* باب ما جاء في التطيُّر
_________________
(١) قول الشيخ ﵀: "باب ما جاء في التطيُّر" أي: ما ورد في التطيُّر من الوعيد، وبيان أنه شرك. ومناسبة هذا الباب لِمَا قبله: أنّ فيه بيان نوع من أنواع الشرك والاعتقاد الباطل المُخِلُّ بالتّوحيد. وكان الشيخ ﵀ يذكُر في هذا الكتاب حقيقة التّوحيد وما يناقضه أو ينقِّصه من العقائد والأقوال والأفعال الباطلة، ومن ذلك: التطيُّر. والتطيُّر مصدر: تطيّر تطيُّرًا وطِيَرة، وهو: التشاؤم بالأشياء، واعتقاد أنه يصيب الإنسان منها شيء من الشر. وأصله مأخوذٌ من الطير، لأنهم كانوا في الجاهلية يتشاءمون بالطيور وفي طَيَرانها؛ إذا رأوها تطير على جهةٍ مخصوصة عندهم تشاءموا بها، ورجعوا عمّا عزموا عليه من الأسفار أو الزيجات أو غيرها، ثمّ عَمَّ هذا وصاروا يتطيّرون بكل شيء، فيتطيّرون بالبِقاع، ويتطيّرون بالآدمييِّن، ويتطيّرون بالبهائم، ويتطيّرون بكل شيء. لكن أصل التطيُّر مأخوذٌ من الطير؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يتطيّرون من الطير في حركاتها وطيَرانها وتحريكها لأجنحتها واتّجاهاتها في الطَيران، إلى غير ذلك. فهو عقيدة جاهلية، بل إنه موجود في الأمم القديمة؛ فهؤلاء قوم فرعون تطيّروا بموسى ومن معه، يعني: تشاءموا بموسى ﵇ وبمن معه من المسلمين، قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ الحسنة المراد بها هنا: الخصْب والأرزاق ونزول الأمطار، ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ استحقيناها على الله بأفعالنا، فنحن نستحقُّ هذا، ولا يعترفون أنه فضلٌ من الله تعالى، بل ينسبون هذا إلى استحقاقهم، وأنهم حصلوا على هذه الشيء بسبب أنهم ناسٌ أهل خير، فما يصيبهم من الحسنات قي السنين يقولون: هذا بسبب أفعالنا، وبسبب صفاتنا، وبسبب كسبنا وكدِّنا، جحدوا نعمة الله عليهم.
[ ٢ / ٥ ]
وقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
_________________
(١) ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ المراد بالسيئة هنا: الجدْب، وانحباس الأمطار، وشُحُّ الآبار، وتلف الثمار. فإنهم ينسبون هذا إلى موسى ﵇، ومنْ معه من المؤمنين، فيقولون هذا الذي أصابنا بسببهم، فيتطيّرون بخير النّاس- والعياذ بالله-. والحق أنّ موسى ومن معه من المؤمنين هم سبب الخيرات، وهم سبب البركات، لأن الرسل- عليهم الصلاة والسلام- يُصلحون في الأرض بالطاعات فتنزل الخيرات، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ . فالمؤمنون هم سبب الخير لا سبب الشر كما يظنه أهل الجاهلية، إنما سبب الشر هم العُصاة والمشركون والكَفَرة، فما يصيب أهل الأرض من الكوارث والمصائب إنما هو بسبب العُصاة، وما يصيبها من الخيرات فهو بفضل الله، وسببه أهل الطاعات وأهل الصلاح والتقوى؛ ولهذا إذا خَلَت الأرض من الصالحين في آخر الزمان تقوم القيامة وتخرب الدنيا، "ولا تقوم الساعة وفي الأرض من يقول: الله، الله"، و"لا تقوم الساعة إلاَّ على شرار الخلق". فإذا خلت الأرض من الصالحين قامت القيامة، أما ما دام الصالحون موجودين فإن الله ﷾ ينزل على أهل الأرض الخيرات والبركات بسبب وجودهم، عكس ما يعتقده آل فرعون من التطيُّر بالرسل- عليهم الصلاة والسلام-. وكذلك ثمود، تطيّروا بصالح ﵇ لَمّا دعاهم إلى الله ﷾. من ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ . وكذلك أهل القرية الذين ذكرهم الله في سورة "يس" لَمّا جاءتهم الرسل قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ يعني: تشاءمنا بكم، وما جئتمونا بخير، ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هدّدوا الرسل وقالوا: ما رأينا منكم إلاَّ الشرّ
[ ٢ / ٦ ]
وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)﴾ الآية.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى، ولا طَيرة، ولا هامة، ولا صفر" أخرجاه.
