[الباب الثامن:] *باب ما جاء في الرقى والتمائم
في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسولًا: "أن لا يُبقين في رقبة بعير قلادة من وَتَر، أو قلادة إلاَّ قُطِعت".
_________________
(١) قال الشيخ ﵀: "باب ما جاء في الرّقى والتمائم" أي: ما جاء عن الرسول ﷺ وعن الصحابة والتابعين من الأحاديث والآثار في النهي عن الرُّقى والتّمائم. هذا الباب مناسبته لما قبله: وهو: "بابٌ من الشرك لبس الحلْقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه"؛ أن هذا الباب مكمِّلٌ للباب الذي قبله، لأنه ذكر أنواعًا أخرى مكمِّلة لما ذُكر في الباب الذي قبله، ولكن الباب الذي قبله صرّح الشيخ في ترجمته بأن لبس الحلْقة والخيط من الشرك، وأما هنا فلم يصرّح، بل قال: "ما جاء في الرُّقى والتمائم"، وهذا من دقّة فقهه ومعرفته ﵀، فإنه إذا كان الحُكم واضحًا منصوصًا عليه في الحديث ذكره في الترجمة، وإذا كان الحكم فيه تفصيل، أو فيه احتمال؛ فإنه لا يجزم في الترجمة، وإنما يورد الأدلة في الباب ويُؤخذ منها الحكم مفصّلًا. فهذا من دقّة فقهه ﵀، وشدّة تورّعه عن إطلاق الأحكام، مما يُرَبِّي في طلبة العلم هذه الخَصْلَة الطيّبة، وهي أنهم يتورّعون في إطلاق الأحكام ويتثبتون فيها، لأن الأمر خطير جدًّا. قوله: "عن أبي بشير الأنصاري ﵁" هكذا كان مشهورًا بكُنْيته، ولم يُعرف له اسم -كما قال ابن عبد البر. "أنه كان مع النبي ﷺ في بعض أسفاره" لم يعين هذا السفر، قال الحافظ: لم أقف على تعيينه". "فأرسل رسولًا" أي: مندوبًا. "أن لا يبقيّن في رقبة بعير قلادة" " يبقيّن" مؤكّد بنون التأكيد الثقيلة، وقلادة فاعل. كانوا في الجاهلية يعلّقون القلائد على رقاب الإبل، يعتقدون أن ذلك يدفع
[ ١ / ١٤٥ ]
عنها العين والضرر، والنبي ﷺ أراد أن يزيل هذه العادة الجاهلية، ويقرر التّوحيد. والقلادة ما أحاط بالعنق.
والـ "وَتَر" -بفتح الواو- المراد به: وَتَر القوس، والقوس آلة كانوا يرمون بها السهام. وكانوا في الجاهلية إذا اخْلَقَّ الوَتَر أخذوه وعلّقوه على رقاب الدواب، وأبدلوه بوَتَر جديد، يعتقدون أن هذا الوَتَر القديم الذي استعمل ورُمي به أنه يدفع العين عن الإبل.
وقوله: "أو قلادة" هذا شك من الراوي، هل الرسول ﷺ قال: قلادة من وَتَر، أو قال: قلادة مطلقة، سواء كانت من وَتَر أو من غيره؟. وهذا من دقتهم ﵃ في الرواية.
وعلى كل حال؛ فيه دليل على منع هذا الشيء من أي نوع كان، سواء كان من وَتَر أو من غيره، ما دام أن المقصود منه عقيدة فاسدة، حتى ولو كان من السُّيور، أو من الخيوط، أو من الخرز، أو من غير ذلك، كل قلادة يُقصد بها هذا المقصد الشركي فهي ممنوعة.
أما القلائد التي لا يُقصد منها مقصد شركي، مثل قلاد الهَدْي الذي يُهدى للبيت العتيق؛ فلا حرج فيها.
"إلاّ قُطِعت" هذا فيه إزالة المنكر، ولاسيّما إذا كان هذا المنكر في العقيدة، فإن إزالته متأكِّدة.
