*بابُ ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان
_________________
(١) قوله ﵀: "باب ما جاء" أي: من الأدلة في الكتاب والسنّة. "أن بعض هذه الأمة" يعني: وليس كلها، فالأمة لا تجتمع على ضلالة- ولله الحمد-، بل يبقى فيها من يثبت على الحق، كما قال ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله "، فهذه الأمة لا تضل كلها، وإنما يضل الكثير، ولكن يبقى من هذه الأمة من يثبت على الحق إلى أن تقوم الساعة. فهذا من فضل الله ورحمته. ولهذا قال المصنف ﵀: "أن بعض هذه الأمة"، وهذا من دقة فقهه ﵀، وعدم تسرعه في الأحكام، بخلاف الذين يكفرون عوام الأمة كما عليه بعض الكتاب المعاصرين. "يعبد الأوثان" أي: يشرك بالله ﷿، والأوثان- كما سبق-: جمع وثن، والمراد به: كل ما عبد من دون الله من صنم، أو قبر، أو حجر، أو شجر، أو جن، أو إنس، كله يسمّى وثنًا؛ فالوثن كل ما عبد من دون الله؛ مأخوذ من وثن بالمكان إذا ثبت وبقي فيه. وقصد الشَّيخ ﵀ من هذه الترجمة: الرد على من زعم أنه لا يقع في هذه الأمة شرك، وهم عباد القبور يقولون: هذا الذي نعمله ليس بشرك، لأن هذه الأمة لا يقع فيها شرك؟ وإنما هو من باب التوسل بالصالحين، أو محبة الصالحين، أو ما أشبه ذلك من الأعذار الباردة. وهذه مقالة المشركين الأولين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾، لكن هؤلاء- والعياذ بالله- يقرأون القرآن ولا يفقهون معناه، أو يعرفون معناه، ويغالطون ويكابرون تبعًا لهواهم.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ .
_________________
(١) قال: "وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، هذا استفهام تقرير، أي: قد رأيت وعلمت يا محمَّد. " ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ " أي: حظًّا من الكتاب فالنصيب: الحظ؛ والمراد بهم اليهود، لأن الله أعطاهم التوراة التي أنزلها على موسى﵊- من عند الله، فهو كتاب عظيم من عند الله. وهذا من باب الإنكار عليهم، لأن المفروض أن الذي أوتي نصيبًا من الكتاب وعلم الحق يجب عليه أن يعمل به: فكونهم يخالفون الحق - وعندهم الكتاب- هذا دليل على غِلظ كفرهم وعنادهم. " ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ﴾ " أي: يصدقون بالجبت، وهو الشرك، أو السحر، أو الساحر، أو الكاهن، أو الشيطان، كل ذلك يسمى جبتًا. " ﴿وَالطَّاغُوتِ﴾ " في اللغة: مأخوذ من الطغيان، وهو: مجاوزة الحد؛ والمراد به هنا: ما تجاوز به العبد حدّه من معبود، أو متبوع، أو مطاع في غير طاعة"الله، كله طاغوت. ويقول العلامة ابن القيم: "الطواغيت كثيرون، ورؤوسهم خمسة: إبليس- لعنه الله- ومن عُبد وهو راض. ومن دعا النّاس إلى عبادة نفسه. ومن ادعى شيئًا من علم الغيب. ومن حكم بغير ما أنزل الله". " ﴿وَيَقُولُونَ﴾ " أي: يقول هؤلاء اليهود. " ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ " وهم مشركوا قريش ﴿هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أي: هؤلاء الكفار أهدى من الذين آمنوا سبيلًا، أي: منهج الكفار أهدى من منهج المسلمين المتبعين لمحمد ﷺ. وهذا وهم عندهم الكتاب، ويعرفون الحق من الباطل. وسبب ذلك: أن الرسول ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وبايعه الأنصار من الأوس والخزرج، وصارت للمسلمين دولة عظيمة في المدينة، اغتاظ اليهود الذين
[ ١ / ٣٢٥ ]
كانوا في المدينة من المسلمين، وضاقوا بهم ذرعًا، فذهب كعب بن الأشرف وحيّي بن أخطب إلى المشركين في مكة يستنجدونهم على قتال الرسول ﷺ وأصحابه، فانتهز المشركون الفرصة وقالوا: أنتم أهل كتاب، تعرفون الحق من الباطل، بينوا لنا أنحن أهدى أم محمّد؟، فقالوا: وما أنتم وما محمّد؟ يعني: بينوا لنا صفتكم وصفة محمّد-، قالوا: محمَّد صنبور مبتور، قطّع أرحامنا وسب آلهتنا. ونحن نذبح الكوم، ونطعم الحجيج، ونسقي الحجيج، ونفك العاني، ونصل الأرحام. يصفون أنفسهم بهذه الصفات.
ومحمد قطع أرحامنا، وتبعه سراق الحجيج من غفار.
قالوا: أنتم خيرٌ وأهدى سبيلًا.
والشاهد من الآية للباب: أنه إذا كان في اليهود من يؤمن بالجبت والطاغوت فسيكون في هذه الأمة من يفعل ذلك تشبّهًا بهم، لأن الرسول ﷺ خبر أنه يكون في هذه الأمة من يتشبه باليهود والنصارى، ومن ذلك: التشبه بهم في الإيمان بالجبت والطاغوت.