_________________
(١) فرد عليهم الرسل: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: ما أصابكم فأنتم سببه، لأن سببه الذنوب والمعاصي التي تصدُر منكم والكفر، فأنتم السبب، ونحن سبب الخير، نحن رسلٌ من عند الله جئناكم، لو أطعتمونا لحصلتم على الخير؛ فهذا ردٌ عليهم، فهذا فيه: بيان أن الشر والشؤم سببه المعاصي والكفر والشرك بالله. وكذلك المشركون تطيّروا بمحمد ﷺ خاتم الرسل وأفضل الرسل، تطيّروا به، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يخاطبون النبي ﷺ، ﴿تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ يعني: خير وخصب ونبات وزروع وخيرات، يقولون: هذه من عند الله، نعم، صحيح أنها من عند الله، الله هو الذي أنزلها، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: قحطٌ جدْب شُحٌّ في الأرزاق ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ بسببك يا محمد، وبسبب أتباعك، ﴿قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ كلٌّ بقضاء الله وقدره، الخصب والخيرات والجدب والقحط كله من عند الله وبقضائه وقدره، ولكن الخصب والخيرات سببها الطاعات، وأما الجدْب والقَحْط وانحباس الأمطار فسببه المعاصي والسيّئات، فالسبب من قِبل بني آدم وأما المقدِّر فهو الله تعالى، هو الخالق وهو الموجِد ﷾، ويعطي كلًاّ على حسب عمله؛ المحسِن يحسن إليه، والمسيء يعاقبه إذا شاء ﷾، فالأمر كله بيد الله. فالحاصل؛ أن التطيُّر عادةٌ جاهلية، ذكرها الله ﷾ عن الأمم الكافرة من قوم فرعون، وثمود، وأصحاب ياسين، وأهل الجاهلية الذين بُعث إليهم رسول الله ﷺ ولم يؤمنوا به، بل تطيّروا به. وهذه العادة الجاهلية لا تزال في النّاس إلى أن تقوم الساعة. قوله ﷺ: "لا عدوى" المراد بالعدوى: انتقال المرض من شخص إلى شخص، أو من بهيمة إلى بهيمة، أو من مكان إلى مكان.
[ ٢ / ٧ ]
والمرض يتعدّى من محل إلى محل، ويتعدّى من المريض إلى السليم، ويتعدّى من الجربى إلى الصحيحة، هذا شيءٌ موجود.
والرسول ﷺ لا ينفي هذا، وإنما ينفي العدوى التي كان يعتقدها أهل الجاهلية من أنّ المرض يتعدّى بنفسه بدون تقدير الله ﷾، فالعدوى وهي: انتقال المرض من محل إلى محل بسبب قرب الصحيح من المريض، والمقدر لها هو الله تعالى، فقد يقرُب الصحيح من المريض ولا يصيبه شيء، وقد يقرُب ويُصاب، والسبب: أن هذا راجعٌ إلى الله، إن شاء ﷾ انتقل هذا المرض، وإنْ شاء لم ينتقل، فمجرّد مقاربة المريض أو القدوم على المحل الموبوء هذا سبب، أما التأثُّر فهو بيد الله ﷾، فقد يدخل الإنسان في الأرض الموبوءة ولا يصاب، وقد يورِد الممرض على المُصح ولا يُصاب، قد ينام المريض بجانب الصحيح ولا يصاب، وقد يصاب، فما وجه التفريق بين الحالتين؟ وجه التفريق: أن هذا راجعٌ إلى مشيئة الله تعالى.
أما أهل الجاهلية فلا يفرِّقون بل عندهم: أن كل من قارب المرض- أو كل من قارب المريض- أنه يُصاب، ولا ينسبون هذا إلى قضاء الله وقدره، ولا يتوكّلون على الله ﷾، ويفرِطون في التشاؤم والتطيُّر وانتقال العدوى، ويعملون أعمالًا تُضحك.
