[الباب الثاني:] * باب فضل التّوحيد وما يكفر من الذنوب.
_________________
(١) قال الشيخ ﵀: "باب فضل التّوحيد وما يكفِّر من الذنوب"، ثم ساق في هذا الباب آية من كتاب الله، وأحاديث عن رسول الله ﷺ تُبيّن فضل التّوحيد، وتُبيّن ما يكفِّره من الذنوب، والمناسبة بين هذا الباب والذي قبله، مناسبة ظاهرة، فإنه ﵀ لما بيّن في الباب الذي قبله حقيقة التّوحيد، ومعنى التّوحيد المطلوب، ووضّح ذلك بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ناسب أن يذكِّر فضله ليرغب فيه، ويحث عليه، لأن الشيء إذا عُرفت مزاياه فإن النفس تتعلق به وتحرص عليه، وهذا التصنيف بين البابين في غاية الحكمة، مما يدل على دقة فهمه ﵀، لأنه لو ذكر فضل التّوحيد قبل أن يبيّن معنى التّوحيد لم يكن ذلك مناسبًا، فلابد أن تُبيّن حقيقة الشيء ومعناه، ثم بعد ذلك تبين فضله، أما أن تذكر الفضائل لشيء غير معروف، فهذا لا يُجْدِي شيئًا، ومن هنا نُدرك خطأ كثير من الدعاة اليوم، أو من المؤلفين المعاصرين، الذي يزعمون أنهم يكتبون عن الإسلام، وعن الدعوة، ويمدحون الإسلام مدحًا كثيرًا، في محاضراتهم، وفي كتبهم، وهذا حق، لكن ما هو الإسلام أوّلًا، لم يبيّنوا ما هو الإسلام، تقرأ الكتاب من أوله إلى آخره، أو تستمع إلى المحاضرة- أو الشريط- من أوله إلى آخره، وهو مدح للإسلام وثناء عليه، وبيان لمزاياه، لكن ما هو الإسلام، لأن كل واحدة من الفرق الضالة والمنحرفة تفسِّر الإسلام بمذهبها، وينزِّلون هذا المدح، وهذا الثناء على مذهبهم، فلا يكفي أننا نمدح الإسلام ونثني عليه فقط، لابد أن تبيّن ما هو الإسلام، ما هي حقيقة الإسلام الذي يُنجي من الكفر، ويدخل في التّوحيد، ويُنجي من النار ويدخل في الجنة، وما هي نواقض الإسلام التي تُفسد الإسلام، وتُخرج منه، وما هي مكمِّلاته، وما هي منقِّصاته، لابد من هذا، أما مجرد المدح، وذكر الفضائل بدون إنك تبيّن حقيقة الشيء، فهذا خطأ عظيم، والإسلام هو ما جاء به رسول الله ﷺ وكان عليه صحابته الكرام، وكان عليه القرون المفضلة، أما ما خالف ذلك فليس من الإسلام في شيء، وإن كان صاحبه يدَّعي أنه هو الإسلام، ومن هنا تجدون الشيخ بيّن في الباب الأول حقيقة التّوحيد
[ ١ / ٥٤ ]
وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية.
_________________
(١) لئلا يدعي كل واحد أن مذهبه هو التّوحيد، أو ما هو عليه هو التّوحيد، وهذا أمر مهم جدًّا، لأنهم يقولون أدعوا إلى الإسلام وبينوا مزايا الإسلام فقط، ولا تبينوا للناس حقيقة الإسلام، لأن هذا يفرق عنكم الناس. قال رحمه الله تعالى: "وقول الله- تعالى- ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ "، هذه الآية جاءت بعد ذكر مناظرة إبراهيم الخليل﵊- لقومه، لأن قومه كانوا يعبدون الكواكب، وهم الصابئة، في أرض العراق، فالله ﷾ بعث نبيّه ورسوله إبراهيم الخليل﵊- للدعوة إلى التّوحيد، وإنكار هذا الشرك، ولم يكن هناك مسلم وقت بعثته﵊-، كلهم على الوثنيّة- والعياذ بالله-، وذكر الله ذلك في القرآن في عدة مواضع منها: في سورة الأنعام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ﴾ بدأ بأبيه، لأنه يجب على الإنسان أول ما يبدأ بنفسه، ثم بأقرب الناس إليه، وأهل بيته، وجيرانه، ثم ينتشر في الدعوة إلى الله شيئًا فشيئًا، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، وفي الآية الأخرى يقول- جلّ وعلا-: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾ إلى آخر الآيات. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أطلعه الله ﷾، على ذلك من أجل أن يؤهله لحمل الرسالة، والدعوة إلى الله ﷿ والمناظرة، ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ الموقنين بالله ﷾ وتوحيده، ويزول عنه أي شك أو أي ارتياب، أو أي شبهة، يكون على وضح اليقين، ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ يعني: غَشَى عليه الليل بظلامه، ﴿رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ هذا من باب المناظرة، وليس من باب النظر- كما يقول الفلاسفة أو علماء الكلام- لأن إبراهيم يعرف ربه من قبل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، ولكنه قال ذلك لأجل المناظرة، هذا ربي بزعمكم، ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ يعني: غاب واختفى، ﴿قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ لأنه لو كان ربًا ما غاب ولا اختفى، فهذا مما يُبطل ربوبية هذا الكوكب، ﴿قَالَ لا أُحِبُّ
[ ١ / ٥٥ ]