وكذلك يوجد في هذه الأمة من يمجّد الكفار، وينتقّص المسلمين، كما كان اليهود يقولون: ﴿هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾، فمن النّاس من يثني اليوم على دول الكفر والإلحاد، ويصفهم بصفات الكمال والعظمة، ويتنقص المسلمين، ويصفهم بالتأخر والرجعية، إلى آخره، فهذا شيء موجود.
فدلّ على أن هذه الأمة يقع فيها ما وقع في اليهود من الإيمان بالجبت والطاغوت، ومن الشرك بالله ﷿.
وكل ما وقع في اليهود أو في النصارى فإنه سيقع في هذه الأمة من بعض أفرادها أو طوائفها من يفعله تشبّهًا بهم، فها هي الأضرحة، والبناء على القبور، والطواف بها، وإقامة الموالد، والاستغاثة بالأموات، والذبح والنذر لهم موجود، كما كان في اليهود.
وهذا الشاهد من الآية للترجمة.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ .
_________________
(١) قال: "وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ تمام الآية: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾، هذه الآية في الرد على الذين يسخرون من المسلمين ومن دينهم من اليهود والنصارى والوثنيين. يقول تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: أخبركم والاستفهام هنا المراد به: التقرير والتوبيخ. " ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ ": الذي زعمتم فينا. " ﴿مَثُوبَةً﴾ " منصوب على التمييز، يعني جزاء عند الله ﷾. " ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ﴾ " أي: طرده وأبعده من رحمته بسبب كفره، وهو أنتم أيها اليهود والنصارى. " ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ " والغضب ضد الرضا، فالله جلّ وعلا يرضى عق عباده المؤمنين ويغضب على الكافرين، وغضبه لا يقوم له شيء، والمغضوب عليهم هم الذين عندهم علم ولم يعملوا به، لأنهم عصوا الله على بصيرة. " ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ " مسخهم قردة وخنازير، بسبب كفرهم. والشاهد في قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ دلّ على أن في أهل الكتاب من يعبد كل الطاغوت، فلا بد أن يكون في هذه الأمة من يتشبّه بهم ويعبد الطاغوت. فالآية الأولى فيها: أنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت، وهذه الآية فيها أن فيهم من عبد الطاغوت، فلا بد أن يكون من هذه الأمة من يتشبّه بهم في ذلك. قال: "وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ هذا في قصة أصحاب الكهف، وذلك أن جماعة من الفِتيان في الزمان القديم آمنوا بالله، وأنكروا ما عليه أهل بلدهم من الشرك بالله، فلما ماتوا بنى قومهم عليهم مسجدًا لأجل التبرك بهم. ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ فقالوا: هؤلاء رجال
[ ١ / ٣٢٧ ]
عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القُذَّة بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟، قال: "فمن؟ " أخرجاه.
_________________
(١) صالحون، فيهم بركة، فيهم خير، نبني عليهم مسجدًا من أجل التبرُّك بهم، والصلاة عندهم، والدعاء عندهم، لأنهم من أولياء الله، ونفّذوا ذلك بقوة السلطة لا بقوة الحجة، لأنهم غلبوا على أمرهم، أي: تمكنوا من تنفيذ ما أرادوا بقوتهم. فالشاهد من الآية: أنه كان في أول الخليقة من يبني المساجد على القبور، فلا بدّ أن يكون في هذه الأمة من يبني المساجد على القبور، تشبُّهًا بهم، وقد وقع هذا، ووُجِد في هذه الأمة من يبني المساجد على القبور، فدلّ على وقوع الشرك في هذه الأمة كما وقع في الأمم السابقة عن طريق التشبُّه والمحاكاة. قوله: "عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لتتبعن،" سبق أن اللاّم هذه لام قسم، فهي على تقدير: والله لتتّبعن، وأكّده بالنون الثقيلة. "سنن" أي: طريق. فالسَّنن- بالفتح-: الطريق، أما السُّنن- بالضم- فهي جمع: سنَّة، وهي الطرق. فمن قرأه سَنَن فالمراد به: الطريق، وهذا هو المشهور. ومن قرأه سُنَن فالمراد به: جمع: سُنّة وهي: الطرق. والمعنى واحد. "حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة" حَذْوَ: منصوب على الحال، والقُذَّة: ريشة السهم الذي يُرمى به، والمعنى: تُشبونهم كما أشبهت ريشة السهم ريشة السهم الأخرى. "حتى لو دخلوا جُحْر ضب لدخلتموه" الجُحر- بالضم- هو: السَّرَب الذي يكون في الأرض، ومنه جُحر الضب، لأنه يحفر جحرًا من أعسر الجحور، ومع هذا لو دخله اليهود والنصارى لكان في هذه الأمة من يفعل ذلك تقليدًا لهم. وقد وقع ما أخبر به ﷺ، فالتقليد والتشبه بالكفار قائم على قدم وساق بأتفه الأشياء وأحقر الأشياء، لا لشيء إلاَّ لأنهم يفعلونه، والمقلد يرى أنهم أهل العقول، وأنهم أهل التقدم والحضارة، فيقلدهم من أجل ذلك.
[ ١ / ٣٢٨ ]
وهذا الحديث خبر بمعنى النهي، أي: لا تتشبّهوا بهم، ولا تقلّدوهم، وقد جاء النهي عن التشبّه بهم بقوله: "لا تشبّهوا باليهود والنصارى"، وقوله: "ومن تشبه بقوم فهو منهم".
والشاهد من هذا الحديث واضح: أنه يكون في هذه الأمة من يتشبّه باليهود والنصارى في كل شيء، واليهود والنصارى يعملون الشرك فلا بد أن يوجد في هذه الأمة من يعمل الشرك مثلهم سواء بسواء.
