ﷺ، فالمسلم إذا أعجبه شيء ويظن أنه خير فلا يستعجل حتى يعرض هذا على الكتاب والسنة ويسأل عنه أهل العلم الثقات. فهذا فيه دليل على وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة في أمور العبادة، وأن الإنسان لا يعمل باستحساناته، أو استحسانات غيره، بدون أنه يرجع إلى الكتاب والسنة، وهذا يدل على أن العبادات توقيفية. فقوله: "فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أَنْواط" يعني: شجرة نعلّق بها أسلحتنا للبركة، ونجلس عندها للبركة. "فقال ﷺ: "الله كبر، إنها السُّنَن" النبي ﷺ غضب لما قالوا له هذا الكلام وتعجّب، وكبّر الله ﷾ تنزيهًا لله ﷿ عن هذا العمل. وهذه عادة النبي ﷺ أنه كان إذا أعجبه شيء أو استنكر شيئًا أنه يسبح أو يكبر. "إنها السُّنن" أي: الطرق المسلوكة، أي: السبب أن الذي أوقعكم في هذا هو التَّشَبُّه بما عليه الناس، فالتَّشَبُّه بالكفار في عباداتهم وتقاليدهم الخاصة بهم، آفة خطيرة: "من تشبه بقوم فهو منهم"، وما أصاب بعض المسلمين من الأمور الشنيعة، أغلبه من جهة التَّشَبُّه بالكفار، أوّل ما حدث الشرك في مكة هو بسبب التَّشَبُّه بالكفار، لأنه لما ذهب عمرو بن لُحَيْ إلى الشام، ووجد أهل الشام يعبدون الأصنام، أعجبه ذلك، وجلبها إلى الحجاز، ومن ذلك الوقت فشا الشرك في أرض
[ ١ / ١٦٠ ]
الحجاز، فهو أول من غير دين إبراهيم﵊-، فهذه هي الآفة، هذه هي السُّنَن التي تعجّب منها النبي ﷺ.
ثم بيّن ﷺ خطر هذه المقالة، فقال: "قلتم والذي نفسي بيده" أقسم ﷺ ففي هذا مشروعية القسم على الفتوى إذا تحقق من إصابة الحق.
"كما قالت بنوا إسرائيل لموسى: " ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ " النبي ﷺ بيّن أن هذه عادة قديمة في العالم، وأنها حصلت على عهد موسى ﵇، وذلك أن الله لما نجّى بني إسرائيل من فرعون، وأغرق فرعون وقومه، ونجّى موسى وقومه، ومرّوا في طريقهم على قوم يعكفون على أصنام لهم.
﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ طلبوا من موسى أنه يجعل لهم صنمًا يعبدونه كهؤلاء الذين يعبدون الصنم، قال موسى ﵇: " ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ " السبب الذي أوقعكم في هذا هو الجهل بالتّوحيد، وهذا- كما ذكرنا- يُوجب على المسلمين أن يتعلموا العقيدة، ولا يكتفوا بقولهم: نحن مسلمون، نحن في بلاد إسلام، نحن في بيئة إسلامية، كما يقوله الجهال أو الذين يُثَبِّطون عن تعلّم العقيدة.
ففيه آفة الجهل، وان الجهل قد يوقع في الكفر بالله ﷿، وهذه خطورة عظيمة، ولا يُنجّي من هذا الجهل إلاَّ تعلّم العقيدة الصحيحة، والتأكُّد منها، وتدريسها، وتكرارها على الناس، وتعليمها للناس، ونشرها بكل وسيلة في المساجد، وفي المدارس، وفي وسائل الإعلام، وفي المجالس، وفي البيوت، وقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾، أي: عمل هؤلاء زائل وتالف ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لأنه شرك بالله ﷿، ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠)﴾ أي: أنا لا أَشْرَع لكم الشرك، وهل هذا جزاء النعمة أن الله فضلكم على العالمين، يعني: عالم زمانهم، أما بعد بِعثة محمد ﷺ فأفضل العالمين هم أمة محمد ﷺ.
فالحاصل؛ أن التبرّك بالأشجار والأحجار هو من سنة المشركين، ومن سنة الجاهلية، ومن فعله فهو متشبه بالكفار، وهو كافر مثلهم، لا فرق بين من يعبد القبر ومن يعبد اللات والعُزَّى، أو الذي يطلب البركة من الشجرة والذي يطلبها من الصنم، لا فرق بينهما.
[ ١ / ١٦١ ]
ففي هذا: بُطلان التبرّك بالأشجار والأحجار، وأنه شرك، لأن موسى ﵇ قال: ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾، فدلّ على أن من تبرّك بشجر أو حجر فقد اتخذه إلهًا، وهذا هو الشرك، واختلاف اللفظ لا يؤثر مع اتفاق المعنى، هؤلاء قالوا: "اجعل لنا ذات أَنْوَاط كما لهم ذات أَنْوَاط"، وبنوا إسرائيل قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، والرسول ﷺ جعل هذا مثل هذا، وإن اختلف اللفظ.
