* باب قول الله تعالى:
﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
_________________
(١) التوكل هو: التفويض، فالتوكل على الله: تفويض الأمور إليه سبحانه، وهو من أعظم أنواع العبادة. ومناسبة هذا الباب لكتاب التّوحيد: أنه لَمّا كان التوكل على الله عبادةً لله ﷿ وجب إخلاصه لله وترك التوكُّل على مَن سواه، لأن العبادة حقٌّ لله، فإذا صُرفت لغيره صار ذلك شركًا؛ فالتوكُّل على غير الله شرك- كما يأتي بيانه وتفصيله-. وهذا الكتاب المبارك ألّفه الشيخ ﵀ لبيان التّوحيد وبيان الشرك؛ فالتوكلُّ على الله وحده توحيد، والتوكُّل على غيره شرك. فهذا مناسبة هذا الباب لكتاب التّوحيد. قوله ﵀: "بابُ قول الله" أي: تفسير هذه الآيات؛ فهذا الباب يبيَّن فيه تفسير هذه الآيات الكريمات. فقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه الآية في سورة المائدة في قصة موسى ﵇ مع قومه لَمّا قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ يعني: أرض فلسطين، ليخلِّصوها من الوثنيين لأنها كانت بيد الوثنيِّين، وموسى ﵇ أُمر بالجهاد لنشر التّوحيد ومحاربة الشرك والكفر بالله وتخليص الأماكن المقدَّسة من قبضة الوثنييِّن، وهذا من أغراض الجهاد في سبيل الله. ﴿الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ لأن الله كتب أن المساجد والأراضي المقدَّسة للمؤمنين من الخلق من بني إسرائيل وغيرهم، ﴿كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ شرع أن تكون الولاية عليها للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾، فالوِلاية على المساجد خصوصًا المساجد المبارَكة وهي المسجد الحَرام ومسجد الرسول ﷺ والمسجد الأقصى وسائر المساجد تكون الولاية عليها للمؤمنين، ولا يجوز أن يكون للكفار والمشركين من الوثنيِّين والقبوريِّين سلطة على مساجد الله ﷾: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
[ ٢ / ٦٠ ]
بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وهذا سبق في الباب الذي قبل هذا.
قال تعالى في المسجد الحرام: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
فمساجد الله- خصوصًا المساجد الثلاثة- يجب أن تكون الولاية عليها للمسلمين، ولا يكون للمشركين عليها سلطة، ويجب على المسلمين أن يجاهدوا حتى يخلِّصوا هذه المساجد من أيدي المشركين.
فموسى ﵇ خرج ببني إسرائيل يريد تخليص بيت المقدس، ولكن بني إسرائيل كانوا قومًا جبناء: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ يقال كان فيها حينذاك قبيلة يقال لها: العماليق، كانوا شِدادًا في خلقهم أقوياء، ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ وهذا منتهى المهانة ومنتهى السُّخرية، لأن الكفار ليسوا بخارجين إلاَّ بالجهاد والجلاد والاستشهاد في سبيل الله.
﴿قَالَ رَجُلانِ﴾ يعني: من بني إسرائيل من أهل الرأي والإيمان والعزيمة.
﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يخافون الله ﷾.
﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيهِمَا﴾ أنعم الله عليهما بالإيمان والعزيمة الصادقة.
﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ يعني: اعزموا واهجموا عليهم حتى يروا منكم القوة، فإذا رأوا منكم القوة فإنهم يخرجون.
﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ لا شك أنه إذا حصل هجوم صحيح ودخل المجاهدون عليهم الباب أنه سيقع الرعب في قلوبهم ويخرجون منها، لكن هذا لا يكون إلاَّ من أهل الإيمان وأهل الصدق والعزيمة والبأس كما في رجال محمد ﷺ الذين كانوا يجاهدون ويهجمون على الكفار ويقتحمون الأبواب ويخاطِرون بأنفسهم.
وأيضًا فإنه لا يكفي دخول الباب، بل ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فهذا لا يحصل إلاَّ بالعزيمة الصادقة، والإقدام في سبيل الله، وتقديم النفس في سبيل الله، مع التوكُّل على الله وعدم الاعتماد على القوة، بل يعتمد على الله مع الأخذ بالقوة المناسبة.
[ ٢ / ٦١ ]
وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية.