فقوله ﷺ: "لا عدوى" يعني: على ما كان يعتقده أهل الجاهلية، أما أنّ العدوى تحصُل بإذن الله فهذا أمرٌ واقع، ولهذا نهى ﷺ عن مخالطة المجذوم، ونهى ﷺ عن القدوم على الأرض الموبوءة، ونهى من كان في أرض فيها وباء أن يخرج منها ومن كان خارجها لا يدخل فيها، لأن هذه أسبابٌ لانتشار المرض، والامتناع عنها أخذٌ بالأسباب الواقية، والإقدام عليها إلقاءٌ إلى التَّهْلُكة، والله نهى عن ذلك، إلاَّ من قَوِيَ إيمانه وتوكُّله على الله تعالى؛ فهذا قد يُقدم على الوباء ويخالط المرضى ولا يصاب، لأنه متوكِّلٌ على الله ﷾، لكن هذا لا يكون إلاَّ لأهل الإيمان القوي، أما أهل الإيمان الضعيف فهؤلاء يبتعدون عن هذه المواطن لئلا يصابوا، ثمّ تسوء عقيدتهم.
[ ٢ / ٨ ]
والإقدام على محلاَّت الخطر من الإلقاء إلى التهلُكة، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، إلاَّ إذا كان هناك مصلحة راجحة من الإقدام على هذه الأمور فيُقدم عليها، أما إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة فالأخذ بالأسباب الواقية أحسن، وإذا كان هناك مصلحة راجحة فالإقدام أحسن، على حسب الأحوال.
وقوله: "ولا طَيرة" هذا نفيٌ معناه: النهي، يعني: لا تتطيّروا، وإنْ كان الإنسان يجد في نفسه شيئًا فلا يمنعه ما يجد في نفسه من المُضي والعزم، لأن إيمانه يسوقه، بخلاف ضعيف الإيمان فإن التشاؤم يتغلّب عليه فيتراجع، ويكون هذا من الخلل في العقيدة، وضعف التوكُّل على الله ﷾.
وإذا وجدت في نفسك تشاؤمًا أو كراهية فتوكّل على الله وأقدِم.
والطيرة ليس لها أصل، بخلاف العدوى، وإنما هي من الشيطان، فهي تخيُّلٌ من الإنسان بسبب وسوسة الشيطان.
فالتطيُّر ليس له أصل، ومن وجد في نفسه شيئًا من الكراهية فليتوكّل على الله وليعزم، ولا ترده الطيَرة عن مقصوده.
وقوله ﷺ: "ولا هامَة" الهامة: طائر يسمّى البومة، وكان العرب يتشاءمون به إذا وقع على بيت أحدهم قال: نعى إليَّ نفسي أو أحدًا من أهلي. كانوا يتشاءمون بها، ويقولون: البوم لا يقع إلاَّ على الخراب. فهذا من عقيدة الجاهلية.
وبعض أهل الجاهلية يزعمون أنه إذا قُتل القتيل ولم يؤخذ له بالثأر فإنه يخرج منه طائر يسمّى الهامة، ويصوِّت: أسقوني، أسقوني" يعني: خذوا بالثأر، ولهذا يقول الشاعر:
يا عمرو إن لم تدع ذمي ومثلبتي
أضربك حتى تقول الهامة أسقوني
قوله ﷺ: "ولا صَفَر" هذا فيه قولان لأهل العلم:
القول الأول: أن المراد بالصفر: شهر صفر، لأنهم كانوا في الجاهلية يتشاءمون بهذا الشهر، فلا يتزوّجون فيه، ولا يسافرون، ولا يتاجرون، ويعتقدون أنه شهرٌ مشؤوم.
[ ٢ / ٩ ]
وزاد مسلم: "ولا نوء، ولا غول ".