نعم، اليهود والنصارى بنوا على القبور، فيؤخذ في هذه الأمة من يبني على القبور تشبُّهًا بهم، والنصارى يعملون عيد المولد للمسيح ﵇ فيُوجد في هذه الأمة من يعمل عيد المولد لمحمد ﷺ تشبُّهًا بالنصارى.
كما وُجد في اليهود والنصارى من يحلق لحيته ويُوَفِّر شاربه، فوُجد من هذه الأمة من يحلق لحيته ويوفّر شاربه، إلى غير ذلك من أنواع التشبُّه التي لا تُحصى مصداقًا لقوله من باب التحذير والنهي: "لتتبعن سَنن من كان قبلكم حَذْو القُذَّة بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جُحْر ضب لدخلتموه".
فالشاهد منه: أنه لا بد أن يوجد في هذه الأمة من يتشبّه باليهود والنصارى في الشرك بالله ﷿، كما أنهم ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ فلا بدّ أن يوجد في هذه الأمة من يغلو بالأئمة، ويتخذهم أربابًا من دون الله، كما عند الصوفية الذين يتخذون رؤساء الطرق والمشايخ أربابًا من دون الله، يحلّلون ويحرّمون، ويقولون: المريد ينبغي أن يكون مع الشَّيخ كالميّت بين يدي غاسله. وكذلك من يتعصّب لشيخه ولو خالف الدليل إلى غير ذلك.
أما فقه هذه النصوص، فإنها تدلّ على مسائل كثيرة:
المسألة الأولى: في الآية الأولى دليل على أن من اليهود والنصارى من والطاغوت، الذي هو: الشرك، والسحر، والكِهانة، والطِّيرَة، والتّنجيم، والحكم بغير ما أنزل الله. فسيوجد في هذه الأمة من يؤمن بالجبت والطاغوت؛ تشبُّهًا بهم.
المسألة الثانية: في الآية دليل على أن الموافقة لهم في الظاهر تسمّى إيمانًا
[ ١ / ٣٢٩ ]
ولو لم يوافقهم في الباطن، لأن اليهود لما قالوا كفّار قريش: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا. هم في الباطن يعتقدون بُطلان هذا الكلام، لكنهم وافقوهم في الظاهر ليحصلوا على مناصرتهم لهم، ومع هذا سمّى الله هذا إيمانًا بالجبت والطاغوت.
فالذي يمدح الكفر والكفار ولو بلسانه، ويفضّل الكفر والكفار على المؤمنين؛ يُعتبر مؤمنًا بالجبت والطاغوت، ولو كان قلبه لا يوافق على هذا؛ ما لم يكن مُكرهًا، ففيه رد على مرجئة هذا العصر الذين يقولون: إن من تكلم بكلام الكفر لا يكفر حتى يعتقد بقلبه صحة ما يقول.
وهذه دقيقة عظيمة ذكرها الشَّيخ في المسائل، وهي عظيمة جدًا.
المسألة الثالثة: في الآية الثانية بيان أن في أهل الكتاب من عبد الطاغوت، بمعنى: أنه دعا غير الله، أو ذبح لغير الله، أو نذر لغير الله، فلا بد أن يكون في هذه الأمة من يعبد الطاغوت تشبُّهًا بهم.
ففيه الرد على من زعم أنه لا يقع في هذه الأمة شرك، لأن الحديث يدلّ على أنه يوجد من يتشبّه باليهود والنصارى في عبادة الطاغوت التي منها عبادة القبور والأضرحة، ومنها الحكم بغير ما أنزل الله، ومنها الشيء الكثير الذي كله من عبادة الطاغوت.
المسألة الرابعة: في الآية الثانية دليل على ذكر عيوب المردود عليه، وذلك في قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ففيه ذكر معائب المردود عليه حتى يَخْتَزِى ويُفْحَم في الخصومة.
المسألة الخامسة: في الآية رد على من يقول: إنه ينبغي ذكر محاسن المردود عليه وهو ما يسمونه بالموازنات.
وذكر محاسن الطوائف الضالّة والأشخاص الضالين من المبتدعة وغيرهم، ووجه الرد: أن الله ذكر في هذه الآية معايبهم، ولم يذكر لهم شيئًا من المحاسن.
ففي الآية ردٌّ صريح على هذه المقالة التي يراد منها السكوت عن البدع والخرافات أو ذكر محاسن المبتدعة والمخالفين للحق.
[ ١ / ٣٣٠ ]
ولمسلم عن ثوبان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله زَوَى ليَ الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوِيَ لي منها.