_________________
(١) وهذا محل الشاهد من الآية؛ حيث قدّم المعمول وهو الجارّ والمجرور ﴿وَعَلَى اللهِ﴾، وأخّر العامل وهو ﴿تَوَكَّلُوا﴾ ممّا يفيد الحصْر، أي: توكّلوا على الله ولا تتوكّلوا على غيره. ففيه: وجوب إخلاص التوكُّل على الله ﷿، وأنه سببٌ من أسباب النصر على الأعداء مثل قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ قدّم المعمول وأخّر العامل، أصله: نعبدك ونستعين بك، ولكن قدّم المعمول وهو الضمير المنفصل ﴿إِيَّاكَ﴾ في الموضعين على العامل ﴿نَعْبُدُ﴾ و﴿نَسْتَعِينُ﴾ ليفيد الحصر أي لا نعبد إلاَّ إياك ولا نستعين بغيرك، وهذا هو الإخلاص والتّوحيد. قال: "وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية" أي: إذا خُوِّفوا بالله خافوا، وإذا ذكّروا بالله تذكّروا، وإذا قيل لهم: ﴿اتَّقُوا اللهَ﴾ خافوا من الله ﷿ وأشفقوا من عذابه، إذا وُعظوا وذُكِّروا فإنهم يخشون الله ﷾، بخلاف الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾، فإن المؤمن ينتفع بالموعظة والتذكير ويخاف من الله ﷾ إذا ذُكِّر به وخُوِّف به، وهذه علامة الإيمان؛ أما المنافق فهو وإن ادّعى الإيمان فإنه إذا ذُكِّر بالله ازداد عُتُوًّا ونفورًا وازداد طُغيانًا فتأخذَه العزّة بالإثم. ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ﴾ القرآنية ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وهذه علامة الإيمان؛ أن المؤمن إذا تُليت عليه آيات الله وسمع القرآن يزيد إيمانه ويقينه، وينتفع بالقرآن الكريم، خلاف المنافق؛ فإنه إذا تُليَ عليه القرآن لا يستفيد منه شيئًا، كما قال الله ﷾: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ . ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ هذا محل الشاهد من الآية للباب، فهي مثل الآية التي قبلها: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ .
[ ٢ / ٦٢ ]
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ﴾ الآية.
_________________
(١) وهنا يقول: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قدم المعمول أيضًا وهو الجار والمجرور على العامل وهو ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ ليُفيد الحصر، وبيان أن التوكّل عبادة يجب إفراد الله ﷾ فيها، ولا يجوز التوكُّل على غير الله؛ لأن من توكّل على غير الله فقد أشرك. وقد جعل سبحانه التوكل شرطًا في صحة الإيمان؛ فقال: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فمن توكّل على غير الله فليس بمؤمن. قال: "وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ﴾ الآية" هذا خطاب من الله ﷾ لنبيّه محمد ﷺ. فقوله: "يا أيها النبي" ناداه بصفته الكريمة: ﴿النَّبِيُّ﴾، والله تعالى لم يناد محمدًا باسمه أبدًا في القرآن بل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، فيناديه باسم النبوة وباسم الرسالة تكريمًا وتشريفًا له ﷺ. أما الإخبار عنه فإن الله يذكره باسمه، كقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، فهذا من باب الإخبار، فإذا جاء باب الإخبار يأتي باسمه ﷺ، وإذا جاء بالنداء فيناديه بصفاته الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ . ولذلك: عاب الله على الأعراب الذين وقفوا على الحُجُرات وقالوا: يا محمد؛ اخرج إلينا، قال الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ فيجب التأدُّب مع الرسول ﷺ حيًّا وميِّتًا. قوله: ﴿حَسْبُكَ اللهُ﴾ ﴿حَسْبُكَ﴾ يعني: كافيك، فالحسب هو: الكافي. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: وحسب من اتبعك من المؤمنين؛ فالـ (واو) عاطفة، ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ معطوف على ضمير المخاطَب المضاف إليه في قوله:
[ ٢ / ٦٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ الآية.
عن ابن عبّاس قال: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، قالها إبراهيم ﵇ حين أُلْقيَ في النار.