_________________
(١) فردّ عليهم النبي ﷺ بأنه ليس هناك صفر مشؤم، وإنما صفرٌ شهر من أشهر الله، ليس فيه شؤم ولا شرٌّ. فهذا فيه: إبطال لتشاؤمهم بشهر صفر. والقول الثاني: أن المراد بصفر: مرض يكون في المعدة، يزعمون أنه يُعْدي غير المصاب به. ولكن سواءٌ قيل هذا أو هذا، كله منفي سواء تشاءموا من الشهر أو تشاءموا من المرض، كله لا أصل له، فليس في الشهر شؤم ولا في المرض،. وإنما الأمراض بيد الله ﷾، هو الذي ينزلها، وهو الذي يرفعها، هو الذي يُمرض، وهو الذي يشفي ﷾، لا دخل للشهور، ولا دخل لغيرها في هذا الأمر. قوله: "أخرجاه" أي: أخرجه البخاري ومسلم. ومناسبة الحديث للباب ظاهرة حيث إنه قال: "ولا طيرة"، ففيه: النهي عن الطيّرة. قوله: "زاد مسلم" أي: في روايته، يعني: زاد على الأربعة المذكورة فصارت "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر، ولا نوء، ولا غول" فصارت ستة أشياء. والنوء المراد به: أحد الأنواء، وهو: النجم، لأنهم كانوا يعتقدون أنّ نزول الأمطار وهُبوب الرياح بسبب طلوع النجوم، ويُسندون هذا اإلى النجوم والكواكب، وهذا من اعتقاد الجاهلية، لأن نزول الأمطار وحصول الرياح وغير ذلك إنما هو بقضاء الله وقدره، أما هذه النجوم وهذه الكواكب فإنها لا تُحْدِثُ شيئًا، نعم، وقت طلوع النجم وقت للمطر بإذن الله، أو هبوب الرياح، هذا من ناحية الوقت لا من ناحية الخلق والإيجاد، فهي لا توجِد ولا تسبب ولا تحدِث، ولكن يكون طلوعها وقتًا لنزول الأمطار إذا شاء الله، وقد يطلع النجم ولا يحصل مطر، وهذا راجع إلى مشيئة الله وقدره، فقد يكون هناك مواقيت للأمطار ولا ينزل مطر، قد يكون هناك مواقيت لهبوب الرياح ولا تهب الريح لأن هذا بيد الله ﷾، وكم من بلاد كانتْ تنزل عليها الأمطار صيفًا وشتاءً، وامتنع عنها المطر وأجدبتْ، كما تسمعون الآن بما يسمونه بالجفاف في بلاد كانتْ تدوم عليها الأمطار، فإذا أراد الله مَنَعَه
[ ٢ / ١٠ ]
وحَبَسَهُ منعه وحبسه، وبلاد مجدبة قاحلة يابسة يسوق الله إليها المطر فتمطر فتهتز بالنبات والزهور، هذا بيد الله ﷾، فنزول المطر لا تصرُّف لأحد فيه لا النجوم ولا غير النجوم.
وسيأتي مزيد بيان للتنجيم في "باب بيان ما جاء في التنجيم".
ولَمّا صلى النبي ﷺ صلاة الفجر بأصحابه يوم الحديبية على إِثّر سماء كانت من الليل قال ﷺ: "أتدرون ماذا قال ربكم؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب. وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذاك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب"، فالذي ينسب الأمطار إلى الكواكب أو الأنواء مشركٌ بالله.
أما الذي يقول: إن الأنواء وقت للأمطار، فلا شيء فيه، لأن الله جعل للأشياء مواقيت، قد تحصل في هذه المواقيت وقد لا تحصل.
فالحاصل؛ أن هذا حديثٌ عظيم، جمع فيه النبي ﷺ كثيرًا من عقائد الجاهلية وأبطلها ونفاها، وقرّر ﷺ عقيدة التّوحيد.
وقوله ﷺ: "ولا غول" - بضم الغين-: أحد الغيلان، والغيلان من أعمال شياطين تتشكّل أمام النّاس في الفلوات، خصوصًا إذا استوحش الإنسان تتشكّل أمامه أشياء تضله عن الطريق، إما بإنْ يرى أمامه نارًا تتنقّل، أو أصواتًا يسمعها، أو غير ذلك، ولهذا يقول ﷺ: "إذا تغوّلت الغيلان فبادروا بالأذان" بمعنى: أنه إذا تغوّل الغول أمامك فبادر إلى ذكر الله، فإن ذكر الله يطرد الشيطان، فإذا ذكرت الله أو تلوت القرآن ذهب عنك هذا العمل الشيطاني.
فالنبي ﷺ نفى هذا- أيضًا-.
وكانوا في الجاهلية يعتقدون في هذه الغيلان أنها تُحدِث لهم شرًّا، والنبي ﷺ نفى هذا، وقال: لا أصل لها، وهي أعمال شيطانية لا تضر أحدًا إلاَّ بإذن الله، وذكر لها علاجًا شافيًا وهو: ذكر الله.
فهذه أمراضٌ جاهلية عالجها النبي ﷺعليه الصلاة والسلام-.
[ ٢ / ١١ ]
ولهما عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل"، قالوا: ما الفأل؟ قال: "الكلمة الطيبة".