وفيه: أن الحاكم أو الإمام يرسل نوّابًا عنه في إزالة المنكر، وليس من شرط ذلك أن يباشره بنفسه.
الشاهد من الحديث: تحريم عقد القلائد على الدواب، أو على الآدميين بقصد أن ذلك يدفع العين لأنه لا يدفع الضرر ولا يدفعه إلاَّ الله ﷾، وليست القلائد هي التي تدفع الضرر، أو تجلب النفع، وليست سببًا في ذلك وإنما هذا بيد الله ﷾: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾، ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾، ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا
[ ١ / ١٤٦ ]
وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرُّقى والتّمائم والتِّوَلَة شرك" رواه أحمد وأبو داود.
_________________
(١) تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ . قال: "وعن ابن مسعود" هو: عبد الله بن مسعود بن غافل الهُذلي الصحابي الجليل، من أئمة العلم المعروفين في الصحابة، ومن أشهر القرّاء لكتاب الله ﷿، وهو الذي أُعجب النبي ﷺ بقراءته، وقال: "من أراد أن يسمع القرآن غضًّا طريًّا كما أنزل؛ فليسمع إلى قراءة ابن أم عبد"، وقد أمره النبي ﷺ أن يقرأ عليه، فقال: يا رسول الله كيف أقرأ عليك وعليك أُنزل؟، قال ﷺ: "إني أحب أن أسمعه من غيري"، قال عبد الله: فقرأت عليه من أول سورة النساء حتى بلغت قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ قال النبي ﷺ: "حسبك"، قال: فالتفت إليه ﷺ فإذا عيناه تذرفان. والشاهد من هذا: فضيلة عبد الله بن مسعود ﵁. وكان من أَوْعِيَة العلم، وكان له رواية عن النبي ﷺ كثيرة، وكان مُفتيًا من مشاهير المُفتين من الصحابة، وكان يقال له: صاحب السِّواد، لأنه كان يحمل نعليّ الرسول ﷺ. وفضائله كثيرة ﵁، وكان من السابقين الأولين. وفي بعض الأسفار: أنه صعد شجرة وكان نحيلًا، فنظر الصحابة إلى ساقيه دقيقتين؛ فضحكوا، فقال الرسول ﷺ: "تضحكون من دقّة ساقيه؟!، لهما في الميزان أثقل من جبل أحد". سبب ذكر عبد الله بن مسعود لهذا الحديث: أنه رأى على امرأته زينب ﵂ خيطًا في عنقها، وقال: لأنتم يا آل عبد الله أغنياء عن الشرك، قالت: إن عيني كانت تَطْرف، فأذهب إلى فلان اليهودي فيرقاها فتكف، قال ﵁: إنما ذلك شيطان يَنْخَسُها بكفه، فإذا رُقي كفّ، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرُّقى والتّمائم والتوَلَة شرك".
[ ١ / ١٤٧ ]
وعن عبد الله بن عُكيم مرفوعًا: "من تعلّق شيئًا؛ وُكِل إليه".