والآن عَبَدَة القبور يقولون: هذا ليس بشرك، هذا توسُّل، وهذا محبة للأولياء والصالحين. إن أولياء الله الصالحين لا يرضون بهذا العمل، ولا يرضون أن تُجعل قبورهم أوثانًا تُعبد من دون الله، والنبي ﷺ يقول: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، فدلّ على أن تعظيم القبور والتبرك بها يجعلها أوثانًا تُعبد من دون الله.
فالحاصل؛ أن هذا فيه دليل على أن العبرة في المعاني لا في الألفاظ، فاختلاف الألفاظ لا يؤثر، وإن سموه توسّلًا، أو سموه إظهارًا لشرت الصالحين، أو وفاءً بحقهم علينا- كما يقولون-، هذا هو الشرك، سواء بسواء، فالذي يتبرّك بالحجر أو بالشجر أو بالقبر قد اتخذه إلهًا، وإن كان يزعم أنه ليس بإله، فالأسماء لا تغير الحقائق، إذا سمّيت الشرك، توسلًا، أو محبة للصالحين، أو وفاءً بحقهم، نقول: الأسماء لا تغير الحقائق.
وفيه- أيضًا- مسألة مهمة: وهي أن حُسن المقاصد لا يغير من الحكم الشرعي شيئًا، هؤلاء لهم مقصد حسن، ولكن النبي ﷺ لم يعتبر مقاصدهم، بل أنكر هذا، لأن الوسائل التي تُفضي إلى المحاذير ممنوعة، صحابي مع رسول الله ﷺ يحمل السيف للجهاد، ما قصد إلاَّ الخير هو ومن معه، ومع هذا غضب النبي ﷺ عند مقالتهم، وجعلها مثل مقالة بني إسرائيل، فدلّ على أن المقاصد الحسنة لا تبرِّر الغايات السيّئة والمنكرة.
وفيه- أيضًا-: القاعدة العظيمة، وهي: خطورة التَّشَبُّه بالكفار والمشركين، لأنها تؤدِّي إلى الشرك، ولهذا قال ﷺ: "لتركبن سُنَن من قبلكم " وهذا فيه- أيضًا- عَلَم من أعلام النبوة، فإن النبي ﷺ أخبر أنه في المستقبَل سيكون في المسلمين من
[ ١ / ١٦٢ ]
يقلِّد الكفار، وهذا وقع كما أخبر ﷺ، فتقليد الكفار الآن على قدم وساق، إلاَّ من رحم الله ﷾ وهذا خبر معناه التحذير وليس مجرد خبر.
فهذا الحديث فيه التحذير من التَّشَبُّه بالمشركين والكفار في أفعالهم وعاداتهم الخاصة وتقاليدهم وطقوسهم.
أما الأمور المباحة فلا بأس بالأخذ بها، نأخذ من المشركين الخِبْرات المفيدة، نأخذ منهم البضائع، نأخذ منهم الأسلحة، هذه أمور كانت في الأصل لنا، يقول الله ﷾: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، هذه المنافع في الأصل للمسلمين، ولكن لما تكاسل المسلمون أخذها أعداؤهم، فلا مانع أن المسلمين يأخذون بهذه الأشياء المفيدة، وليس هذا من التَّشَبُّه، إنما لتَّشَبُّه هو تقليدهم في الأمور التي لا فائدة منها ولا قيمة لها، أو الأمور التي تدخل في العبادة والعقيدة والدين.
قد يُقال: أنتم تحرمون التبرّك بالأشجار والأحجار والقبور، في حين أن الصحابة -﵃كانوا يتبرّكون بريق النبي ﷺ وشعره ووضوئه، أليس هذا تبركًا بمخلوق.
فالجواب عن ذلك: أن هذا خاص بالنبي ﷺ وبما انفصل من جسده ﷺ لأنه مبارك، فما انفصل من جسده من ريق، أو عرق، أو شعر، أو وضوء، فإنه يُتبرّك به، أما التبرّك بغير النبي ﷺ فهذا لم يَرِد حتى مع أفضل الأمة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والعشرة المبشرين بالجنة، وأصحاب بدر، وأصحاب بيعة الرضوان، ما ذُكر أن المسلمين كانوا يتبرّكون بهؤلاء، لا بريقهم، ولا بعرقهم، ولا بشعورهم.
فالتبرك لا يجوز؛ لا بالأشجار، ولا بالأحجار، ولا بالأشخاص، ولا بالحُجْرة النبوية، ولا بقبر النبي ﷺ، كل هذا لا يجوز، لأن هذه أمور لم تكن منفصلة عن النبي ﷺ وليست من جسده ﷺ فلابد أن نعرف الجواب عن هذه الشُّبَه، لأنهم يُدْلُون بها.
[ ١ / ١٦٣ ]