_________________
(١) المسألة السادسة: في الآية الثالثة دليل على أنه كان في الأمم السابقة من يبني المساجد على القبور، فلا بد أن يوجد في هذه الأمة من يبني المساجد على القبور وقد وقع هذا. ففيه ردٌّ على من زعم أنه لا يقع في هذه الأمة شرك، ووجه الرد: لأن بناء المساجد على القبور وسيلة إلى الشرك. المسألة السابعة: في الحديث دليل على معجزة من معجزاته ﷺ، حيث أخبر أنه سيكون في هذه الأمة من يتشبّه باليهود والنصارى، وقد وقع كما أخبر ﷺ. المسألة الثامنة: في الحديث دليل على تحريم التشبّه باليهود والنصارى، لأن الحديث خبرٌ معناه النهي والإنكار على من فعل ذلك. المسألة التاسعة: في الحديث دليل للتّرجمة: أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، لأن في اليهود والنصارى من يعبد الأوثان، فلا بد أن يوجد في هذه الأمة من يتشبّه بهم فيعبد الأوثان، كما هو واقع وحاصل في عبادة القبور والأضرحة الآن لا بكثرة وعلى مَسْمع من علماء المسلمين ومرأى ولم ينكر ذلك الكثير منهم، بل بعضهم أجازه وشجع عليه. ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم. هذا حديث عظيم فيه أمور مخيفة، وفيه أخبار عظيمة، وفيه بشارة: فقوله: "عن ثوبان، ثوبان هو: مولى رسول الله ﷺ، والمولى معناه ث العتيق، لازم الرسول ﷺ، وله فضائل كثيرة ﵁. "أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله زَوَى ليَ الأرض" يعني: جمعها، وحواها وطواها له ﷺ حتى صارت حجمًا صغيرًا، يرى النبي ﷺ أطرافه ما بعُد منها وما قرُب، والله قادر على كل شيء. أو أن المراد- والله أعلم- أنه قوّى بصر رسوله ﷺ فصار يري كل الأرض مشارقها ومغاربها، كما حصل له ﷺ لما سأله المشركون عن بيت المقدس، حيث
[ ١ / ٣٣١ ]
وأُعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض.
_________________
(١) قوّى بصر رسوله فصار ينظر إلى بيت المقدس وهو في مكّة يخطب في المشركين، ويصف لهم المسجد عن معاينة ومشاهدة، حتى ذكر لهم علاماته والأشياء التي يعرفونها فيه، وحتى إنه أخبرهم عن عيرهم التي في الطريق التي كانوا ينتظرونها، أخبرهم أين هي؟. "فرأيت مشارقها ومغاربها" رأى المشرق والمغرب وجمعها لكثرة الطالع والغارب من الكواكب. "وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زَوَى لي منها" بالبناء على الفاعل وهو الله ﷾، أو "ما زُوِي لي منها" بالبناء للمفعول، والفاعل هو الله ﷾. ولم يذكر ﷺ الشمال والجنوب من الأرض لقلة سكانها ولأن هذا لم تبلغه الفتوحات، وإنما الفتوحات امتدّت من المشرق إلى المغرب. "وإن أمتي سيبلغ ملكها" هذا خبر عن المستقبل، وهو لا ينطق عن الهوى ﷺ. ففيه دليل من أدلّة نبوّته ﷺ. الدّليل الأول: زَوي الأرض له. هذا دليل على نبوّته. الدليل الثاني: أنه أخبر عن ملك أمته، وأنه سيتّسع ويبلغ المشرق والمغرب في يوم أن كان ملك المسلمين في المدينة وما حولها فقط. فهذا من علامات نبوّته ﷺ. وقد وقع كما أخبر، فانتشرت الفتوحات في عهد الخلفاء الراشدين وخلفاء بني أمية وبني العباس حتى سقطت دولة الفُرْس بالمشرق، وسقطت دولة الروم بالمغرب، وامتدّ سلطان المسلمين في الشرق إلى أن وصل السّند، وفي المغرب إلى أن وصل إلى طَنْجَة في أقصى المغرب، بل امتدّ إلى أن وصل إلى جبال البَرَانِس وهي حدود فرنسا، حيث دخلت الأندلس في الخلافة الأمويّة في ملك المسلمين، وهذا مِصْداق لخبره ﷺ: "وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها". "وأُعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض" المراد بالكنزين: الأموال النّفيسة، "الأحمر": الذهب، "والأبيض": الفضة، وهذا عبارة عن أموال الفرس والروم. فأموال الفرس من الذهب، وأموال الروم من الفضة، أو العكس، قولان في المسألة.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وإني سألت ربي لأمتي أن لا يُهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم.
وإن ربي قال: يا محمَّد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يُرد، وإني أعطيتك لأمتك: أن لا أهلكهم بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًّا من
_________________
(١) وقد وقع ما أخبر به ﷺ، فقد جيء بأموال الفرس والروم في خلافة عمر بن الخطاب، ووزّعت بين المسلمين في المدينة، حتى إنه جيء بتاج كسرى الذي يلبسه على رأسه، وجيء بسواريه الذين يلبسهما في يديه، وهذا مصداق ما أخبر به ﷺ. وقوله: "وإني سألت ربي لأمتي" هذا من شفقته ﷺ بأمته. "أن لا يهلكها بسنة بعامة" المراد بالسنة: الجُدْب، أي: لا يعمّ الجدب والقحط كل بلاد المسلمين، فتَهلك أموالهم وزروعهم وما يأكلون منه، فالسنّة المراد بها: الجَدْب كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ يعني: بالجَدْب. دعا النبي ﷺ ربه أن لا يُنزل الجَدْب والقَحْط على أمة محمَّد كلهم، لأنه إذا نزل بهم كلهم هلكوا. وقوله: "وأن لا يسلط عليهم عدَوًّا من سوى أنفسهم" يعني: من الكفار، أي: لا يسلط الكفار على المسلمين. "فيستبيح بيضتهم" البيضة: الحوزة، يعني: لا يستبيح الكفار حوزة المسلمين وبلادهم، أو المراد بالبيضة اجتماع الكلمة. والمعنى عام ومعناه: لا يستبيح بلادهم وجماعتهم. "وإن ربي قال: يا محمَّد" هذه إجابة الله لدعوة رسوله ﷺ. "إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يردّ" إذا قدّر الله قدرًا فلا بد من نفاذه، فأقدار الله نافذة في المسلمين والكفّار وعموم الناس، لا أحد يستطيع رد القضاء والقدر، فهذا فيه إثبات القدر، وأن قدر الله نافذ، لا يستطيع أحد رده. "وإني أعطيتك لأمتك: أن لا أهلكهم بسنة بعامة" استجاب الله الدعوة الأولى مطلقًا، وأنه سبحانه لا ينزل قحطًا عامًّا للبلاد كلها، وإنما ينزل القحط في بعض البلاد دون بعض بخلاف الأمم السابقة، فإن الله ينزل القحط العام عليهم فيضرهم،
[ ١ / ٣٣٣ ]
سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يُهلك بعضًا، ويَسْبي بعضهم بعضًا".