_________________
(١) ﴿حَسْبَكَ﴾: حسبك وحسب من اتّبعك، فحَذف المضاف في الكلمة الثانية اعتمادًا على ما جاء في الأولى من باب الاختصار والإيجاز؛ فقوله: ﴿وَمَنْ﴾ (الواو) عاطفة و﴿مَن﴾ في محل جر، عطف على ضمير المخاطَب المضاف إليه في قوله: ﴿حَسْبُكَ﴾، هذا هو الصواب الذي رجّحه الإمام ابن القيّم وأبطل ما سواه، فليس ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ معطوف على الله، فيكون مرفوعًا. ومحل الشاهد من الآية: ﴿حَسْبُكَ اللهُ﴾، فإذا كان حسبك الله فيجب التوكُّل على الله ﷾ والاعتماد عليه ﷾ وحده. لأنه يكفي من توكّل عليه، كما في الآية التي بعدها وهي قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي: يفوِّض أمره إلى الله ويعتمد على الله فإن الله حسبه، أي: كافيه جميع الأمور. أما من لم يتوكّل على الله فإن الله يَكِلُه إلى من اعتمد عليه كما في الحديث: "من تعلّق شيئًا وُكِل إليه"؛ فمن تعلّق بالله كفاه، ومن تعلّق بغيره خذله الله ووكله إلى ضعيف. قوله: " ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ " أي: لا على غيره. " ﴿فَهُوَ﴾ " أي: الله ﷾. " ﴿حَسْبُهُ﴾ " أي: كافيه. فهذا فيه: ثمرة التوكُّل على الله ﷾، وأن الله يكفي من توكّل عليه، ومن كان الله كافيه فإنه هو الرابح والمفلح في الدنيا والآخرة، ولا يخاف من غيره أبدًا، إنما يخاف من الله ﷾. قال: "وعن ابن عباس" هو: عبد الله بن عباس، حَبْرُ الأمة، وترْجُمان القرآن. "قال: " ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ " قالها إبراهيم ﵇ حين أُلْقيَ في النار، وقالها محمدٌ ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ الآية" هذه كلمة عظيمة قالها الخليلان: إبراهيم ومحمد- صلى الله عليهما وسلم-
[ ٢ / ٦٤ ]
وقالها محمدٌ ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ الآية"رواه البخاري والنسائي.
_________________
(١) في أضيق الأحوال وأحرج المواقف، وهكذا الأنبياء عند تأزُّم الأمور؛ لا يعتمدون إلاَّ على الله ﷾، ولا يلجئون إلاَّ إليه، وتزيد رغبتهم في الله عند الشدائد، ويُحسنون الظن بالله ﷾ دائمًا وأبدًا. فالأنبياء وأتباعهم لا يعتمدون إلاَّ على الله، خصوصًا عند المضائق وتأزُّم الأمور؛ يتوكّلون على الله ولا يضعُفون أو يخضعون لغير الله ﷾، أو يتنازلون عن شيء من عقيدتهم ودينهم أبدًا. قوله: "قالها إبراهيم ﵇ حين أُلقيَ في النار" إبراهيم ﵊ بعثه الله في قوم وثنيِّين في أرض (بابل)، يعبدون الكواكب، ويبنون لها الهياكل، وينحتون الأصنام التي على صورها، وكان أبوه يصنع الأصنام، ويبيعها على النّاس ويأكل من ثمنها. فبعث الله إبراهيم﵊- في هذه الأمة الوثنية يدعوها إلى التّوحيد وإخلاص العبادة لله ﷾، ويُنكر عليهم عبادة الأصنام، وبدأ بأبيه وقال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾، انظر التلطُّف، يكرِّر: يا أبت، يا أبت. وهكذا الداعية يتلطّف بالمدعو، كما قال تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾، لا يأتيه بعنف وقسوة وشدة، ويقول: هذا غَيْرة لله. "حين ألقي في النار" أي: قال هذه الكلمة حينما ألقاه قومه في النار انتصارًا لآلهتهم، فقال الله للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ . والشاهد في قوله: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، فهذا فيه: التوكُّل على الله ﷾، وبيان ثمراته، وأن ثمرة التوكُّل على الله حوّلت النار إلى برْدٍ وسلام على إبراهيم ﵊. فهذا فيه: فضيلة هذه الكلمة، وثمرة التوكُّل على الله ﷾. قوله: "وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ الآية" لَمّا حصلت غزوة بدر في السنّة الثانية من الهجرة، وانتصر
[ ٢ / ٦٥ ]
المسلمون فيها، وقتلوا صناديد الكفُار ورؤساءهم، وغَنِموا أموالهم؛ عند ذلك تشاور المشركون في مكة بقيادة أبي سفيان بن حرب، وأرادوا غزو رسول الله ﷺ انتقامًا لرؤسائهم الذين قُتلوا في بدر، ولآبائهم ولأموالهم التي أُخذت، فاجتمعوا بقيادة أبي سفيان بن حرب، وجاءوا بجيوش عظيمة -ونزلوا عند أحد، وهو الجبل الذي يقع شمالي شرق المدينة، فخرج إليهم رسول الله ﷺ بأصحابه بعد التشاوُر معهم: هل يخرج إليهم، أو يبقى في المدينة؟.