الآفِلِينَ﴾ لأنه لو كان ربًّا ما عرض له هذا العارض وهذا الزوال بعد الوجود، ﴿فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ يتدرج شيئًا فشيئًا، ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ يعني: غاب وانتقل، صار هذا القمر يُتصرّف فيه، ويُديّر، مثل النجم الذي قبله، يُسَيَّرْ من المطلع إلى المغرب، فهو ليس برب إذًا، ﴿قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ تدرج إلى أكبر الكواكب هي الشمس، وإذا بطلت عبادة الشمس بطلت عبادة بقية الكواكب من باب أولى، ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ الآن صرّح بالتّوحيد، وبين بطلان عبادة هذه الكواكب التي يعبدونها، تقرّر عقلًا وشرعًا وفطرة أنها ليست بآلهة، وأعلن البراءة، وهي الهجر والترك والابتعاد عنه، ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ هذا هو الرب ﷾ الذي فطر السموات والأرض، يعني: خلقهما وأبدعهما على غير مثال سابق، فالخالق هو الذي يستحق العبادة، أما الكواكب فهي مخلوقة، والمخلوق لا يستحق العبادة، مدبَّرة ليس لها في نفسها تدبير فكيف بغيرها؟، ﴿حَنِيفًا﴾ الحنيف معناه: المقبل على الله، المعرض عما سواه، يعني: لا ألتفت إلى غيره ﷾، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هذه براءة أيضًا، لما تبرّأ من الأصنام تبرّأ من أصحابها، ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ ناظروه على ترك هذه الدعوة، وأن يسلك مسلك الناس، ويمشي مع الناس، حتى أبوه وقف في وجهه، كما ذكر الله ذلك في سورة مريم، فإن أباه وقف منه موقف المُعادي ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾، أفحمهم بالحجة ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ﴾ لأنهم توعدوه بأصنامهم، ﴿إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ كيف تهدِّدونني بآلهتكم وأنتم لا تخافون الله الذي خلق السموات والأرض وجعلتم معه شريكًا؟، إن كان هناك تهديد أو وعيد فهو عليكم أنتم، ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ما تهمني أصنامكم ولا وعيدكم، لأني متوكل على الله ﷾ ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾ إذا كنتم تهدّدون بالوعيد والتخويف، وأنا أخوّفكم بالله ﷿، وأبيّن لكم أنكم إن لم تتوبوا إليه فسيعذبكم، فـ ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ
[ ١ / ٥٦ ]
أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾ أنا أو أنتم؟، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، فَصَل الله الحكم بينهم فقال:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ هذا هو الحكم الإلهي، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وهذا عام في قوم إبراهيم، وغيرهم من الخلق، يعني: الذين وحّدوا الله، وأخلصوا له العبادة، ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ المراد بالظلم هنا: الشرك، لأن الظلم- كما بيّن أهل العلم- ثلاثة أنواع:
النوع الأول: وهو أعظمها-: ظلم الشرك، قال- تعالى-: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ لماذا سُمي الشرك ظلمًا؟ لأن الظلم في الأصل: وضع الشيء في غير موضعه، والشرك معناه: وضع العبادة في غير موضعها، وهذا أعظم الظلم، لأنهم لما وضعوا العبادة في غير موضعها، أعطوها لغير مستحقها، وسوَّوْ المخلوق بالخالق، سوَّوْ الضعيف بالقوي الذي لا يُعجزه شيء، وهل بعد هذا ظلم؟
والنوع الثاني: ظلم العبد نفسه بالمعاصي، فالعاصي إنما ظلم نفسه، لأنه عرّض نفسه للعقوبة، وكان الواجب عليه أن يُنقذ نفسه، وأن يضعها في موضعها اللائق بها، وهو الطاعة، والكرامة ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ .
النوع الثالث: ظلم العبد للناس: بأخذ أموالهم، أو غيبتهم، أو نميمتهم، أو سرقة أموالهم، أو التعدي عليهم في أعراضهم بالغيبة والنميمة والقذف والهمز واللمز وغير ذلك من التنقُّص، أو في دمائهم بقتل الأبرياء بغير حق، أو بالضرب والجرح والإهانة بغير حق، فهذا تعدِّ على الناس.
هذه هي أنواع الظلم: ظلم الشرك؛ وهذا أعظم أنواعه، وظلم العبد نفسه، وظلم العبد لغيره من المخلوقين.
أما النوع الأول وهو: ظلم الشرك، فهذا لا يغفره الله أبدًا إلاَّ بالتوبة ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .
وأما النوع الثالث وهو: ظلم العبد للناس، فهذا لا يترك الله منه شيئًا، لابد من القصاص، إلاَّ أن يسمح المظلومون، جاء في الحديث: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها
[ ١ / ٥٧ ]
يوم القيامة، حتى يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القَرْنَاء" الشاة الجَلحَاء هي التي ليس لها قرون، والشاة القَرْنَاء التي لها قرون، إذا نطحتها بقرونها لابد من القصاص يوم القيامة حتى بين البهائم، قال- تعالى-: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ تحشر البهائم يوم القيامة، ويُقْتَصُّ بعضها من بعض، ثم يقول الله لها: "كوني ترابًا"، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ .
وكذلك بنو آدم، يقام القصاص بينهم يوم القيامة، فيُقْتَصُّ من المظلومين للظلمة، ولا يُترك من حقوقهم شيء إلاَّ إذا سمحوا بها، أما النوع الثاني وهو ظلم العبد لنفسه بما دون الشرك فهذا تحت مشيئة الله، إن شاء الله غفره، وإن شاء عذب به، كما يقول أهل العلم:
الدواوين ثلاثة: ديوان لا يغفره الله، وهو الشرك. وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وهو مظالم العباد. وديوان تحت المشيئة إن شاء الله غفر لصاحبه، وإن شاء عذبه، وهو الذنوب والمعاصي التي دون الشرك.
فهذا معنى قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ يعني: بشرك، هذا هو الذي فسَّرها به رسول الله ﷺ، فإنها لما نزلت هذه الآية شقت على الصحابة، قالوا: يا رسول الله أيُّنا لم يظلم نفسه؟، قال رسول الله ﷺ: "إنه ليس بالذي تَعْنُون، إنه الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ﴾ هل المراد في: الأمن المطلق يعني: أنهم لا يعذبون أبدًا، أو المراد مطلق الأمن أي أنهم وإن عذبوا فلابد أن يدخلوا الجنة؟، الآية محتملة، وعلى كلا التفسيرين فالآية تدلُّ على فضل التّوحيد، وأنه أمن من العذاب إما مطلقًا وإما يُؤَمّن من العذاب المؤبّد، فالآية فيها فضل التّوحيد، وأنه يمنح الله لأصحابه الأمن على حسب درجاتهم في التّوحيد والسلامة من الذنوب والمعاصي، ودلّت الآية بمفهومها على أن من أشرك بالله وخلط توحيده بشرك أنه ليس له أمن- والعياذ بالله، فهذا فيه خطر الشرك، وأن من عبد الله، ولكنه يدعو
[ ١ / ٥٨ ]
مع الله غيره، ويستغيث بالموتى، ويذبح للقبور، ويطوف بالأضرحة مستعينًا بها، فهذا خلط إيمانه بشرك، وليس له أمن أبدًا حتى يتوب إلى الله ﷿، ويُخلص التّوحيد، فليس المقصود أن الإنسان يعبد الله فقط، بل لابد- أيضًا- أن يتجنّب الشرك، وإلاَّ فالمشركون لهم عبادات، كانوا يحجون، وكانوا يتصدقون، وكانوا يطعمون الأضياف، وكانوا يُكرمون الجيران، ولهم أعمال لكنها ليست مبنيّة على التّوحيد، فهي هباء منثور، لا تنفعهم شيئًا يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ لا يثبّت الأعمال إلاَّ التّوحيد، ما دام هناك شرك فالأعمال لا قيمة لها، مهما أتعب الإنسان نفسه فيها، وهذا يدلُّنا على فضل التّوحيد، ومكانة التّوحيد، وأنه مُؤَمّن من عذاب الله ﷿ بخلاف المشرك فإنه لا أمن له من عذاب الله، والأمن يكون في الدنيا، كالأمن من الأعداء، والأمن من الحروب، تعرفون قيمته، وخطر الخوف، هذا في الدنيا فكيف بالأمن في الآخرة من النار؟، النار أشد من الحروب، وأشد من الأعداء، وأشد من كل شيء، إذا كان الأمن في الدنيا هذه قيمته، وهذه منافعه، فكيف بالأمن في الآخرة.
ثم قال: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ هذه مزيّة ثانية من مزايا التّوحيد، وهي حصول الهداية للموحّدين المخلصين لله، أنهم في الدنيا يكونون مهتدين في أعمالهم، يعبدون الله على بصيرة، سالمين من الشرك في الأعمال، وسالمين من البدع والخرافات، بخلاف أهل الشرك، فإنهم غير مهتدين في الدنيا، بل هم ضالون، لأنهم يعبدون الله، ويخلطون العبادة بالشرك، ويعبدون غير الله، فهم ضالون لا مهتدون، إذًا الموحّد يعطيه الله مزيتين:
المزيّة الأولى: الأمن من العذاب. المزيّة الثانية: الهداية من الضلال.
بحيث أنه يعبد الله على بصيرة وعلى نور وبرهان، متبعًا للسنّة متبعًا للرسول ﷺ يمشي على الجادة الصحيحة، بخلاف المشرك فإنه يمشي على غير هدى، وعلى غير دين، وعلى غير برهان، يتعب نفسه في هذه الدنيا، وهو يتقدم إلى النار، ويمشي
[ ١ / ٥٩ ]
عن عُبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من شهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" أخرجاه.
