* باب قول الله تعالى:
﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ الآية.
_________________
(١) هذا بابٌ عظيم، فقولُه- رحمه الله تعالى-: "باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ . مناسبة هذا الباب لكتاب التّوحيد: أنّ حسن الظنّ بالله ﷾ من واجبات التّوحيد، وسوء الظنّ بالله ﷿ ينافي التّوحيد، هذا وجه المناسبة لهذا الباب في كتابه التّوحيد. قولُه: "باب قول الله تعالى" يعني: ما جاء في تفسير هذه الآية الكريمة من آل عمران والآية الثانية من سورة الفتح، كلاهُما في موضوع واحد، وهو: سوء الظنّ بالله ﷾ وما توعّد الله عليه من العذاب والعُقوبة، لأنّه ينافي التّوحيد. والقصّة حصلت في وقعة أُحد لَمّا حصل على المسلمين ما حصل من إدالة العدو عليهم بسبب المخالفة التي حصلت في الجيش. لَمّا حصل ما حصل تكلّم المنافقون بكلام سيّئ، لأنّ المنافق دائمًا ينتهز الفرص التي يرى أنّ فيها غضاضةً على المسلمين ويشغلّها ويفسّرها ويكيّفُها على حسب هواه، دائمًا هذا في المنافقين إلى آخر الزمان، كلّما حصل على المسلمين شدّة أو كُربة أو ضائقة فرح المنافقون وجعلوا يفسِّرونها ويحلِّلونها بأن المسلمين ليسوا على شيء وأن دينهم ليس بشيء، ويظنون بالله غير الحق ظنّ الجاهلية، وظنّ السوء. ففي سورة آل عمران سمّاه ظنّ الجاهليّة، وفي سورة الفتح سمّاه ظنّ السّوء. قال في سورة آل عمران: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ لأنّ الجاهلية عدم العلم، فالذي ظنّ هذا الظنّ الخاطئ سببه عدم العلم بالله ﷾ وبأسمائه وصفاته وحمْدِه وحكمته.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ الآية.
قال ابن القيم في الآية الأولى: "فُسِّر هذا الظنّ بأنه سبحانه لا ينصُر رسولَه، وأن أمره سيضمحل.
وفسّر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته.
ففُسّر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يُتِمّ أمرَ رسوله ﷺ، وأن يُظهره على الدين كلِّه.
_________________
(١) وقال في سورة الفتح: ﴿ظَنَّ السَّوْءِ﴾ يعني: إساءة الظنّ بالله ﷿، وهو يخالف حسن الظنّ بالله ﷿، فحسن الظنّ بالله توحيد وسوء الظنّ بالله كفر. ثم ذكر الشيخ ﵀ كلام ابن القيِّم في تفسير الآيتين، وساقه من "زاد المعاد في هدي خيرِ العباد" باختصار. "قال ابن القيِّم: فُسِّر هذا الظن في الآية الأولى" يعني: آية آل عمران. "بأنّه سبحانه لا ينصُر رسولَه" وهذا ظنّ الجاهليّة. "وأنّ أمرَه سيضمحلّ" وهذا تكذيبٌ لقوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، والتكذيب لوعد الله كفر. "وفسّر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته. ففُسّر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يُتِمّ أمرَ رسولِه ﷺ، وأن يُظهره على الدين كلِّه " يعني في ذلك ثلاثة تفاسير: إنكار الحكمة في أفعاله ﷾، وإنكار الحكمة: كفرٌ وضلال، لأنّ الله وصف نفسَه بالحكمة، وسمّى نفسَه بالحكيم: ﴿حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، ﴿حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾، في كثيرٍ من الآيات، والحكمة: وضعُ الشيء في موضعه. فمن أنكر حكمة الله فإنّه يكفر بذلك، بخلاف من أثبتها وأوّلها فإنّه يُعتبر ضالًا في هذا التأويل، لأنّ الله جل وعلا حكيم لا يفعل شيئًا إلاّ لحكمة عظيمة، قد تظهر لنا وقد لا تظهر، والله جل وعلا لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا يفعل شيئًا لمجرّد المشيئة من غير حكمة، إنّما يفعل الأفعال لحكمة وغايةٍ عظيمة، كلُّ أفعاله ﷾ معلَّلة وكلُّها لحكمة.