_________________
(١) فهو لما قطع هذا الخيط، وأنكر على زوجته هذا الفعل؛ ذكر الدليل من سنة رسول الله ﷺ: " إن الرُّقى والتّمائم والتِّوَلَة شرك" وسيأتي تفسير هذه الثلاثة. قال: "وعن عبد الله بن عُكيم مرفوعًا" عبد الله بن عُكيم أدرك النبي ﷺ، لكنه لم يثبت له سماع من النبي ﷺ؛ فيكون تحديثه عن الرسول من باب المرسل، لأنه لم يسمع من النبي ﷺ، ولهذا قال الشيخ: "مرفوعًا". "من تعلّق شيئًا وُكِل إليه" "من تعلّق شيئًا" سواءً قلادة، أو تَمِيمَة، أو حِرْزًا من الحُرُوز، أو خيطًا، أو حلقة، يعني: علّق قلبه بشيء أيّ شيء، يظن أنه ينفع ويضر، "وُكِل إليه" وَكَلَه الله إلى ما تعلق به. وهذه عقوبة من الله ﷾، وإهانة له من الله ﷾، لأن الله إذا تخلّى عنه وَوَكَلَه إلى غيره هلك. أما من توكّل على الله ﷿ وحده فإن الله ﷾ يتولى أمره. أما من اعتقد بغيره فإنه يَكِلُه إليه ويتخلّى عنه، يَكِلُه إلى حلْقة من صُفْر، أو خيط، أو إلى تَمِيمَة، أو إلى وليّ من الأولياء، أو قبر من القبور، أو ضريح من الأضرحة، يَكِلُه إلى من اعتقد فيه. فهذا فيه خطر عظيم، وفيه حث على أن يعلِّق الإنسان قلبه بالله ﷿، وأن يعتقد أنه لا ينفع إلاَّ الله، ولا يضر إلاَّ الله، ولا يشفي إلاَّ الله، ولا يرزق إلاَّ الله، ولا يُعطي ولا يمنع إلاَّ الله، يتوكّل على الله، مع أخذه بالأسباب المباحة التي جعلها الله أسبابًا كالدواء المباح، وغير ذلك من الأسباب المباحة، لكن القلب يتعلق بالله. فقوله: "من تعلّق شيئًا وُكِل إليه" قاعدة عامة، تعمّ كل شيء يعلّق الإنسان قلبه به من دون الله ﷿؟ من بشر، أو حجر، أو شجر، أو قبر، أو حلْقة، أو خيط، أو تَمِيمَة، أو غير ذلك، أو جن، أو إنس. ففي هذا وجوب التوكّل على الله، والنهي عن الاعتماد على غير الله في جلب خير أو دفع ضُر، والقرآن يقرّر هذا في آيات كثيرة.
[ ١ / ١٤٨ ]
"التّمائم": شيء يعلّقونه على الأولاد يتقون به العين.
لكن إذا كان المعلّق من القرآن؛ فرخّص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخّص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁.
_________________
(١) ثم إن الشيخ محمد ﵀ شرح هذه الألفاظ، فقال: "التّمائم شيء يعلِّقونه على الأولاد يتّقون به العين" ثم قال مفصِّلًا الحكم في هذا: "لكن إذا كان هذا المعلَّق من القرآن؛ فقد رخّص فيه بعض السلف" يعني: إذا كانت التَمِيمَة مكتوبة من القرآن؛ فقد رخّص فيها بعض السّلف، مثل: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، وعائشة، لأنها من القرآن، والتشافي بالقرآن ليس فيه محذور شركي، فهو كلام الله ﷾. "وبعضهم" أي: بعض الصحابة، "لم يرخِّص فيه " حتى لو كان من القرآن، منهم: عبد الله بن مسعود- راوي الحديث-، وسيأتي الأثر عن إبراهيم أنه قال: "كانوا يكرهون التّمائم من القرآن ومن غير القرآن"، وإبراهيم النخعي تلميذ لابن مسعود. هذا اختلاف السلف في تعليق التّمائم من القرآن، فقد اختلفوا في هذا على قولين: منهم من أجاز، نظرًا لأن هذا من القرآن، وهو كلام الله ﷾، والتداوي بكتاب الله والاستشفاء بكتاب الله مشروع، ومنهم من منع هذا ولم يرخِّص فيه لعموم النهي عن التمائم. وبناءً على ذلك اختلف الفقهاء من بعد الصحابة في هذه المسألة على قولين: منهم من أجاز؛ أخذًا برأي من أجاز من الصحابة، ومنهم من منع. والصحيح: الرأي الثاني وهو المنع، والشيخ عبد الرحمن بن حسن وقبله الشيخ سليمان بن عبد الله رجَّحا منعه، وذلك لثلاثة أمور: الأمر الأول: عموم النهي، ولم يَرِد دليل يخصّص ذلك. الأمر الثاني: سدّ الوسيلة المُفضية إلى الشرك، لأننا إذا أجزنا تعليق القرآن انفتح الباب لتعليق غيره. الأمر الثالث: أن تعليق القرآن يعرِّضه للامتهان، لأنه يعلّق على الصبيان، والصبيان لا يتجنّبون النجاسة أو الدخول في مواضع القاذورات، وكذلك الجُهّال لا يحترمون القرآن كما ينبغي، ولا يتنّبهون لذلك، وما كان سببًا لتعريض القرآن للامتهان فهو محرّم.