_________________
(١) إلى النار، كما قال- تعالى- في الآية الأخرى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ لا يضل في الدنيا عن الحق، ولا يشقى في الآخرة، وهذا ضمان من الله ﷾ لمن اتبع القرآن أنه لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. قوله: " من شهد أن لا إله إلاَّ الله"، يعني: نطق بالشهادة عارفًا لمعناها، عاملًا بمقتضاها، موقنًا بها، لأنه لا يكفي التلفظ، بالشهادة من غير معرفة لمعناها، كذلك النطق بالشهادة مع معرفة بمعناها، لكن لا يعمل بمقتضاها، هذا -أيضًا- لا يكفي، بل لابد من النطق والعلم والعمل بمقتضى هذه الكلمة العظيمة، فليست هي مجرد لفظ يردَّدُ على اللسان من غير فهم لمعناها، ولا يكفي العلم بمعناها، بل لابد من العمل بمقتضاها، بأن يُفرد الله بالعبادة، ويترك عبادة ما سواه، هذا معنى "أشهد أن لا إله إلاَّ الله" فإذا لم ينطق بها فإنه لا يحكم بإسلامه، ولو كان يعرفها بقلبه، ولو كان يعبد الله في أعماله، لكنه أبى أن ينطق بالشهادة، فهذا لا يُعتبر مسلمًا، حتى ينطق بالشهادة، لقوله ﷺ: " أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله" وكذلك من نطق بها بلسانه ولكنه لا يعتقدها في قلبه، هذا -أيضًا- ليس بمسلم، بل هو منافق، فالمنافقون يقولون: لا إله إلاَّ الله، وهم في الدرك الأسفل من النار، لماذا؟ لأنهم لا يعتقدون معناها، وعُبّاد القبور اليوم يقولون لا إله إلاَّ الله بألسنتهم، لكنهم لا يعملون بمقتضاها، بل يعبدون القبور والأضرحة، ويدعون الأولياء والصالحين، فهم أقرُّوا بها لفظًا، وخالفوها معنىً، فالمشركون جحدوا لفظها ومعناها، والقبوريُّون أقرُّوا بلفظها وجحدوا معناها، هم سواء لا فرق بينهم أبدًا، كذلك المنافقون تلفّظوا بها، لكنهم لا يؤمنون بها في قلوبهم -أيضًا- هم سواء، بل هم شر من الكفّار، قال- تعالى-: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ
[ ١ / ٦٠ ]
تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ وهم ينطقون، ويقولون: لا إله إلاَّ الله، ويصلّون، ويصومون، لكن لما كانوا مُنكرين بقلوبهم، غير معترفين بها في قلوبهم، وإنما قالوها لأجل المصالح الدنيوية فقط، صاروا- والعياذ بالله- في الدرك الأسفل، من النار.
فالحاصل أنها كلمة عظيمة، لكن لابد أن يتوفّر.
أولًا: النطق بها.
وثانيًا: العلم بمعناها.
وثالثًا: العمل بمقتضاها.
ومعنى: ﴿لا إله إلاَّ الله﴾ نفي العبادة عما سوى الله، وإثباتها لله ﷾، يعني: إبطال عبادة كل ما سوى الله، وإثبات العبادة لله، فقوله: ﴿لاَ إله﴾: هذا إبطال لجميع المعبودات من دون الله ﷿، وإنكار لها ﴿إلاَّ اللهَ﴾: هذا إثبات للعبادة لله ﷾، فعلى هذا معنى لا إله إلاَّ الله: لا معبود بحق- أو لا معبود حقًا- إلاَّ الله ﷾، أما لو قلت: معناها: لا معبود إلاَّ الله، نقول: هذا ضلال عظيم، لأنك أدخلت كل المعبودات وجعلتها هي الله، جعلت الأصنام والأضرحة والكواكب وكل ما عُبد من دون الله هو الله، وهذا غلط، وهو مذهب أهل وحدة الوجود. فلابد أن تأتي بكلمة حق، لأن المعبودات على قسمين: معبود بحق، ومعبود بالباطل، المعبود بحق هو الله، والمعبود بالباطل هو ما سوى الله من كل المعبودات، قال- تعالى-: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، هذا معنى: لا إله إلاَّ الله.
وقوله: "وحده لا شريك له" كلمتان جيء بهما للتأكيد، وحده: تأكيد للإثبات، لا شريك له: تأكيد للنّفي، فهما كلمتان مؤكِّدتان للا إله إلاَّ الله، لما فيها من النفي والإثبات.
وهذه الكلمة كلمة عظيمة، جاءت في القرآن بلفظها وجاءت بمعناها، كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ﴾ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ وجاءت بمعناها مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فقوله:
[ ١ / ٦١ ]
﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ هذا هو معنى النّفي: لا إله، ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ هذا هو معنى الإثبات: إلاَّ الله، فهي كلمة عظيمة.
وقوله: "وأن محمدًا عبده ورسوله" هذا يدل على أنه لا يكفيه شهادة أن لا إله إلاَّ الله، بل لابد معها من شهادة أن محمدًا رسول الله، فلو شهد أن لا إله إلاَّ الله، وأبى أن يشهد أن محمدًا رسول الله؛ لم يدخل في الإسلام، لأن هذه قرينة هذه، وكما في الأذان، وفي الإقامة، وفي الخطب، وإذا جاءت لا إله إلاَّ الله وحدها، تدخل فيها شهادة أن محمدًا رسول الله ضِمنًا.
وقوله: "وأن محمدًا عبده ورسوله" هذا نفي للإفراط والتفريط، عبده هذا نفي للإفراط والغلو في حق الرسول ﷺ بجعل شيء له من الربوبية، كما يعتقد المخرِّفون، فالرسول ﷺ عبدٌ ليس له من الرُّبوبية شيء، وقد سمَّاه الله عبدًا في أشرف المقامات، في مقام الوحي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ وفي مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وفي مقام الإنزال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ وفي مقام التحدي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ فهو عبد لا يُعبد﵊-، ورسول لا يُكذّب ﷺ بل يُطاع ويُتبع، فليس له من العبادة شيء، فالذين يطلبون منه المدد، ويطلبون منه النصر على الأعداء، ويطلبون منه قضاء الحاجات، وتفريج الكُرُبات، هؤلاء رفعوه من العبودية إلى الألوهية- والعياذ بالله-، ما أقرُّوا أنه عبد الله، بل جعلوه شريكًا لله في ربوبيّته وإلهيّته، والرسول ﷺ يقول: "لا تُطْرُوني كما أَطْرَت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله"، يقول الله ﷾ له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾، ويقول سبحانه: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾، ويقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلاَّ بَلاغًا مِنَ اللهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ .
[ ١ / ٦٢ ]
وقوله: "ورسوله" هذا رد على أهل التفريط، الذين لا يقدِّرون الرسول حق قدره، إما يجحدون رسالته -﵊-، وإما أنهم يقرُّن برسالته، لكنهم لا يتبعونه الإتباع المطلوب، فهؤلاء لم يشهدوا أنه رسول الله، وشهادتهم إما باطلة وإما ناقصة، باطلة إن كانوا لا يتبعونه أبدًا، وناقصة إن كانوا يتبعونه في بعض الأشياء ويخالفونه في بعض الأشياء رغبة لنفوسهم وشهواتهم.
فقوله: "ورسوله " هذا رد على أهل التفريط والتساهل في حق الرسول ﷺ، وهو أعظم الخلق﵊-، وأشرف الخلق، وأفضل الرسل، فلا يُتساهل في حقه ﷺ لكن ليس معنى هذا أننا نغلوا فيه، ونجعل له شيئًا من الربوبية، فلا إفراط ولا تفريط.
وقوله ﷺ: "وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه" عيسى -﵊- هو عيسى بن مريم، خلقه الله من أم بلا والد، وذلك ليُظهر للعباد قدرته سبحانه على كل شيء، وقصة مريم ﵍ ذكرها الله في القرآن، من نشأتها: أنها من بيت طيّب، وبيت عبادة، وأن والدها توفي وهي صغيرة، وكَفَلَها زكريا نبي الله﵊-، لأن خالتها كانت زوجة زكريا ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ يعني: أم مريم، ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ نذرت حَمْلَها أن يكون خادمًا لبيت المقدس، الذي هو أحد المساجد الثلاثة في الأرض، ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ كانت ترجو أن يكون ذكرًا، لأن الذكر هو الذي يستطيع القيام بهذه المهمة العظيمة، ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ لأنها قالت هذا من باب الدعاء، لا من باب إخبار الله ﷿ أنها وضعتها، وقرئت الآية: ﴿والله أعلم بما وَضَعْتُ﴾، هذا لبيان أن الله ﷾ عالم بكل شيء، وأنه لا يَخفى عليه هذه المولودة، وليست امرأة عمران تُخبر ربها ﷿، وإنما تدعوه ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ بمعنى: أن الذكر أفضل من الأنثى في القيام بالمهمات، فالذكر يستطيع ما لا تستطيعه الأنثى، لما جعل الله في خِلقة الذكر من الامتياز عن خِلقة الأنثى، وهذا من حيث الجنس،
[ ١ / ٦٣ ]
لا من حيث الأفراد، قد يكون في أفراد الإناث من هو خير من كثير من الذكور، أما من حيث الجنس فالذكور أفضل من الإناث، لأنهم يستطيعون من الأعمال ما لا تستطيعه الإناث، ولأن عقولهم أوفى من عقول الإناث، بلا شك، ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ* فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ يعني: تقبل مريم: ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾، نشأت في العبادة والطاعة ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ وفي قراءة: ﴿كَفَلَها﴾ لأن بني إسرائيل اختصموا في مريم أيهم يكفلها، لأنها بنت عالمهم وحَبْرِهِمْ وشيخهم، فهم تنافسوا أيهم يكفل مريم، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ عملوا القُرعة أيهم يكفل مريم ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ يعني: أنك يا محمد لم تشهد هذه القرون الماضية وما حصل فيها، ولكن هذا من آيات الله، ومن معجزات هذا الرسول ﷺ أن الله أخبره بما جرى كأنه حاضر، وحتى إن بني إسرائيل انبهروا لأنه جاءهم بمعلومات هم لا يعرفونها من أمورهم، وهي مذكورة في كتبهم وتواريخهم، ويعرفها علماؤهم وأحبارهم، فيكون هذا الرسول يحدث بما جرى من قرون طويلة، وهذا من معجزاته ﷺ لأنه ليس من عنده، فهو أُمّي لا يقرأ ولا يكتب، وإنما هو من عند الله ﷿، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وهذا من العجائب، أنه آخر ما نزل من الكتب ومع هذا يقصُّ أخبار الماضين كما وقعت، وهذا من أعظم معجزات هذا الرسول ﷺ، فوقعت القُرعة لزكريا ﵇، وكانت خالتها- أخت أمها- تحته، فكَفَلَها زكريا ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ يعني: المكان الذي تصلي فيه، لأن المحراب معناه: المكان الذي يصلى فيه، فليس المحراب خاصًا بالزاوية التي تكون في المسجد الآن ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ هذا من كرامات الأولياء، كان يجد عندها في الشتاء فاكهة الصيف، ويجد عندها في الصيف فاكهة الشتاء، كان هذا يحضره ربه لها إكرامًا لها، وهي تصلي في هذا المكان، ولا يتصل بها أحد من الخلق، ثم مع هذا يجد عندها نبي الله هذا الرزق، ثم ذكر قصة زكريا ودعائه لربه، ثم ذكر بقية قصة مريم وحملهما بعيسى ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ
[ ١ / ٦٤ ]
وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾، هذه هي المعجزة، يعني: كيف علمت: أيها الرسول وأنت آخر الرسل، وأيضًا- أنت أُمّي لا تقرأ ولا تكتب، هذا من أعظم المعجزات لك ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ يعني ما الذي أدراك؟، لولا الله سبحانه، وهذا من أنباء الغيب، يعني: من الأخبار الماضية، ويطلق الغيب على المستقبل- أيضًا-، والغيب لا يعلمه إلاَّ الله، الماضي والمستقبل أو من علّمه الله من رسله، وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾ هذه بَشَارة لها، لكنها انبهرت كيف يحصل لها ولد وهي لم تكن تزوجت: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ إلى آخر الآيات.