_________________
(١) كما حصل لقوم فرعون، أما هذه الأمة لكرامتها على الله فإن الله لا ينزل عليها القحط العام. "وأن لا أسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يُهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا" استجاب الله له الدعوة الثانية استجابة معلّقة، يعني: ما دامت أمتك مجتمعة على الحق كلمتها واحدة، فإن الله لا يسلّط عليهم عدوًّا من الكفار، أما إذا حصل في الأمة افتراق كلمة، وحصل بينهم قتال فيما بينهم، وسبى بعضهم بعضًا، فحينئذ يعاقبهم الله ﷿ ويسلط عليهم الكفّار. قوله: "ولو اجتمع عليهم من بأقطارها" أي: إذا اجتمعت كلمة المسلمين، ولم يكن بينهم اختلاف ولا تقاتل فيما بينهم، فلو اجتمع أهل الأرض كلهم على قتال المسلمين أو أراد سلب شيء من ملكهم فلن يستطيعوا، وأما إذا اختلفوا فيما بينهم، وتقاتلوا فيما بينهم، وأخذ بعضهم أموال بعض، فإن الله يعاقبهم، ويسلّط عليهم الكفّار. وقد حصل مصداق هذا، فإنه لما كانت الأمة مجتمعة في عهد أبي بكر الصدّيق وعمر بن الخطاب، وأول خلافة أمير المؤمنين عثمان، وسلطان المسلمين ظاهر في الأرض، قد خافتهم الأمم، فصار الكفار يخافون من المسلمين. ولما وقعت الفتنة بين المسلمين في خلافة عثمان- رضي الله تعالى عنه- بسبب اليهوديّ الذي ادّعى الإسلام وهو: عبد الله بن سبأ اليماني، وصار يحرّض المسلمين على الخليفة عثمان ذي النورين ﵁، واجتمع حوله من الأوباش وضعاف الإيمان من الشباب الطائش، اجتمعوا على هذه الطاغية، وفي النّهاية حاصروا عثمان ﵁ وقتلوه، ولما قتلوا عثمان عاقب الله المسلمين فجعل بأسهم بينهم، وسلّط عليهم عدّوهم. وما زالت المداولات والحروب بين المسلمين بعضهم مع بعض وبين المسلمين والكفار.
[ ١ / ٣٣٤ ]
رواه البَرْقاني في "صحيحه"، وزاد: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلّين.
_________________
(١) صحيح أنها قامت دولة بني أمية بعد ذلك وانتشر الإسلام، ودولة بني العباس، ولكن لم تخل الأمة من اقتتال ومن فتن فيما بينها، إلى أن جاءت الداهية الدهياء في آخر خلافة بني العباس، فغزا التّتار بلاد المسلمين، واستباحوا عاصمة المسلمين بغداد، وقتلوا الخليفة العباس، وقتلوا من المسلمين مئات الألوف، واحرقوا -كتب المسلمين- وألقوها في نهر دِجلة حتى تغير الماء بمداد الكتب، وتسلّلوا إلى بقية البلاد، وحصل من الحروب الطاحنة ما سجّله التاريخ. ما وكذلك الصليبيّون زحفوا على المسلمين واستولوا على الأندلس، وزحفوا إلى بلاد الشام واستولوا على بيت المقدس، وبقي بيت المقدس حوالي مائة سنة تحت أيدي الصليبيّين، حتى جاء صلاح الدين الأيوبي ﵀، فخلّص بيت المقدس من أيدي الصليبيّين. ولا يزال الخلاف وتسلط الكفار على المسلمين إلى وقتنا هذا، بل في وقتنا هذا اشتدّ فيه الأمر، والسبب في هذا هو اختلاف المسلمين فيما بينهم، كما في هذا الحديث: "حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا" ويسبي بعضهم بعضًا" فإذا حصل للمسلمين هذا سلّط الله عليهم الكفار بسبب الاختلاف، واستباحة حرمة المسلمين فيما بينهم، هذا يقتل هذا، وهذا يسبي هذا، مع أنهم إخوة مسلمون. والواجب على المسلمين أن يكونوا أمة واحدة: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾، ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾، ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾، فالاختلاف عذاب، وسبب لتسلّط الكفار، والاجتماع رحمة وقوة وعزّة للمسلمين ولن يحصل الاجتماع إلاَّ تحت عقيدة التّوحيد. قوله: "رواه البَرْقاني في صحيحه" البَرْقاني هو: أبو بكر محمَّد الخوارزمي الشافعي، وكتابه يسمّى بالمسند الصحيح، جمع فيه الأحاديث الصحيحة، ويقول: أنه جمع فيه أحاديث الصحيحين وزاد عليهما ما صح عنده من الأحاديث.