[ ١ / ١٤٩ ]
و"الرُّقى": هي التي تُسَمَّى العزائم، وخص منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخّص فيه رسول الله ﷺ من العين والحُمَة.
_________________
(١) والذين أجازوا- وهم أصحاب الرأي الأول- اشترطوا ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن تكون التَمِيمَة من القرآن. الشرط الثاني: أن تكون مكتوبة باللفظ العربي، فلا تُكتب بلفظ أعجمي أو بخط لا يُقرأ. الشرط الثالث: أن يعتقد أن الشفاء من الله لا من هذه التَمِيمَة، وإنما هذه التَمِيمَة سبب فقط. قال الشيخ: "والرُّقى: هي التي تُسمى العزائم" الرُّقى: جمع رقية، والرُّقْيَة: القراءة على المريض. ويسميها العوام العزيمة. قال الشيخ: "وخصّ منها الدليل ما خلا من الشرك" أي: استثناه من التحريم فهناك أدلة تفصِّل بأنه إن كانت الرُّقْية من القرآن أو من الأدعية المباحة فإنها ليست بشرك، بدليل أن النبي ﷺ رخّص في الرُّقْية من العين ومن الحُمَة كما جاء في حديث بُريدة بن الحُصين الذي سبق في "باب من حقق التّوحيد"، وكذلك النبي ﷺ رَقى المرضى، ورُقي ﷺ؛ رَقاه جبريل، وكذلك لما جاءوا إلى النبي ﷺ يسألونه قالوا: كنا في الجاهلية لنا رُقى نرقي بها وأدوية نتداوى بها، قال ﷺ: "اعرضوا علي رُقَاكُم، لا بأس بها ما لم تكن شركًا". وقوله: "فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمة" الرُخصة عند الأصوليين: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، لأن الأحكام على قسمين: رُخصة، وعزيمة. فالشيء المستثنى من الممنوع بدليل يسمى: رُخصة، مثل: الأكل من الميتة، وقصر الصلاة للمسافر، هذا يسمى رخصة، كذلك الإفطار في نهار رمضان، كل هذه رُخص، رخّص فيها الشارع من أشياء كانت في الأصل ممنوعة، وذلك من أجل الرّحمة بالخلق، وكذلك الرقية في القرآن استثنيت من الرقى الممنوعة بقوله ﷺ: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك"، فهي رخصة.
[ ١ / ١٥٠ ]
و"التِّوَلَة": هي شيء يصنعونه، يزعمون أنه يحبِّب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته.
وروى أحمد عن رُوَيْفع قال: قال لي رسول الله ﷺ: " يارُوَيْفِع، لعل الحياة ستطول بك؛ فأخبر الناس: أن من عقد لحيته، أو تقلّد وَتَرًا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمدًا بريء منه".