هذا ما ذكره الله من قصة نشأة مريم، ونشأة ابنها عيسى ﵇، وهذا البيت الطاهر العظيم، ولهذا لما قرأ جعفر بن أبي طالب ﵁ هذه الآيات التي في بيان نشأة عيسى ﵇ عند النجاشي بحضرة البطارقة وكبار النصارى؛ اعترف النجاشي بأن هذا وحي من الله ﷾، وقال: "هذا هو والذي أنزل على موسى يخرج من مشكاة واحدة"، فأسلم النجاشي ﵀، لما سمع ما ذكره الله من نبأ عيسى ﵇، وتفاصيل ولادته، لأنه لا يمكن أن يكون من عند محمد ﷺ.
فقوله ﷺ: "وأن عيسى عبد الله ورسوله" هذا فيه ردٌّ على اليهود وردٌّ على النصارى. أما اليهود فلأنهم جحدوا رسالة عيسى ﵇، ورموه بالبُهْت- والعياذ بالله- وقالوا: إنه ولد بغي، قبّحهم الله وأخزاهم، وحاولوا قتله، وسلّمه الله منهم ورفعه إليه، وألقى عليهم الخزي.
وفيه ردٌّ على النصارى الذين لم يقرِّوا بأن عيسى عبد الله، وإنما ادعوا أنه ابن الله، أو أنه ثالث ثلاثة، أو أنه هو الله، ثلاث مقالات لهم، ذكرها الله جل
[ ١ / ٦٥ ]
وعلا في القرآن: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ ولا يزالون يقولون هذا إلى الآن في إذاعتهم يرددون هذه الأقوال الكفرية الشنيعة، ولا يزالون يقولون: إن عيسى هو ابن الله، وأنه مخلِّص، ويرددون عقائد النصارى السابقة، المهم أنهم لا يزالون على هذه الفِرية: أن عيسى ابن الله، تعالى الله عما يقولون، وأنه الإله المخلِّص، وأنه مَكَّن من نفسه للقتل، وقتلوه وصلبوه من أجل أن يخلِّص العباد من الخطيئة التي ارتكبها آدم ﵇، كما يقولون، قبْحهم الله، فيسمونه المخلِّص ويسمون هذا العمل الفداء، وأن عيسى فعل هذا من باب الفداء لبني آدم، ليخلِّصهم من إثم العقوبة.
وقوله: "وكلمته ألقاها إلى مريم"، الكلمة قوله تعالى لعيسى: ﴿كُن﴾، لأن عيسى وُجد من غير أب، بل وُجد بكلمة ﴿كُن﴾ وليس هو الكلمة، وإنما سُمِّيَ بالكلمة لأنه خُلق بها، بخلاف بقية البشر فإنهم يُخلقون من أب وأم، وكما قال في آدم: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فإذا كنتم تعجبون من كون عيسى وُلد من أم بلا أب، ووجد على أثر الكلمة ﴿كُن﴾ فكيف لا تعجبون من خلق آدم من تراب بدون أم ولا أب، بل بكلمة ﴿كُن﴾، ليس في هذا غرابة على قدرة الله ﷾.
وقوله: "وروح منه" ليس المراد أن عيسى روح من الله، بمعنى أنه من ذات الله، وإنما من روحه المخلوق، لأن الله خلق الأرواح جميعًا، ومنها روح عيسى﵊-، فكلمة "منه" لابتداء الغاية، يعني كلمة مبتدأة من الله، وروح مبتدأة من الله، كما تقول مثلًا هذا الرزق من الله، معناه أن الله هو الذي يسّر هذا الشيء، وهو الذي هيّأه وخلقه، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ معناه: أنه حاصل ونازل وكائن من الله ﷾، فـ "مِنْ" لابتداء الغاية، وقد تسأل وتقول كل أرواح بني آدم من الله على هذا التفسير، فما وجه اختصاص عيسى بذلك نقول: نعم كل أرواح بني آدم من الله، لكن عيسى ﵇ خُصَّ بذلك لأنه من غير أب، بل هو روح من دون أب.
[ ١ / ٦٦ ]
وقوله: "والجنة حق، والنار حق" يعني: ومن شهد أن الجنة -وهي دار المتقين-، والنار- دار الكافرين-؛ كل منهما حق، وأنهما داران موجودتان مخلوقتان، وباقيتان لا تفنيان أبدًا، الجنة للمتقين، والنار للكافرين، فالدُّور- كما ذكر ابن القيّم- ثلاث:
الأولى: دار الدنيا، وهي دار العمل والاكتساب.
الدار الثانية: دار البرزخ، وهي دار القبور، برزخ بين الدنيا والآخرة، والبرزخ معناه الفاصل، والحياة في القبور، تسمى بالحياة البرزخيّة، وفيها عجائب، فيها نعيم أو عذاب، إما حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، ويبقى الأموات في قبورهم إلى أن يشاء الله جل وعلا بَعْثَهُم وحَشْرَهُم للحساب والجزاء، وهذه الدار، مَحَطَّة انتظار.