[ ١ / ٣٣٥ ]
"وزاد" يعني: على رواية مسلم.
أن الرسول ﷺ قال: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين" هذا سبب آخر، السبب الأول: الاختلاف بينهم. السبب الثاني: وجود دعاة الفتنة، ودعاة الضّلال. فهؤلاء سبب آخر لهلاك المسلمين، وسبب لتفرق كلمتهم، وتسلط العدوّ عليهم، بأن يكون هناك دعاة ضلال، ودعاة فتنة، ودعاة فُرقة، وتحريش بين المسلمين، كما حصل من الداعية الخبيث الأول عبد الله بن سبأ.
والأئمة جمع: إمام، والإمام هو القدوة الذي يُقتدى به في الخير أو الشر.
فإذا كانت القدوة من أهل الضلال ضلّت الأمة، وحصل فيهم الشر، ويراد بهم الأمراء الضالون، والعلماء الضالون، والعُبّاد الضالون، والدُّعاة الضالون، كل هؤلاء من الأئمة المضلّين، فإذا قاد الأمة هؤلاء قادوها إلى الهلاك، أما إذا قاد الأمة دعاة الحق قادوها إلى الصلاح والسلامة.
ففي قوله: "أخاف على أمتي الأئمة المضلين" مفهومه؛ أن الأئمة المصلحين خير للأمة، يجمعون كلمتها، ويصلحون عقيدتها، ويردونها إلى منهج السلف الصالح، ويحصل بهم الخير.
أما دعاة الضلال فإنهم يصدونها عن الحق، ويدعونها إلى خلاف منهج السلف.
والآن فيما بيننا ظهر من يزهّد في منهج السلف ويعتبره من الأمور الرجعية، ومن الأمور القاصرة، ويريد من المسلمين أن ينهجوا مناهج حديثة، ابتكرها جهّال أو ضُلاّل، يريدون أن الدعاة يسيرون على هذا المنهج المبتكر المحدث، ويتركون منهج السلف الصالح الذي فيه الخير، وفيه الصلاح والفلاح، هذا ظهر وقد أخبر ﷺ أنه يكون في هذه الأمة دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها، قالوا: صفهم لنا يا رسول الله، قال: "هم قوم من جِلْدَتنا، ويتكلمون بألسنتنا" فلنحذر من هؤلاء غاية الحذر.
لا نجاة لنا إلاَّ بإتباع دعاة الصلاح الذين يدعون إلى منهج السلف الصالح وإلى إتباع الكتاب والسنّة، هؤلاء هم الخير على الأمة.
[ ١ / ٣٣٦ ]
وإذا وُضع عليهم السيف لم يُرفع إلى يوم القيامة. ولا تقوم الساعة حتى يلحق حيٌّ من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فِئَام من أمتي الأوثان.
_________________
(١) أما من أراد بالأمة خلاف ذلك، وابتكر لها منهجًا أو خطّط لها تخطيطًا جديدًا يخالف منهج السلف، فهذا لا يريد للأمة خيرًا سواءً كان متعمدًا أو لم يتعمّد. وأخطر ما على الأمة الآن الدعاة الجُهّال الذين لا يعرفون العلم، ويدعون النّاس بجهل وضلال، أو الدعاة المغرضون الذين يعرفون الحق لكنهم معرضون، يريدون صرف الأمة عن جادّة الصواب. الحاصل، أن الأمة على خطر من هؤلاء، فعلينا أن نتنبّه لهذا الأمر، وأن نعالج هذا الأمر قبل أن يستحفل. قوله: "وإذا وضع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة" كذلك خاف عليهم النبي ﷺ أنه إذا بدأ القتال بين المسلمين فإنه لا يُرفع إلى يوم القيامة، وهذه بليّة أخرى. البليّة الأولى: تسلُّط الكفار على المسلمين. والبليّة الثانية: إذا وقع القتال بين المسلمين فإنه لا يُرفع إلى يوم القيامة عقوبة لهم. وذلك حصل كما أخبر به ﷺ فإنه لما قُتل الخليفة الراشد أمير المؤمنين عثمان فإنه لا يزال القتال مستمرًّا بين المسلمين، وسيستمر إلى يوم القيامة. ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله كما أخبر النبي ﷺ. قوله: "ولا تقوم الساعة حتى يلحق حيٌّ من أمتي بالمشركين" الحي: المراد به: القبيلة، ومعنى يلحق: يتبع؛ إما بأن يذهبوا إلى بلادهم ويسكنوا معهم ويكونوا من دولتهم، وإما بأن يبقوا في بلاد المسلمين ولكن يكونون على منهج الكفار ويرتدّون عن الإسلام. ووقع هذا كما أخبر به ﷺ، ففيهم من ذهب إلى بلاد الكفار وثم يرجع وصار يوافق الكفار في أمورهم الدينية، ويجري عليهم حكمهم وهو مختار للإقامة بينهم. وفيهم من بقي في بلاد المسلمين ويعتنق مذاهب الكفر من شيوعية وبعثية وقومية وغير ذلك، وهؤلاء لحقوا بالمشركين في قلوبهم وعقائدهم كما أخبر ﷺ وإن لم يلحقوا بهم في أبدًانهم.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وإنه سيكون في أمتي كذّابون ثلاثون، كلّهم يزعم أنه نبيّ. وأنا خاتم النبيّين، لا نبي بعدي.