[ ٢ / ٢٤١ ]
وليس من لازم ذلك: أن تظهر لنا الحكمة أو يظهر لنا التعليل، لكنّنا نقطع ونؤمن ونتيقّن أنّ أفعال الله جل وعلا ليس فيها عبث.
وفسّر بـ"إنكار القدر" وهذا- أيضًا- كفرٌ بالله، لأنّ القدر- كما سبق- هو الركن السّادس من أركان الإيمان.
وفسّر بـ "إنكار أن يُتِمّ أمرَ رسوله ﷺ، وأن يُظهره على الدين كلِّه" وهذا هو التفسير الثالث، وهو أنّ الله لا ينصر رسوله، وهذا تكذيبٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ .
قوله: "وأنّ أمرَه سيضمحلّ" يعني: أنّ هذا الدين الذي جاء به محمد ﷺ سيزول نهائيًّا ولا يبقى منه شيء، مثل سائر الدعوات والمذاهب الباطلة، تعيش فترة من الزمن ثم تنقطع وتذهب بذهاب أصحابها وذهاب أحزابها وجماعاتها وهذا التفسير باطل، لأن الحق لابد أن يبقى مهما جرى عليه من الامتحان والضعف أحيانًا والمداولة لكنِ الحق يبقى ويستمرّ، فمن ظنّ أنّ أمرَ الرّسول ﷺ سيضمحلّ بسبب ما جرى من النكَبات التي جرت على المسلمين، من ظنّ هذا فقد ظنّ بربّه ظنّ السَّوء.
والله لم يُجرِ هذه النكبات لأجل أن يُزيل أهل الدين ويُزيل الدين، إنّما أجرى هذه النكبات على الدين وعلى أهل الدين ابتلاءً وامتحانًا من أجل الرّجوع إليه ﷾ أو لخطأ ارتكبوه ووقعوا فيه، فالله يريد أن ينبِّههم من أجل أن ينقُّوا صفوفهم من الدّخيل ومن الخطأ، فيرجعوا إلى الله ﷾، فيُعيد لهم الله النصر والتمكين، هذه سنّة الله جل وعلا في خلقه.
وكذلك يريد أن يمحِّص الذين آمنوا، يخلِّصهم من الذّنوب والمعاصي ليقدموا على الله مطهّرين ليس عليهم سيّئات.
هذه حكمة الله ﷾، لا يريد بالنكبات التي تجري على عباده المؤمنين أن يُزيلَهم وأن يُزيل حقّهم الذي هم عليه، أبدًا، تأبى حكمة الله ذلك، وإنّما يُريد أن يثبِّت هذا الحق وأن يُزيل عنه الدّخيل وأن يُزيل عنه ما أصاب أصحابه من الأُمور المخالفة حتى يرجعوا إلى الله ﷾ ويثوبوا إليه، فعند ذلك تعود إليهم عزّتهم ومكانتُهم.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
وهذا هو ظنّ السوء الذي ظنّه المنافقون والمشركون في سورة الفتح.
وإنّما كان هذا ظنّ السوء؛ لأنّه ظنّ غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق.