فكان الرسول ﷺ يميل إلى البقاء في المدينة، وهو رأي عبد الله بن أُبي، ولكنّ الصحابة الذين لم يحضروا بدْرًا ندِموا ندامة شديدة وعزَموا على الرسول ﷺ أن يخرج إليهم ليخرجوا كما خرج إخوانهم في بدر، ليستدركوا ما حصل وما فات عليهم في بدر.
فالرسول ﷺ نزل على رغبة هؤلاء الصحابة وخرج، وخرج المسلمون معه، ورجع عبد الله بن أبي المنافق مع جماعة من المنافقين، وانخذل من العسكر.
فخرج الرسول ﷺ بأصحابه وعسكر عند أحد، ونظّم أصحابه، وجعل جماعةً من الرُّماة على الجبل ليحموا ظهور المسلمين أن يأتيهم الكفّار من الخلف.
ثمّ دارت المعركة وصار النصر للمسلمين، فصاروا يجمعون المغانم، فلما رأى الذين على الجبل أن أصحابهم يجمعون المغانم ظنوا أن المعركة قد انتهتْ؛ أرادوا النزول من الجبل ليشاركوا في جمع الغنائم، فمنعهم قائدهم عبد الله بن جُبَيْر، لأن الرسول ﷺ قال لهم: "لا تتركوا الجبل سواء انتصرنا أو هُزمنا"، ولكنهم ﵃ اجتهدوا ونزلوا من الجبل، وأما رئيسهم فبقي طاعةً لرسول الله ﷺ.
فلما رأى خالد بن الوليد- وكان يومَ ذاك على الشرك- الجبل قد فرغ، وكان قائدًا محنَّكًا يعرف السياسة الحربية؛ دار بمن معه من كتيبة الخيل، وانقضّوا على المسلمين من خلف ظهورهم، والمسلمون لم يشعروا، فدارت المعركة من جديد، وعاقب الله المسلمين بسبب هذه المخالفة التي حصلتْ من بعضهم والعقوبة شملت المخالفين وغير المخالفين، لأن العقوبة إذا نزلت تَعُمّ، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ .
[ ٢ / ٦٦ ]
فدارت المعركة من جديد، وأصاب المسلمين ما أصابهم من القرْح، واستُشهد منهم سبعون من خيار الصحابة من المهاجرين والأنصار، وعلى رأسهم حمزة بن عبد المطّلب عم الرسول ﷺ، بل إن الرسول ﷺ أصابه ما أصابه؛ فكُسِرتْ رَباعيّته، وشُجَّ في رأسه، وسقط في حفرة، وأُشيع أنه قد مات. فأصاب المسلمين مصيبة عظيمة، ولكن أهل الإيمان لا يتغيّر موقفهم ولا يتزحزح أبدًا مهما بلغ الأمر، لا تضعُف عزيمتهم، اجتمعوا حول الرسول ﷺ يَذُبُّون عنه، ويحمونه من سهام المشركين، والمعركة لا تزال مستمرة، والرسول مشجوج، والمِغْفَر قد هشم على رأسه ﷺ.
ثمّ انتهت المعركة، وأُعلن أنّ محمدًا ﷺ لم يُقتل، فحينئذ فرح المسلمون فرحًا شديدًا، واغتاظ المشركون غيظًا شديدًا.
فانصرف المشركون إلى مكّة، والنبي ﷺ أمر أصحابه أن يدفنوا الشهداء، وأن يدفنوا الاثنين والثلاثة في قبرٍ واحد، لكثرة الأموات، ولضعف المسلمين في هذه الحالة، فدفنوهم في مكان الشهداء المعروف عند أحد، وحملوا الجرْى إلى المدينة.