والثالثة: دار الجزاء، التي هي يوم القيامة، الجنة أو النار، وهذه الدار لا تفنى ولا تبيد أبدًا، وإذا آمن الإنسان بهاتين الدارين، فإن ذلك يحمله على العمل الصالح والتوبة من الذنوب والسيئات، فإذا تيقّن أن هناك جنة، وأن هذه الجنة لا يدخلها إلاَّ بالأعمال الصالحة، فإنه يعمل، وإذا تيقن أن هناك نارًا، وأنه يدخلها بالمعاصي والكفر والسيئات، فإنه يحذر من ذلك ويتوب إلى الله ﷿، فالإيمان باليوم الآخر والجنة والنار يحمل العبد على العمل الصالح والتوبة من الذنوب والسيئات، أما الذي لا يؤمن بالآخرة، فهذا يعمل ما تُمليه عليه شهواته، وما ترغبه نفسه ولا يحاسب نفسه أبدًا، لأنه لا يؤمن ببعث ولا بحساب، تعالى الله عما يقوله الظالمون والكافرون علوًا كبيرًا، ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ينكرون البعث، ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾، هكذا يقولون، لأن الكفار الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ينكرون البعث والنشور، ومثلهم الملاحدة والدهريون الذين لا يؤمنون برب ولا ببعث ولا بحساب، ومثلهم الفلاسفة الذين يقولون: "إن هذه الأمور إنما هي من باب التخييلات من أجل مصالح الناس"، فالرسل أو الأنبياء يقولون: هذه الأشياء من باب التخييلات من أجل مصالح
[ ١ / ٦٧ ]
الناس، وإلاَّ ليس هناك جنة، وليس هناك نار، وليس هناك بعث، وإنما يخيِّلون هذه الأشياء، من باب الكذب للمصلحة، من أجل أن الناس يستقيمون، ويتركون الأعمال الدنيئة، ويعملون الأعمال الطيبة، وإن لم يكن هناك حقيقة للجنة والنار.
وهؤلاء يسمّون (المخيّلة)، وهم فئة من الفلاسفة؛ ومن الطوائف الباطنية من ينكر الجنة والنار، ويقولون: هما عبارة عن رموز فقط، وليس هناك حقائق، فالكَفَرَة على اختلاف أصنافهم: من مشركيّة، ودهريّة، وفلاسفة، وباطنية، كلهم لا يؤمنون باليوم الآخر، ولهذا توعد الله ﷾ هؤلاء بقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ يعني: لو كان ليس هناك بعث ولا حساب، صار خلق الله لهذه المخلوقات في باب العبث، لأنها لا تؤدِّي إلى غاية ولا نتيجة، فالظالم يظلم في هذه الدنيا، والقاتل يقتل، والعاصي يعصي، والمطيع يُتعبُ نفسه بالطاعة والعبادة ولا يلقى جزاء- تعالى الله عما يقولون، أما إذا كان هناك بعث ونشور وجزاء على الأعمال. المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، كان خلق الخلق إذًا لحكمة وغاية، وليس عبثًا، فهناك من الظَلَمة من يموت وهو ما جوزي في هذه الدنيا، وهناك من الصالحين من يموت وهو فقير مريض، لماذا؟ لأن الجزاء في الآخرة، هؤلاء ينتظرهم جزاؤهم في الآخرة. هذا الكافر، وهذا الظالم، وهذا الطاغية، وهذا الجبّار، ينتظرهم جزاؤهم في الآخرة، وهذا المؤمن التقي الصالح الذي مات بالمرض والفقر هذا ينتظره جزاؤه في الآخرة في الجنّة، لأن الله ما خلق الخلق وأجرى هذه الأمور عبثًا، لا بد لها من نتيجة، ولا بد لها من غاية تنتهي إليها: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾، ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦)﴾ يعني: لا يُؤمر، ولا يُنهى، ولا يُبعث، ولا يُجازى، يأكل ويشرب ويمكر ويفسق وينتهي أمره إلى لا شيء؟، أو يتقي ويطيع ويتعب نفسه بالعبادة وينتهي أمره إلى لا شيء؟، فهذا وجه النص على الإيمان بالجنة والنار، لأن الإيمان بهما يحدو على العمل الصالح، والتوبة من العمل السيئ، ولأن البعث والحساب أنكره كثير من الطوائف الكافرة، فلابد من الإيمان به، والتصديق به، والإقرار به، وهو أحد أركان الإيمان الستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر،
[ ١ / ٦٨ ]
والإيمان بالقدر خيره وشره، أحيانًا نجد أن الله يذكر الأركان الستة، وأحيانًا يذكر أربعة، وأحيانًا يذكر اثنين فقط: الإيمان بالله واليوم الآخر: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ذكر الإيمان بالله وذكر الإيمان باليوم الآخر، لأن الإيمان بالله وباليوم الآخر يلزم منه الإيمان ببقيّة الأركان.
وقد ذكر في هذا الحديث البراءة من الملل الثلاث: "ملة اليهود؛ وملة النصارى، وملة المشركين" فهو حديث عظيم.
فقوله ﷺ: "من شهد أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله" هذا فيه البراءة من دين المشركين.
وفي قوله: "وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم" هذا فيه البراءة من دين اليهود والنصارى، لأن اليهود كفروا بعيسى، والنصارى غلوا فيه، حتى جعلوه ربًّا، وأيضًا اليهود والنصارى كل منهم كفر بمحمد ﷺ.
فهذا فيه البراءة من الملل الثلاث: ملة المشركين، وذلك بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، والبراءة من ملة اليهود والنصارى، وذلك في شهادة أن عيسى عبد الله ورسوله.