_________________
(١) هذه سنّة الله في خلقه من قديم الخليقة إلى أن تقوم الساعة، كم جرى على الرّسل؟، وكم جرى على أتباعهم من النكبات ومن المُعضلات؟، ولكن العاقبة تكون لهم دائمًا وأبدًا، والحق لا يزال ولله الحمد. قوله: "وهذا هو ظن السوء" أي: من نفى القدر، وأن حدوث الأشياء بدون إرادته ﷾، وبدون قدره؛ فقد ظنّ بربّه ظنّ السّوء، ووصف ربّه بالعجز والجهل وعدم العلم، تعالى الله عمّا يقولون. قوله: "وإنّما كان هذا ظنّ السَّوء؛ لأنّه ظنّ غير ما يليق به سبحانه" ظنّ ما لا يليق به ﷾ وهو العَبث. "وما لا يليق بحكمته وحمدِه ووعده الصّادق" لأنّه ﷾ محمودٌ على كلّ حال، على ما يكره العباد وعلى ما يحبّون، لأنّه من قِبَل الله محمود، فإيقاعُ العقوبة فيمن يستحقّها عدلٌ منه ﷾ يُحمد عليه، وإيقاع الهلاك بالأُمم الكافرة يُحمد عليه ﷾ لأنّه جزاء، ونزول النعم بأهل الإيمان والنصر والتوفيق وأهل الإتّباع فضلٌ من الله ﷾، فهو المحمود على كلّ حال على المحامد وعلى المكاره، لأنّه ليس من قِبَله شيء عبث أبدًا. فالذي يعرف الله ويعرف أسماءه وصفاته ومقتضى حمدِه؛ فإنّه لا يقع في هذه الأغلاط أبدًا، حتّى ولو بلغ به الأمر والشدّة ما بلغت، لأنّه يعلم أنّ الله لا يفعل إلاّ ما فيه خير له، فيصبر ويرضى بقضاء الله وقدره وينتظر الفرج، ولا ييأس من رحمة الله، بل ينتظر رحمة الله، كلّما اشتدّ الكرب انتظر رحمة الله، بل يزيد الرجاء عند شدّة الكرب، كما قال ﷺ: "واعلم أنّ النصر مع الصبر، وأنّ الفرج مع الكرب، وأنّ مع العُسر يُسرًا"، والله جل وعلا يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾، ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾، فكلّما اشتدّ الأمر انفرج.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
فمن ظنّ أنّه يُديل الباطل على الحقّ إدالةً مستقرّة يضمحلّ معها الحقّ، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحقّ عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئةٍ مجرّدة؛ فذلك ظنّ الذين كفروا، فويلٌ للذين كفروا من النّار.
_________________
(١) أما أهلُ النفاق وأهلُ الكفر وأهل الجهل فإنّهم عند الكَرْب يكفُرون بالله ﷿ ويقنطون من رحمة الله، ولهذا لَمّا أصاب المسلمين في أُحد ما أصابَهم كانت هذه كلماتهم القبيحة. قال ابن القيِّم: "فمن ظنّ أنّه يُديل الباطل على الحقّ إدالة مستقرّة يضمحلّ معها الحقّ، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره" هذا إعادة من الإمام ابن القيِّم ﵀ لتقرير هذه المسألة العظيمة. "أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحقّ عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجرّدة؛ فذلك ظنُّ الذين كفروا" من ظنّ أن الله يُديل الباطل على الحق إدالةً مستقرّة، الله قد يُديل الباطل على الحقّ أحيانًا، لكن هذه الإدالة مؤقتّة وليست مستقرّة، وإدالتُه على الحقّ لحكمة، وهي أنّ أهل الحق يتنبّهون ويتداركون الخطأ والنقص الذي حصل فيهم: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يعني: يطهِّرهم من رجس الذنوب والمعاصي بما نزل عليهم من العُقوبة، كما قال ﷾: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ولَمّا شقّ على أبي بكر- رضي الله تعالى عنه- قال: أيُّنا لم يعمل سوءًا يا رسول الله؟، فقال رسولُ الله ﷺ: "ألستَ تحزَن؟، ألستَ تَنْصَب؟، ألستَ تُصيبُك اللأوى؟ "، قال: بلى، قال: "فذلك ما تُجزون به". فالله جل وعلا قد يُجازي عبدَه المؤمن وهو يحبُّه، ويعاقبه لأنّه يحبّه؛ من أجل أن يخلِّصه من هذا الذنب، حتى يوافيَ ربّه طاهرًا نقيًّا ويدخُل الجنّة. أمّا الكافر عدوُّ الله فإنّ الله يصبُّ عليه النعم للاستدراج ويُمسكُ عنه العُقوبة حتى يوافي القيامة وهو محمّلٌ بالذّنوب فيكون من أهل النّار، هذه حكمة الله ﷾. بعض النّاس يقول: لماذا الكُفّار ينعَمون بالحضارة والصناعات، والجوّ الطيِّب، والبيئة الطيِّبة، والفواكه، والأشجار، والمحاصيل، والمسلمون في هذه الحالة، ثم يذهب به ظنّ السَّوء إلى أن يظنّ أنّ الكفّار على الحقّ، وأنّ الله راضٍ
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وأكثرُ النّاس يظنّون بالله ظنّ السّوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلاَّ من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده.