_________________
(١) قوله: "وحتى تعبد فِئام من أمتي الأوثان" الفِئام: الجماعات، والأوثان: كل ما عبد من دون الله. وقد وقع ما أخبر به ﷺ، فعَبَدت جماعات من هذه الأمة القبور والأضرحة، واعتبروا هذا هو الدين الصحيح، وسموا دين التّوحيد الصحيح دين الخوارج. وهذا مع ما قبله هو الشاهد من هذا الحديث للباب. وفيه رد على من زعم أن هذه الأمة لا يقع فيها شرك، ووجه الرد: لأن الرسول ﷺ أخبر- وهو الصادق المصدوق- أنه لا بدّ أن تعبد جماعات وليسوا أفرادًا من هذه الأمة الأوثان. وقوله ﷺ: "وإنه سيكون في أمتي كذّابون ثلاثون كلّهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيّين، لا نبي بعدي"، هذا فيه إخبار منه ﷺ بظهور المتنبِّئين الكَذَبَة الذين يدعون النبوة. وقد حصل ما أخبر به ﷺ، وأول من ظهر في حياته ﷺ اثنان: مُسَيْلِمة الكذّاب في اليمامة، والأسود العَنْسي في اليمن. أما الأسود العَنْسي فقد قتله المسلمون قبل موت النبي ﷺ. وأما مُسَيْلِمة الكذّاب فإنه قد تبعه قوم من أهل اليمامة، ولما بُويع أبو بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- بالخلافة بعد وفاة الرسول ﷺ جهّز له الصديق جيشًا من المسلمين من المهاجرين والأنصار بقيادة خالد بن الوليد اليمامة، وحصل قتال شديد جدًّا، وقُتل فيه من المسلمين ومن أفاضلهم ومن قُرّاء القرآن العدد الكثير، ولكن في النّهاية قَتل الله مُسَيْلِمة الكذّاب على يد المسلمين في خلافة أبي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه-، وأراح الله المسلمين من شرِّه. ثم ظهر طُليحة الأسدي وادّعى النبوّة، وظهرت سَجَاح التميمية وادّعت النبوة، ولكن الله منّ على طُلَيحة فتاب إلى الله ﷿، وجاهد في سبيل الله، وتوفّي على الإسلام، وكذلك سَجَاح تابت إلى الله ﷿. ثمّ ظهر المختار بن أبي عُبيد الثقفي في خلافة عبد الملك بن مروان، وادّعى النبوّة، وقتله الله ﷾ على أيدي المسلمين.
[ ١ / ٣٣٨ ]
ولا يزال المتنبئون الكذَبَة يظهرون بين الحين والآخر، إلى أن ظهر منذ سنين رجل في الباكستان يسمّى غلام أحمد القادياني، ادّعى النبوّة، وتَبِعه قوم، وصار له أتباع الآن يسمّون القاديانية، وقد كفّرهم المسلمون، ونبذوهم- ولله الحمد-.
وقوله ﷺ: "وأنا خاتم النبيّين، لا نبيّ بعدي" هذا كما قال الله ﷾: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، والخاتم- بفتح التاء-: الذي يختم على الشيء فلا يزاد فيه، يقال: ختم الكتاب، يعني: وضع الختم عليه بحيث لا يُزاد فيه، وختم الكيس، بمعنى أنه أغلقه بحيث لا يُزاد فيه ولا يُنقص، فالرسول ﷺ ختم الأنبياء، بمعنى انه هو آخرهم، ولا يأتي بعده نبي.
وأما لفظ خاتِم- بالكسر- فهو: اسم فاعل، فالنبي ﷺ هو خاتِم النبيّين، أي: الذي كمّلهم وانتهى به عددهم، فلا يُبعث نبي بعد رسول الله ﷺ إلى أن تقوم الساعة، كما أن شريعته لا تُنسخ إلى أن تقوم الساعة، وأرسله الله إلى العالمين كافّة: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، أرسله إلى العالم كافّة - ﵊-، إلى العرب والعجم، والجن والإنس ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، وأنزل عليه شريعة كاملة، شاملة لكل زمان ومكان إلى أن تقوم الساعة.
فالذي يدّعي النبوة بعد محمَّد ﷺ فهو كافر، لأنه مكذِّب لله، لأن الله قال: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، ومكذِّب لرسول الله في قوله: "أنا خاتم النبيين" ومكذِّب لإجماع المسلمين، لأن المسلمين أجمعوا على أنه لا نبيّ بعد محمَّد ﷺ.
فإن قال قائل: "ليس المسيح عيسى بن مريم ينزل في آخر الزمان كما تواتر ذلك في الأحاديث؟.
قلنا: نعم، ينزل في آخر الزمان، ولكن لا ينزل بشريعة جديدة، وإنما ينزل ليعمل بشريعة محمَّد ﷺ، فهو يُعتبر مجدِّدًا من المجدِّدين، ومصلحًا من المصلحين، يحكم بشريعة الإسلام، ويتبع محمدًا ﷺ، فنزول عيسى ﵇ لا يختلف مع قوله ﷺ: "أنا خاتم النبيين" وقول الله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، لأنه لا ينزل بشريعة، ولا ينزل على أنه نبي يُبعث إلى الناس، وإنما ينزل على أنه حاكم بشريعة محمَّد ﷺ، وتابع لمحمد - ﵊-.
[ ١ / ٣٣٩ ]
ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎".
