[الباب الثالث عشر:] * بابٌ من الشرك الاستعاذة بغير الله
وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ .
_________________
(١) وهذا كالأبواب التي قبله في بيان أنواع الشرك التي يمارسها بعض الناس في مختلف الأزمان، ولا تزال تُمارس عند كثير من الناس. والاستعاذة معناها: الاعتصام والالتجاء إلى الله ﷾ في دفع المكروه والشرور. وهو نوع من أنواع العبادة، لأن دفع الضرر، ودفع الشرور لا يقدر عليه إلا الله ﷾، فكل ما لا يقدر عليه إلاَّ الله فإنه لا يُطلب إلاَّ من الله، فإن طُلب من غيره كان ذلك شركًا، هذا وجه كون الاستعاذة بغير الله من الشرك، لأن الاستعاذة عبادة، وصرف العبادة لغير الله شرك، لماذا كانت عبادة؟، لأنها طلب دفع الضرر الذي لا يقدر على دفعه إلاَّ الله، وطلب ما لا يقدر عليه إلاَّ الله من غير الله شرك، ولأن الله تعالى أمر بالاستعاذة به دون غيره، قال تعالى في آيات من القرآن: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾، وقال تعالى لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، كما أنه سبحانه بيّن أن الاستعاذة بغيره من الشرك وذلك في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾، وفي سورة الأنعام: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾، ففي هذه الآيات ما يبيّن أن الله أمر بالاستعاذة به وحده، ومنع من الاستعاذة بغيره، فدلّ على أن الاستعاذة عبادة، لا يجوز أن تُصرف لغير الله ﷾. قال الشيخ ﵀: "وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ " هذه من جُملة الانتقادات التي انتقدها الجن الذين استمعوا للقرآن
[ ١ / ١٨٦ ]
وآمنوا به، انتقدوها على قومهم من الجن، كما في قوله تعالى في أول السورة: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا (٣)﴾، وبعد ما نزّهوا الله عن الشرك، وتبرءوا منه، جعلوا ينتقدون أقوامهم وما يفعلونه مما يخالف التّوحيد، ولهذا قالوا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَدًا (٧)﴾ إلى آخر السورة، وذلك أن النبي ﷺ لما خرج إلى أهل الطائف يدعوهم إلى الله ﷾، فردُّوه ردًّا قبيحًا، وأَغْرَوْ عبيدهم وسفهاءهم يرجمونه بالحجارة ﵊ رجع إلى مكة، وقد خرج من مكة على حالة شديدة: مات عمه الذي كان يدافع عنه، وماتت زوجته خديجة التي كانت تُؤَنِّسه، وكانت له نِعْم المعين على دعوته، ثم لما خرج إلى الطائف أُصيب بهذا الرد القبيح، اشتدت به الحال ﷺ جدًّا، وبينما هو كذلك يسّر الله له من الجن من استمع إلى القرآن وآمن به، وذلك أنه لما رجع من الطائف، وبلغ وادي نَخْلَة - بين مكة والطائف-، قام يصلي الفجر ويقرأ القرآن، واستمع له الجن، فأُعجبوا بالقرآن- كما في هذه السورة، وفي سورة الأحقاف-: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ يعني: بعد التوراة، ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾، وفي سورة الجن: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾، فهذا فيه فرج من الله ﷾ لنبيه، وتسلية لنبيه، وأن الله يقيِّض له من يتبعه ويؤمن به، لأنه مبعوث إلى الإنس والجن.
" ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ﴾ " الإنس: بنو آدم.
" ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ " الجن المُراد بهم: عالم من عالم الغيب، يعيشون معنا في هذه الأرض، وهم مكلّفون، مأمورون بطاعة الله، ومَنْهِيُّون عن معصية الله، مثل الإنس، لكننا لا نراهم، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ﴾ يعني: إبليس ﴿هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾
[ ١ / ١٨٧ ]
يعني: جماعته من الجن ﴿مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾، فهم يروننا ونحن لا نراهم، وقد يتصوّرون بصور متشكّلة، ويتصوّرون بصور حيّات، وبصور حيوانات، وبصور آدميين، أعطاهم الله القُدرة على ذلك، وهم عالم مخلوق من نار، والإنس خُلقوا من الطين، كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾ يعني: من الطين، ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ الجان: جمع جنِّي، سُمُّوا بالجن لاجتنانهم أي: استتارهم عن الأنظار، ومنه سُمِّي الجَنين في بطن أمه لأنه لا يُرى، فهو مُجْتَنّ في بطن أمه، ومنه المِجن الذي يتّخذ في الحرب يتوقّى به المقاتل سهام العدو، سُمِّي مِجَنًّا لأنه يُجِنُّه من السهام، ومنه قوله ﷺ: "الصوم جُنّة" بمعنى: أنه ساتر بين العبد وبين المعاصي، يستتر به من المعاصي، ومن كيد الشيطان، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ ﴿جَنَّ عَلَيْهِ﴾ يعني: غطّاه ظلام الليل.
فالحاصل؛ أن الجن عالم خفي، لا نراهم، وهم يعيشون معنا، وهم مكلّفون كما كُلِّفنا بالأوامر والنواهي.
والإيمان بوجودهم من الإيمان بالقلب، تصديقًا لخبر الله ﷾، وخبر رسوله ﷺ، فوجود الجن ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، ومن جحد وجود الجن فهو كافر، لأنه مكذِّب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين، وهل كل ما لا يراه الإنسان يُنكر؟.
وقد ظهرت طائفة من جهلة الأطباء- كما يقول الإمام ابن القيّم-، وكذلك من بعض المفكِّرين والكُتّاب المنتسبين للإسلام؛ ينكرون وجود الجن، لأنهم لا يؤمنون إلاَّ بما تقرّه عقولهم، وعقولهم لا تتّسع للتصديق بهذه المغيّبات، وكذلك الجن يمسُّون الإنس ويخالطونهم ويصرعونهم، وهذا شيء ثابت، لكن من جَهَلَة الناس من يُنكر صَرْع الجن للإنس، وهذا لا يَكْفُر، لأن هذه مسألة خفيّة، ولكنه يُخطّأ، فالذي يُنكر مسّ الجن للإنس لا يُكَفَّر، ولكن يضلّل، لأنه يُكذِّب بشيء ثابت، أما الذي يُنكر وجودهم أصلًا فهذا كافر، فقوله تعالى: " ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ " أي: يلتجئون إليهم ليدفعوا عنهم الشرور.
" ﴿فَزَادُوهُمْ﴾ " زاد الجن الإنس، " ﴿رَهَقًا﴾ " أي: خوفًا، فالجن تسلّطوا على
[ ١ / ١٨٨ ]
وعن خَوْلَة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات التّامّات من شر ما خلق؛ لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك" رواه مسلم.
_________________
(١) الإنس لمّا رأوهم يعوذون بهم، وزادوهم خوفًا وقلقًا، وأُعجبوا بأنفسهم، وقالوا: إننا أَخَفْنا الإنس، وصاروا يستعيذون بنا. وسبب نزول هذه الآية: أن العرب كانوا في الجاهلية إذا نزلوا منزلًا قال أحدهم: أعوذ بسيّد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ . فهذه عقيدة جاهليّة، أبطلها الله ﷾ بالأمر بالاستعاذة به وحده لا شريك له، وذلك في قوله: "عن خَوْلَة بنت حكيم"- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ قال: "من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامّات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك" رواه مسلم. هذه هي الاستعاذة الشرعية البديلة من الاستعاذة الشركية. فقوله: "أعوذ بكلمات الله التّامّات من شر ما خلق" كلمات الله: المُراد. بها: كلامه ﷾ المنزّل على رسوله ﷺ. والاستعاذة بالقرآن مشروعة، لأن القرآن كلام الله، فالاستعاذة بالقرآن استعاذة بصفة من صفات الله، وهي الكلام، وليست استعاذة بمخلوق. واستدلّ أهل السنّة والجماعة بهذا الحديث على أن القرآن غير مخلوق، لأنه لا تجوز الاستعاذة بالمخلوق، فلو كان القرآن مخلوقًا- كما تقوله الجهمية والمعتزلة- لصار هذا من الاستعاذة بالمخلوق، وهي شرك، كما دلّ هذا الحديث على مشروعية الاستعاذة بالله ﷿، وترك الاستعاذة بغيره ﷾. وقوله: "التّامّات" أي: الصادقات العادلات، التي لا يتطرّق إليها نقص، لأن كلام الله ﷾ كامل، لأن الله جل وعلا كامل وصفاته كاملة، وكلامه كامل لا يتطرّق إليه النقص: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ .
[ ١ / ١٨٩ ]
فكلمات الله تامّة، لا يتطرّق إليها نقص بوجه من الوجوه، ولذلك كان القرآن الكريم كاملًا، لا يتطرّق إليه نقص، واف بحوائج الناس، والحكم فيما بينهم، وإزالة الشكوك والشرك والكفر والإلحاد، وبيان الأحكام والعدل بين الناس، كل هذا في القرآن، لأنه كلام الله ﷾، وفضل كلام الله على كلام غيره كفضل الله ﷾ على خلقه.
فالحاصل؛ أن الكتاب والسنّة قد دلاّ على أن الاستعاذة عبادة، وما دام أنها عبادة، فالاستعاذة بغير الله تكون شركًا أكبر يَخرج به صاحبه من الملّة، فالذي يستعيذ بالجن أو بالشياطين يكون كافرًا الكفر الأكبر، مشركًا بالله ﷿، كالذين يكتبون الحُجُب والطلاسم، ويستعيذون بالشياطين وبِمَرَدَة الجن، ويكتبون أسماء الشياطين في كتاباتهم، وفي طلاسمهم، وكذلك الذين ينادون الجن عند الشدّة وعند الخوف هذا- أيضًا- كله من الشرك الأكبر لأنه استعاذة بغير الله ﷾، ومن هذا -أيضًا- من يستعين بالجن عندما يتخاصم مع أحد فيقول: يا جن خذوه، افعلوا به كذا وكذا. وهذا شرك بالله ﷿ إذا كان يقصد الاستعانة بهم، وكذلك الذي يعالج الناس بالاستعانة بالجن وسؤالهم عن المرض أو عن الذي سحر المريض.
وفي قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾، قال العلماء في تفسير هذه الآية: "استمتاع الإنس بالجن: أنهم يستعيذون بهم مما يكرهون، ويطلبون منهم ما يريدون، فالجن تخدمهم، وتحضّر لهم الغائب والبعيد، وتقضي بعض حوائجهم، لأن هناك أشياء لا يقدر عليها الإنس، فهم يستعيذون بالجن، ويستمتعون بالجن، بمعنى: أن الإنس يستخدمون الجن في بعض أمورهم، هذا استمتاع الإنس بالجن.
واستمتاع الجن بالإنس: أن الإنس يخضعون لهم ويعظمونهم ويجلّونهم، ففي هذا استمتاع للجن بالإنس، فكل من الفريقين استمتع بالآخر، هذا استمتع بحصول حوائجه، وهذا استمتع بتعظيمه، وصرفه هذا الإنسي إلى الكفر بدل الإيمان.
فدلّ على أن الاستعانة بالجن شرك أكبر، ولو سميت بغير الشرك، لو سميت: بالاستخدام، أو الزار، أو ما أشبه ذلك من الأسماء.
[ ١ / ١٩٠ ]
فالواجب أن الإنس يتوبون إلى الله ﷾ من ممارسة هذه الأعمال مع الجن.
والواجب على الجن: أن يتوبوا إلى الله من إضلال الإنس وإغوائهم، لأن الكُل عباد من عباد الله، يجب عليهم مخافة الله وخشيته والرغبة إليه، وطاعته، وطاعة رسله، وترك ما حرّم الله.
وقد تلاعب بعض الأشرار من الإنس بعقائد الناس، وبأكله لأموالهم، وشعوذته عليهم، ولاسيما عند البوادي والقرى البعيدة عن حضور مجالس الذكر، فإن هذا يكثر كلما كثر الجهل، وحقيقة هذا أنه عَمِيل للجن، وأنه مشرك بالله ﷿، ولا يقتصر شره على نفسه، بل يضلِّل الناس، ويُفسد عقائد الناس، ويأتي إليه الناس ويسألونه، ويُخبرهم بالمغيّبات، أو يأمرهم بالذبح لغير الله، أو غير ذلك من أنواع الشرك.