فليعتَنِ اللّبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله، وليستغفره من ظنّه بربّه ظنّ السوء.
ولو فتّشت مَن فتّشت؛ لرأيت عنده تعنُّتًا على القدر وملامةً له، وأنّه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا.
_________________
(١) عنهم، وأنّ المسلمين ليسوا على حق وأنّ الله ساخطٌ عليهم، ثم قد يرتدّ عن الدين. فالله جل وعلا يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحبّ، وأما الدين فإنّه لا يُعطيه إلاّ لمن يحبّ. وليس إنزال النعم أو إنزال النِّقَم دليلًا على المحبّة أو على البُغض والكرَاهة وإنّما هو ابتلاء وامتحان، فقد يعاقبُ الله من يحبُّه وقد يُنعم على من يُبغِضُه في هذه الدّنيا: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ . فهذا يجب أن يكون من المؤمن على بال، لكن ما يُدرك هذا إلاّ أهل الفقه وأهل العلم وأهل البصيرة وأهل النظر الصّائب. ثم قال ابن القيم ﵀: "فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا" فيتأمّله تأمُّلًا جيِّدًا، وهو أمر أفعالِ الله تعالى في عِباده، وليعلم أنّه لا يفعل شيئًا إلاّ لحكمة وقضاءٍ وقدر، ما يجري في هذا الكون شيء إلاّ لحكمة وقضاء وقدر، ولم يعد الله ﷾ بوعد إلاّ ولا بدّ أن يقع، ويتأمّل الإنسان نفسه حِيال هذه الحوادث: ماذا تقولُ نفسُه إذا رقع شيء ممّا يكره به أو بغيره، ولهذا يقول الإمام ابن القيِّم: "وأكثر النّاس يظنون بالله ظنّ السَّوء فيما يختص بهم، وفيما يفعلُه بغيرهم". وهذا موجودٌ في بعض بني آدم: "ولو فتَشتَ من فتّشت؛ لرأيت عنده تعنُّتًا على القدر وملامَة له" كما كان من إبليس، وما نتج عن تكبُّر إبليس وتعنُّته على الله جل وعلا.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
فمستقل ومستكثر، وفتّش نفسَك هل أنت سالم؟
فإنْ تنجُ منها تَنْجُ من ذي عظيمة وإلاَّ فإنّي لا إخالُك ناجيًا
_________________
(١) وكذلك بالنسبة لمن تشبّه به في الاعتراض على الله في أفعاله ﷾ وفي تصرُّفه في ملكه جل وعلا، وأنّه ينبغي أن يكون كذا وكذا. ثم قال: "وفتِّش نفسَك هل أنت سالم؟ " يجب على الإنسان أن لا يزكِّي نفسه أبدًا، يقول الله جل وعلا: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾، فالإنسان لا يزكِّي نفسه، بمعنى: يمدح نفسه ويُعجب بنفسه، ويظنّ أنه كامل، وأنّه من الأخيار، بل دائمًا الإنسان يتّهم نفسَه بالتقصير في حقّ الله تعالى. أمّا التزكية التي أثنى الله تعالى على أصحابها في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ فالمراد بتزكية النفس هنا تطهيرُها بالأعمال الصالحة وترك الأعمال السيّئة، هذه تزكية النفس، شغلُها بالأعمال الصّالحة وتجنيبُها للأعمال السيّئة. فهناك تزكيةٌ منهيٌّ عنها وهي: الإعجاب والمدح للنفس، وهناك تزكية مأمورٌ بها وهي الإصلاح والتوبة والعمل الصالح: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾، وتوعّد الله