ولَمْا وصلوا إلى المدينة جاءهم مندوب من أبي سفيان بأنه سيعيد الكرّة عليهم، ويرجع عليهم ويستأصل بقيّتهم، فما زادهم ذلك إلاَّ إيمانًا، وأمر الرسول ﷺ الذين خرجوا معه إلى أُحُد أن يخرجوا ولا يخرج معهم غيرهم، فخرجوا مع الرسول ﷺ بجراحهم ونزلوا في مكان يقال له: (حمراء الأسد) - قريب من المدينة - ينتظرون الكفّار.
لما بلغ أبا سفيان ومن معه أن الرسول ﷺ خرج في أَثَرهم وفي طلبهم أصابهم الرعب، وقالوا: ما خرجوا إلاَّ وفيهم قوة. فمضوا إلى مكة خائفين من الرسول ﷺ، ورجع المسلمون إلى المدينة سالمين.
وأنزل الله ﷾ قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢» الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ .
هذا قول أبي سفيان أننا نأتي ونقضي على بقيّتهم ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا
[ ٢ / ٦٧ ]
اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ *) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾ .
هذه ثمرات التوكُّل على الله ﷾، وهذه ثمرات الاعتماد على الله، كما صارت النار برْدًا وسلامًا على إبراهيم؛ صارت هذه المعركة وهذه التخويفات بردًا وسلامًا على صحابة رسول الله ﷺ.
فقه الباب وما يُستفاد من النصوص، وذلك في مسائل:
المسألة الأولى: يؤخَذ من هذه الآيات وأثر ابن عباس ﵄ أن التوكُّل على الله عبادة يجب إخلاصها لله ﷾، وأن التوكُّل من أعظم أنواع العبادة.
المسألة الثانية: التوكُّل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله شركٌ أكبر، كالذين يتوكّلون على الأصنام، أو على أصحاب القبور، أو على الأولياء والصالحين في جَلْب الأرزاق، ودفع المضار، وشفاء المرضى، وغير ذلك.
المسألة الثالثة: يؤخَذ من هذه النصوص: أنّ التوكُّل على الله شرط في صحّة الإيمان لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾؛ فدلّ على أن التوكل على الله شرطٌ لصحّة الإيمان.
المسألة الرابعة: يُؤْخذ من هذه النصوص: أن الإيمان يزيد وينقص كما هو مذهب أهل السنّة والجماعة خلافًا للمرجئة الذين يقولون: الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص.
وهذه مسألة عظيمة معروفة عند أهل السنّة والجماعة، ومن أدلتها: هذه الآية: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، فدلّ على أن الإيمان يزيد، وإذا كان يزيد فهو ينقص، لأن كل شيء يزيد فهو ينقص، فمن لازِم الزيادة النُّقصان.
وكما في قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ .
وكذلك قوله ﷺ: "الإيمان بِضْعُ وسبعون شُعبة، أعلاها: قولُ: "لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق" دلّ على أن الإيمان يتفاوت، منه ما هو أعلى ومنه ما هو دون ذلك.
[ ٢ / ٦٨ ]
وقال ﷺ: "من رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" دلّ على أن الإيمان يضعُف.
وفي الحديث الآخر: "أنه يُخرج من النار من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان" فدلّ على أن الإيمان ينقص حتى يصير كوزن الحبة من الخردل، وأنه يزيد حتى يكون كالجبال.
فالإيمان يزيد وينقص، هذا مذهب أهل السنّة والجماعة، وفي ذلك أيضًا رَدٌّ على الخوارج والمعتزلة الذين يكفّرون بالذنوب الكبائر.
المسألة الخامسة: في الحديث دليلٌ على وجوب الأخذ بالأسباب مع التوكُّل على الله سبحانه؛ لأنه لَمّا ذكر التوكُّل على الله ذكرت الأعمال، فقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾، فالتوكُّل على الله لا يكفي، لا بد من الأعمال الصالحة، لا بد من الصلاة والصيام والحج والجهاد في سبيل الله، وفعل الأسباب التي تنفع مع التوكُّل على الله ﷾.
[ ٢ / ٦٩ ]