_________________
(١) قوله: "والتِّوَلَة" بكسر التاء وفتح الواو، "شيء يصنعونه، يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته" "يزعمون" أي: يكذبون، والزعم: الكذب، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، يعني: يكذبون في قولهم أنهم آمنوا. " أنه يحبِّب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته" هذا يسمونه: الصّرف والعطف، وهو سحر، قال الله ﷾: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾، فهو سحر يفرِّق ويَجْمع، لأنه عمل شيطاني، يعمل أشياء تنفِّر الإنسان من الإنسان، أو الرجل من زوجته، أو الزوجة من زوجها، وهو من عمل الشياطين. فالسحرة لما تقرّبوا من الشياطين وخدموهم وأشركوا بالله، فالشياطين في مقابل ذلك ساعدتهم في هذه الأمور. وهذا كثير في الناس، خصوصًا إذا ضعف في الإيمان، وخصوصًا في البلاد التي لا يُعتنى فيها بأمر العقيدة، فإن السحر يُتخذ حِرْفَة ومهنة في بعض البلاد، ولكن من نعمة الله على هذه البلاد أن هذا الشيء لا يوجد فيها إلاَّ خُفية، لكنه يُطارد، وأهله- والحمد لله- أذِلاء. قوله: "وروى أحمد عن رويفع". "رُوَيْفِع" هو رُوَيْفِع بن ثابت الأنصاري- رضي الله تعالى عنه- تولّى إمارة بُرْقة في عهد الخلفاء في مصر، وتوفي هناك ﵁، وقد طال عمره. قال: "لعل الحياة ستطول بك" هذا إخبار من النبي ﷺ أن رُوَيْفِعًا يعمّر، وقد عُمّر، ففيه: عَلَم من أعلام النبوة، وهو الإخبار عن شيء مستقبَل، ويقع كما أخبر به ﷺ، وهذا مما أطلعه الله تعالى عليه. "فأخبر الناس" هذا فيه دليل على تبليغ العلم، ونشر العقيدة، والدعوة إليها،
[ ١ / ١٥١ ]
وإنكار الشرك، وأن الإنسان محمّل هذه الأمانة، لا يتخلى عنها، ويترك الناس يقعون في الشرك وفساد العقيدة، وهو ساكت، ثم يقول: اتركوا الناس مجتمعين، لا تفرقوا بين الناس، حاربوا الشيوعية وحاربوا المذاهب الهدّامة، واتركوا الشرك وهل هناك أشد من الشرك؟، الشرك هو أكبر المذاهب الهدّامة، وهذا القول يدسّه علينا الأعداء إما من اليهود والماسونية أو غيرهم، ويأخذه بعض المغرورين من شبابنا على أنه صحيح، وهو يقصد منه هدم الإسلام، وهدم العقيدة، لأنه إذا تُرك الشرك فسدت العقيدة.
قوله: "أن من عقد لحيته" عقد اللحية اختلف العلماء في تفسيره، منهم من قال: عقد اللحية عادة عند الفُرس، أنهم كانوا عند الحروب يعقدون لحاهم تكبّرًا وتجبّرًا، ونحن قد نهينا عن التشبّه بالكفّار.
والقول الثاني: المراد به عقد اللحية في الصلاة، لأن هذا من العبث في الصلاة، والحركة في الصلاة، وهذا مكروه في الصلاة، لأنه يدل على عدم الخشوع.
القول الثالث: أن المراد بعقد اللحية ما يفعله أهل الترف من تجعيد لحاهم وتحسينها وكدّها، حتى تتجعّد، يقصدون بها الجمال، فهذا يكون من الترف، نعم لا بأس أن اللحية تصلح وأنها تُنظّف، وأنها تُكرم لكن لا يصل هذا إلى حد الإسراف.
"أو تقلد وَتَرًا" يعني: جعل الوَتَر قلادة عليه، أو على دابته، أو على ولده من أجل أن يتّقي به العين والضرر، كما كانت الجاهلية تفعل.
وهذا محل الشاهد في الحديث، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "وإذا كان هذا فيمن تقلدوا وترًا، فكيف بمن تعلّق على الأموات يسألهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات؟؟؟!! ".
"أو استنجي" الاستنجاء: إزالة أثر الخارج من السبيلين.
لأن الواجب أن الإنسان إذا قضى حاجته أن ينقي المخرج إما بماء وإما باستجمار بالحجارة، فإن جمع بينهما فهذا أفضل.