الذين لا يزكون أنفسهم قال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قال بعض المفسرّين: المراد بالزّكاة هنا: تزكية النفس، لأن الآية مكية، والزكاة بالأموال لم تكن نزلت إلاّ في المدينة، وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾ قالوا: والمراد بالزكاة هنا: زكاة النفس، لأنّ الآية مكيّة- أيضًا-، فتزكية النفس بالأعمال الصالحة مطلوبة مأمور بها. وقوله: "فتِّش نفسك هل أنتَ سالم؟ " يعني: لا تشتغل بعيوب النّاس وتنسى نفسك، فتِّش نفسك هل أنت سالم من هذا التعنُّت والملامة على القدر والاعتراض على الله ﷾ في الحوادث؟. قوله: "فإنْ تنجُ منها" يعني: من هذه المصيبة. فإنْ تنجُ منها تَنْجُ من ذي عظيمة وإلاَّ فإنّي لا إخالُك ناجيًا يعني: لا أظنُّك تنجو من هذه الفتنة. فهذا الباب في الحقيقة بابٌ عظيم، وبابٌ جليل، ومن أحب المزيد من هذا
[ ٢ / ٢٤٦ ]
الكلام الطيِّب فليراجع "زاد المعاد" في كلامه على غزوة أُحد، وما جرى فيها من المحنة على المسلمين، وما قاله المنافقون في هذه الغزوة.
فيُستفاد من هاتين الآيتين وتفسيرهما:
أولًا: أنّ حسن الظنّ بالله ﷿ واجبٌ من واجبات التّوحيد.
ثانيًا: أن سوء الظنّ بالله ﷾ ينافي التّوحيد أو ينافي كمالَه، ينافي أصلَه إذا زاد وكثُر واستمرّ، أو ينافي كمالَه إذا كان شيئًا عارضًا أو شيئًا خفيفًا أو خاطرًا في النّفس فقط ولا يتكلّم به بلسانِه، أمّا إنْ تكلّم به بلسانِه فإنّه يكونُ منافيًا للتّوحيد.
ثالثًا: فيه: إثبات القضاء والقدر، وأنّ ما يجري من المصائب والمحابّ والمكروهات والملاذ كلُّه بقضاء الله وقدره.
رابعًا: أن النّبي ﷺ ليس له من الأمر شيء، فلا يتعلق به ﷺ، وأنّما يُتعلّق بالله، لأنّ الأمر كلَّه لله جل وعلا، لا للرسول ولا لغيره، قد قال الله جل وعلا له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾، لما دعا ﷺ على أقوام من أهل مكّة فعاتبه الله قال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾، وقد تاب الله عليهم وأسلموا، وحسُن إسلامُهم، وصاروا من قُوّاد الجهاد في الإسلام.
فهذا فيه: أنّ الأمر لله ﷾، فلا يُتعلّق إلاّ بالله جل وعلا، أمّا الرّسول﵊- فإنّه رسولُ الله، هو مبلِّغٌ عن الله تعالى رسالاته، وهذه وظيفة الرّسل عليهم الصلاة والسلام البلاغ والأمر بيد الله.
خامسًا: فيها: إثبات الحكمة في أفعال الله ﷾، وأنّ الله لا يفعل شيئًا عبثًا.
سادسًا: فيها: أنّ وعد الله جل وعلا لابدّ أن يتحقّق، ولا يتخلّف وعدُ الله ﷾ أبدًا، وهو وعد بأنّ هذا الدين سيظهر، وماذا كان الواقع؟، أليس الدين ظهر في المشارق والمغارب؟، أليس بلغ هذا الدين مبلغ الليل والنّهار؟، أليستْ دخلتْ فيه دول الأرض الكبرى: فارس والرّوم وبلاد الشّرق والغرب، هل بقي في الأرض مكان لم يصل إليه هذا الدين؟، هذا وعد الله ﷿: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ولم ينته أمره بوقعة أحد كما ظن ذلك المنافقون.
[ ٢ / ٢٤٧ ]