_________________
(١) وهذه الأحاديث والآثار في موضوع حكم الطيرَة، والفرق بينهما وبين الفأل، وبيان ما تُعالَج به الطيرة. فقوله ﷺ في حديث أنس ﵁: "لا عدوى" العدوى سبق الكلام فيها، وأن معناها: انتقال المرض من شخص إلى شخص بحكم مقاربته له، أو ملامسته له، ونحو ذلك. ولذلك كان أهل الجاهلية يعملون أعمالًا فظيعة خوفًا من العدوى، والرسول ﷺ نفى ذلك، وأمر باتّخاذ الأسباب الواقية مع التوكُّل على الله ﷾. فقوله: "لا عدوى" يعني: على ما كان تعتقده الجاهلية، وإنما العدوى بأمر الله ﷾ ومشيئته، فإذا توكلت على الله، وآمنت بالله، وقوِيَ يقينك بالله، واتخذت الأسباب التي أمر الله بها؛ فحينئذ تكون قد فعلت المشروع، والتوكل ليس معناه أنك تترك الأسباب، بل تأخذ بالأسباب الواقية، ولا تقْدم على البلد الذي فيه الوباء، ولا تخرج منه إذا وقع وأنت فيه، ولا تخالط الممرضين وأنت تقدر على الابتعاد عنهم، إلاَّ إذا دعت الضرورة إلى ذلك، بأن كان المريض ليس له أحدٌ يعالجه، والمصاب ليس له أحد يعالجه ويقوم بشؤونه؛ فتوكل على الله وقُم بمعالجة المريض، وقُم بخدمته وتوكّل على الله ﷾، وأنت مأجور، فالله جل وعلا إذا علم من نيّتك الإيمان والإخلاص كفاك ﷾، أما ما دمت في غنىٌ عن مخالطته فلا حاجة بك إلى مخالطته، فأنت لا تُقدِم عليه من باب أخذ الأسباب. وقوله ﷺ: "ويعجبني الفأل" الفأل: تأميل الخير. والطيرة: تأميل الشر. وتأميل الخير مطلوب، والطيرة ممنوعة لأن الطيرة سوء ظنٍّ بالله، والفأل حسن ظنٍّ بالله جل وعلا. فإذا سمع الشخص كلمة طيِّبة انشرح صدره، أو رأى شخصًا طيِّبًا جاء إليه انشرح صدره وأمّل خيرًا، وأحسن الظن بالله ﷾، فهذا أمرٌ طيِّب، ولهذا
[ ٢ / ١٢ ]
ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذُكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: "أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلاَّ أنت، ولا يدفع السيئات إلاَّ أنت، ولا حول ولا قوة إلاَّ بك".
وعن أبي مسعود مرفوعًا: "الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلاّ ، ولكن الله يذهبه بالتوكل" رواه أبو داود والترمذي وصححه، وجعل آخره من قول ابن مسعود.
_________________
(١) كان الفأل يعجب الرسول ﷺ، فإذا سمع ﷺ اسمًا حسنًا، أو كلمة طيبة، أو مرّ بمكان طيّب، انشرح صدره ﷺ من حسن الظن بالله جل وعلا. ولِمّا أقبل سُهيل بن عمرو في قصة الحديبية ليتفاوض مع الرسول ﷺ، ورآه مقبلًا قال ﷺ: "سُهِّل لكم من أمركم"، وكان كما أمّل الرسول ﷺ، فكان مجيئه سبب خير. قوله. "فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل" إلخ فيه ما تعالج به الطيرة وهو هذا الدعاء الذي ذكره. وفي حديث ابن مسعود قال: "الطيرة شرك، الطيرة شرك" كرِّر هذا مرّتين أو ثلاثًا تأكيدًا، وقد قدّمنا بيان معنى كونها شركًا. قوله: "وما منّا إلاّ ولكن الله يُذهبه بالتوكُّل" هذا من كلام ابن مسعود، يقول: يقع في قلوبنا شيء من الطَيرة، فإذا رأى الإنسان شيئًا يكرهه يقع في نفسه شيء، لأنه لا يقدر على ردِّ هذا، وهذا لا يؤاخذ عليه الإنسان، كما قال ﷺ: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما حدَّثتْ بها أنفسها ما لم تتكلّم أو تعمل"، فكونه يقع في نفس الإنسان شيءٌ إذا رأى شيئًا يكرهه، أو يخاف شيئًا ثمّ لا يتأثر ولا يتصرّف تصرُّفًا يخالف ما شرعه الله؛ لا يؤاخذ على هذا. "ولكن الله يُذهبه بالتوكُّل" هذا هو العلاج، فالمؤمن يتوكل على الله ولا يضره ما وقع في نفسه، ويذهب بإذن الله إذا توكّل على الله. فهذا إشارةٌ إلى ما تُعالجَ به الطيَرة أيضًا وهو: التوكُّل على الله سبحانه
[ ٢ / ١٣ ]
ولأحمد من حديث ابن عمرو: "من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك"، قالوا: فما كفارة ذلك؟، قال: "أن تقولوا: اللهم لا خير إلاَّ خيرك، ولا طير إلاّ طيرك، ولا إله غيرك ".