فهذه مسألة خطيرة، يجب على أهل العلم وعلى الدعاة إلى الله ﷾ أن يبيّنوها للناس، وأن يتجوّلوا في القرى، وفي البوادي، ويوضِّحوا هذا الأمر للناس، لأنهم - والله أمانة في أعناق طلبة العلم، وفي أعناق الدعاة-، هذا هو المطلوب.
أما أنك تتكلّم أمام الناس عن قضايا السياسة ونحوها؛ فهذه ما فائدة الناس منها؟، ما فائدة البدو في الصحراء، أو الناس في القرية، ما فائدتهم من هذه الأمور؟، وهم واقعون في الشرك، أو يجهلون قراءة الفاتحة التي هي ركن من أركان الصلاة؟!، يجب علينا أن نتقي الله ﷾، وأن نعلم أن منهج الرسول ﷺ: دعوة، وتعليم، وإرشاد، وتوجيه فيما ينفع الناس، وأيضًا معالجة ما وقع فيه الناس في بلدهم وفي أنفسهم. أما أنك تجلب لهم مشاكل من بعيد، وتريد منهم أن يعالجوا قضية أمريكا، أو قضية الجزائر، أو قضية السودان؟، وهم مساكين، ما بيديهم شيء، وأيضًا هم واقعون فيما هو أخطر من ذلك وهو الجهل وفساد العقيدة، لماذا لا تعالج هذا الأمر؟.
وأنا ليس غرضي بهذا الكلام أن أتنقّص أحدًا، لا والله، ولكن غرضي أن أبيّن الطريقة الصحيحة للدعوة، ونفع الناس.
فإن هذه الأبواب من أبواب "كتاب التّوحيد" تُعالج واقع الناس، لماذا
[ ١ / ١٩١ ]
لا نشرحها للناس، ونبيّنها للناس، ونوضِّحها، ونحفِّظهم هذه الآيات وهذه الأحاديث ونشرحها لهم، ولو شرحًا وجيزًا على قدر أفهامهم، ينتفعون بها؟.
هذه هي الدعوة إلى الله ﷿، وهذا العلم النافع.
تعلمون ما للدعاة من الأثر وماذا حصل بسبب دعوتهم من الخير:
فالشيخ: محمد بن عبد الوهاب، كيف أثر في دعوته من الإصلاح والنّفع للمسلمين، الذي لا نزال ننتفع به- ولله الحمد-.
الشيخ: عبد الله القرعاوي في الجنوب، كما تعلمون إلى عهد قريب، والآن تلاميذه وطلاّبه ماذا أثّر من الخير؟.
الشيخ: فيصل بن مبارك في الشمال، ماذا أثّر من الخير، ولا يزال تلاميذه الآن مصابيح هدى، يبيِّنون للناس الحق.
أما أن تجلب للناس مشاكل الخارج وتشغلهم بها؛ فهذه ما هي بدعوة إلى الله، وإنما هي اشتغال بأمور لا تفيد الناس، ولا تحل مشاكلهم، ولا تُصلح فسادهم، وإنما تُحْبِط أفهامهم، وقد تسبِّب سوء الظن بالمسلمين وبولاة الأمور، وتفرّق الكلمة. فالواجب علينا أن نتنبّه لهذا.
أنا ما أقول هذا من أجل الغَمْط من أحد، لا والله، ولكني أتأسف من واقع بعض الدعاة الذي تردّى إلى هذا المستوى.
ونسأل الله سبحانه أن يأخذ بأيدينا وأيديهم إلى الصلاح والفلاح والاستقامة، والسير على منهج الرسول ﷺ فيما ينفعنا وفيما ينفع الناس، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾، هذا منهج الرسل- عليهم الصلاة والسلام-.
نسأل الله ﷿ أن يوفقنا جميعًا لما فيه خيرنا وخير أمتنا، وصلاحنا وصلاحهم، وأن يصلح ولاة أمورنا، وأن يأخذ بأيديهم إلى ما فيه الخير للأمة، وما فيه صلاح الأمة.
[ ١ / ١٩٢ ]