[ ١ / ١٥٢ ]
وعن سعيد بن جبير قال: "من قطع تَمِيمَة من إنسان؛ كان كعدل رقبة" رواه وكيع.
_________________
(١) "برجيع دابة" الرجيع زوث الدواب، "أو عظم، فإن محمدًا ﷺ بريء منه" وهذا وعيد شديد يدل على تحريم هذا الفعل، وهو الاستجمار بروث الدواب والعظام، لأن هاتين المادتين طعام الجن وطعام دوابهم فلا يلوثهما عليهم. قوله: "عن سعيد بن جبير قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة" أي: كان كمن أعتق رقبة من الرِّق، والمناسبة أن اعتاق العبد فيه اعتاق من الرِّق، وقطع التَمِيمَة فيه إعتاق من الشرك، لأن الشرك رِقّ للشيطان بدل الرِّق للرحمن، ورحم الله الإمام ابن القيم حيث يقول: هربوا من الرِّق الذي خلقوا له فبُلُوا برق النفس والشيطان يعني: هم أرقاء لله، عبيد لله، لكن لما أشركوا به صاروا عبيدًا للشيطان، وعبيدًا للنفس والهوى، فالإنسان خلق لعبادة الله، فإذا تركها صار عبدًا للشيطان، فهو عبد ولابد. فالذي يزيل هذه الظاهرة الشركية عن مسلم يكون كمن أعتقه من الرِّق في الأجر والثواب. وسعيد بن جبير ﵀ اعتبر الشرك رقًّا، من أزاله فكأنما أعتق هذا العبد من هذا الرِّق الذّليل المهين، وجعله حُرًّا من عبادة المخلوق، عبدًا لله ﷾ لا يعبد غيره، فعبادة الله جل وعلا هي الحرية الصحيحة، ليست الحرية أن الإنسان يشرك ويكفر ويعتقد ما شاء، كما يقولون: الناس أحرار في اعتقادهم لا بل الناس خلقوا لعبادة الله، وعبادة الله ليست من باب الذل والمهانة، وإنما هو من الإكرام، ومن الرِّفعة، وهذا شرف، والله جل وعلا أكرم نبيه بالعبودية له، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، فعبودية الله شرف، أما عبودية غيره فهي ذلّ ومهانة. "رواه وكيع" ووكيع هو: وكيع بن الجراح، الإمام الجليل، روى عنه الإمام أحمد وغيره.
[ ١ / ١٥٣ ]
وله عن إبراهيم قال: "كانوا يكرهون التّمائم كلها؛ من القرآن وغير القرآن".
_________________
(١) قال: "وعن إبراهيم" أي: عن إبراهيم النخعي، أحد الأئمة من التابعين. وقوله: "يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن" أي: كان كبار التابعين من أصحاب ابن مسعود لا يفصِّلون في التّمائم، بل كانوا يكرهونها عمومًا، كما سبق أن الراجح هو: تحريم تعليق التّمائم، ولو كانت من القرآن؛ من أجل الأمور الثلاثة التي ذكرناها هناك. وقوله: "يكرهون" أي يحرمون، لأن الكراهة عند السلف يريدون بها التحريم. فكلام إبراهيم هذا يؤيّد ترجيح المنع مطلقًا، ولأن هذا قول عبد الله بن مسعود، وتلاميذه من أئمة التابعين، أن التّمائم لا تفصيل فيها، حتى ولو كانت من القرآن، لا تُعلّق على الرِّقاب على شكل حُروز، أو على شكل رقاع، أو على شكل أكياس تعبّأ بالأوراق المكتوب فيها ويسمونها خطوطًا، أو عزائم، هذا لا يجوز وإن كان من القرآن، ولا تعلّق على السيارات أو الجدران لأن هذا وسيلة إلى الشرك، ولأنه لم يرد دليل على جوازه، ولأنه تعريض للقرآن للامتهان والابتذال- كما سبق-. وفي هذا دليل على بعد السلف عما يخدش العقيدة.
[ ١ / ١٥٤ ]