وله من حديث الفضل بن العباس: "إنما الطيرة ما أمضاك أو ردّك".
_________________
(١) وتعالى، ثم المُضي وعدم التردُّد، فإن تأثر بالطيَرة التي وقعتْ في نفسه وقعد عن الخروج، أو فرّ من المكان الذي تطيّر منه؛ فهذا هو الطيَرة المذمومة، لأنها أثّرْت فيه فمضى أو رجع. وقوله: "من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك" فيه أن التطير الذي يرد ويمنع الإنسان عن حاجته شرك. وقوله ﷺ: "الطيرة: ما أمضاك أو ردّك" "ما أمضاك" يعني، ما نفّرك من المكان، أو من الشخص، أو من المرئي الذي رأيته، وفررْت منه تأثرًا بالطيْرة فهو شرك. "أو ردّك" أي: عن حاجتك، كأن تريد أن تسافر ولَمّا رأيت الثعلب أو الغراب أو فلانًا الذي تكره قلت: هذا سفر ليس بحسن أو طيّب. ورجعت عنه وهذا هو التطيُّر، وهو شرك. والواجب عليك حينما حصل لك هذا الشيء وكرهته في نفسك أن ترفضه متوكِّلًا على الله تعالى وأنْ تمضيَ في حاجتك. ثم بيّن ﷺ ما تُعالجَ به الطيَرة، وهو ثلاثة أمور: الأمر الأول:- وهو الأصل-: التوكُّل على الله ﷾، وأنه لا يأتي بالخير ولا يدفع الشر إلاّ هو ﷾، وهو الذي يأتي بالخير ويدفع الشر، وهو الذي يضرُّ وينفع، وهو الذي يتصرف في الكون فإذا توكّل على الله فإن الطيرة لا تضره. الأمر الثاني: أنْ يمضيَ في حاجته التي أرادها، ولا يرجع عنها بسبب الطيَرة. الأمر الثالث: الدعاء، بأن يدعوَ الله بالدعاء الذي أرشد إليه النبي ﷺ، وهو أن يقول: "اللهم لا يأتي بالحسنات إلاَّ أنت، ولا يدفع السيّئات إلاَّ أنت، ولا حول
[ ٢ / ١٤ ]
ولا قوة إلاَّ بك" وهذا دعاءٌ عظيم، فيه توكُّل على الله، رفيه اعتراف بأن الذي يأتي بالحسنات ويدفع السيّئات هو الله تعالى وليست الطيَرة، وأنه لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، لا أحد يحوِّل من حال إلى حال إلاَّ الله ﷾، ولا أحد يقوى على شيء إلاَّ بقوة الله ﷾.
والدعاء الثاني: "اللهم لا خير إلاَّ خيرك، ولا طير إلاَّ طيرك، ولا إله غيرك" "لا خير إلاَّ خيرك" أي: لا أحد يجلب الخير إلاَّ الله ﷾.
"ولا طير إلاَّ طيرك" لا يصيبك شيء إلاَّ بإذن الله وقدره ومشيئته، وبسبب ذنوبك.
"ولا إله غيرك" لا معبود بحقٍّ سواك، وهذا اعتراف بالتّوحيد ونفي للشرك.
فالحاصل؛ أن الطيرة تُعالج بهذه الأمور الثلاثة:
أولًا: التوكُّل على الله.
ثانيًا: المضي وعدم التأثر بها، ولا تظهر على تصرُّفاتك، وما كأنها وُجدت.
والثالثة: أن تدعوَ بهذه الدعوات الواردة في الأحاديث، فإذا دعوتَ الله بهذه الدعوات فإن الله يعافيك من الطيرة ويُمدُّك بإعانته ونصره وتوفيقه.
والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ١٥ ]