_________________
(١) ثم قال مبشرًا لأمته بعد هذه الأخبار المروِّعة: "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق" يعني: مع هذه الحوادث العظيمة، وهذا الابتلاء العظيم، ووقوع الشرك، ووقوع اللَّحاق بالمشركين من بعض القبائل وتسلّط الكفّار، وقلّة أهل الحق، وكثرة أهل الباطل، مع هذا يبقي في هذه الأمة بقية صالحة إلى أن يأتي أمر الله ﵎. والطائفة في الأصل الجماعة. والمراد هنا من كان على الحق ولو كان واحدًا. بدليل قوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ وهو واحد. "على الحق ظاهرين" يعني: غالبين. "لا يضرّهم من خذلهم" مع هذه الشرور كلها، وهذه الفتن كلها، هذه الطائفة لا تتضرّر، بل تبقى على الحق الذي بُعث به محمَّد ﷺ، ولم يعيّن ﷺ عددها، ولم يعيّن مكانها، لأن العدد قد يقلّ وقد يكثر، وكذلك المكان قد تكون تارة في المشرق، وتارة في المغرب، وتارة في العرب، وتارة في العجم، المهم أنها تبقى هذه الطائفة من الأمة، لتبقى حجّة الله ﷾ على خلقه. وقد قال أهل العلم- كالإمام أحمد وغيره-: "إن هذه الطائفة هم أهل الحديث"، أي: الذي يتمسّكون بسنّة الرسول ﷺ، كما قال ﷺ - لما ذكر افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة-: "كلها في النار إلاَّ واحدة" قالوا: من هي يا رسول الله؟، قال: "من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي"، فهم أهل الحديث الذين يتمسّكون بحديث الرسول ﷺ، ولا يتمسّكون بالآراء والأقوال وعلم الكلام والمنطق. فهم الطائفة المنصورة وهم الفرقة الناجية وهم أهل الحديث وهم أهل السنّة والجماعة، لا كما يقول بعض المعاصرين: إن الفرقة الناجية غير الطائفة المنصورة، وهذا تفريق بغير علم. وقوله: "حتى يأتي أمر الله" المراد بأمر الله ما يكون في آخر الزمان من قبض
[ ١ / ٣٤٠ ]
أرواح أهل الإيمان، حين يبعث الله ريحًا طيّبة في آخر الزمان قبل قيام الساعة فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى شرار الناس، وحينئذ تقوم الساعة.
ما يستفاد من هذا الحديث:
هذا الحديث يدلّ على مسائل عظيمة:
المسألة الأولى: في هذا الحديث دلائل من دلائل النبوة، وهي:
أولا: قوله ﷺ: "إن الله زَوَى ليَ الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها".
ثانيًا: قوله ﷺ: "سيبلغ ملك أمتي ما زُوِيَ لي منها،.
ثالثًا: إخباره ﷺ بأن هذه الأمة إذا افترقت وتقاتلت يتسلّط عليها العدّو. وقد وقع ما أخبر به ﷺ.
رابعًا: إخباره ﷺ عن وقوع الشرك في أمته. وقد وقع ما أخبر ول ﷺ.
خامسًا: إخباره بظهور المتنبّئين الكَذَبَة. وقد وقع ما أخبر به ﷺ، فلا يزال المتنبئون الكَذَبَة يظهرون بين الحين والآخر، لكن منهم من له شوكة، ومنهم من ليس له شوكة.
سادسًا: إخباره ﷺ ببقاء الطائفة المنصورة على الحق. وقد وقع ما أخبر به ﷺ، فلا تزال هذه الأمة- ولله الحمد- يبقى فيها من أهل الصلاح والإصلاح من يبقى بهم هذا الدين، وتقوم به حجّة الله على العالمين، مع اشتداد الغُربة، وعظيم الكُرْبة، ولكنهم يصبرون، ويثبتون على الحق.
المسألة الثانية: في هذا الحديث كمال شفقته ﷺ بأمته، حيث دعا لهم ﷺ بهذه الدعوات المباركات العظيمة، واستجاب الله له.
المسألة الثالثة: في هذا الحديث أن تفرّق الأمة وتناحرها فيما بينها سبب لتسلُّط العدوّ عليها، وأن اجتماعها وتوحّدها على الحق سبب لمنع الكفّار من الاستيلاء على شيء من بلادها.
المسألة الرابعة: في الحديث دليل على خطر الأئمة المضلّين، أي: القيادات الفاسدة من الأمراء والعلماء والعبّاد والدعاة الفاسدين، أما الأئمة المصلحون فهؤلاء خير على الأمة وصلاح لها.
[ ١ / ٣٤١ ]
المسألة الخامسة: في الحديث دليل على أنه إذا وقع في هذه الأمة قتال فيما بينهم أنه سيستمرّ إلى أن تقوم الساعة، ولا يُرفع، ولكن يكثر ويقل أحيانًا.
المسألة السادسة: في الحديث دليل فيما ترجم له المصّنف ﵀ من وقوع الشرك والردّة في بعض هذه الأمة، فهذا شاهد لقول المصنِّف: "باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان".
المسألة السابعة: في الحديث دليل على خَتْم النبوة به ﷺ، وأن من ادّعى النبوة بعده فهو كافر، لأنه مكذِّب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين ولما عُلم بالدين بالضرورة.
المسألة الثامنة: في الحديث دليل على بقاء الفرقة الناجية المنصورة، مع كثرة الفتن والمحن والشرور، فإن الله ﷾ لا يُخلي الأرض من الدعاة إلى الحق القائمين عليه من الأئمة المصلحين.
[ ١ / ٣٤٢ ]