والشاهد من هذا الحديث للباب: "باب فضل التّوحيد وما يكفر من الذنوب " أن الرسول قال في آخره: "أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" هذا وعد من الله ﷾ لأهل التّوحيد بأن الله يدخلهم الجنة، وأهل التّوحيد هم: الذين شهدوا أن لا إله إلاَّ الله وأن محمدًا رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، هؤلاء هم أهل التّوحيد، وعدهم الله أن يدخلوا الجنة، فهذا فيه فضل التّوحيد، وأنه سبب لدخول الجنة.
لكن ما معنى: "على ما كان من العمل"؟، في ذلك قولان لأهل العلم:
القول الأول: أدخله الله على ما كان من العمل، يعني: ولو كان له سيئات دون الشرك فإن ذلك لا يحول بينه وبين دخول الجنة، إما من أول وَهْلَة، وإما في النهاية، ففيه: فضل التّوحيد، وأنه يكفر الذنوب بإذن الله أو يمنع من الخلود في النار.
[ ١ / ٦٩ ]
والمعنى الثاني: أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، أي: أنه يدخل الجنة، فتكون منزلته فيها بحسب عمله، لأن أهل الجنة يتفاوتون في منازلهم بحسب أعمالهم، فمنهم من هو في أعلى الجنة، ومنهم من هو دون ذلك، فأهل الجنة يتفاضلون في منازلهم، والجنة درجات، بعضها فوق بعض، كما أن النار دركات بعضها تحت بعض، والنار أسفل سافلين، أما الجنة فإنها أعلى عِلِّيِّين، والنبي ﷺ يقول: "إن في الجنة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله"، دلّ على أن الجنة درجات، وأن الناس ينزلون منها فيها بحسب أعمالهم، منهم من يُرى منزله كالكوكب الدُّرَّي الغابر في المشرق أو المغرب لبعد ما بينهم من التفاضل، ومنهم من يكون دون ذلك.
وفي هذا الحديث الرد على سائر الطوائف الكفريّة، ففيه ردٌّ على المشركين الوثنيين، وفيه ردٌّ على اليهود، وفيه ردٌّ على النصارى.
وفي الحديث -أيضًا-: وجوب الإيمان بجميع الرسل- عليهم الصلاة والسلام-، لأنه نص على الإيمان بعيسى وبمحمد ﷺ، وفي ذلك إشارة إلى أنه يجب الإيمان بجميع الرسل كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾، فلابد من الإيمان بجميع الرسل - عليهم الصلاة والسلام-، ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بالجميع، فاليهود الذين يزعمون أنهم آمنوا بموسى قد كفروا بموسى، لأنهم بكفرهم بمحمد ﷺ كفروا بموسى، لأن موسى اخبر ببعثة محمد ﷺ كما هو موجود في التوراة التي جاء بها موسى ﵇، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ - كذلك عيسى﵇ أخبر بمحمد ﷺ وأمر بالإيمان به ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾، فعيسى ﵇ بشّر بني إسرائيل بمحمد ﷺ، وهذا معناه: أنه أمرهم بالإيمان به، فالنصارى لما لم يؤمنوا
[ ١ / ٧٠ ]
ولهما في حديث عتبان: "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلاَّ الله؛ يبتغي بذلك وجه الله".
_________________
(١) بمحمد ﷺ كفروا بعيسى، لأنه بشرهم بمحمد ﷺ فمعنى هذا: أنهم كذبوا نبيّهم عيسى الذي يزعمون أنهم آمنوا به، والرسل كلهم يصدِّق بعضهم بعضًا، ويؤمن بعضهم ببعض، فالرسل- عليهم الصلاة والسلام- سلسلة واحدة من أولهم إلى آخرهم، أولهم يُبشر بلاحقهم ومتأخرهم، وآخرهم يصدِّق بأولهم ويؤمن بأولهم، فهم سلسلة واحدة، ولهذا يقول جل وعلا في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ مع أنهم ما كذبوا إلاَّ نبيهم فقط، لكن لما كذبوا نبيهم كذبوا جميع المرسلين، كما قال تعالى: ﴿) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ . قوله: "أخرجاه" أي: "البخاري ومسلم في صحيحيهما. وقوله: "ولهما" أي: البخاري ومسلم. "في حديث عتبان" هو عتبان بن مالك الأنصاري، صحابي مشهور ﵁. "حرّم على النار" التحريم: المنع، أي: منعه من دخول النار، أو منع النار أن تمسه. "من قال: لا إله إلاَّ الله" أي: نطق بها بلسانه وأعلنها. "يبتغي بذلك" أي: بقوله لها ونطقه بها. "وجه الله" أي: مخلصًا له بها، لم يقلها رياءً ولا سمعةً ولا نفاقًا، بل يعتقد ما دلّت عليه من إفراد الله بالعبادة، وترك عبادة ما سواه، واعتقاد بطلانها، والبراءة منها ومن أهلها. فدل هذا الحديث: على أنه لا يكفي مجرّد النطق بلا إله إلاَّ الله من غير معرفة لمعناها، وعمل بمقتضاها، واعتقاد لمدلولها.
[ ١ / ٧١ ]
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "قال موسى ﵇: يا رب، علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلاَّ الله. قال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلاَّ الله في كفة؛ مالت بهن لا إله إلاَّ الله". رواه ابن حبان والحاكم، وصححه.
_________________
(١) قوله: "وعن أبي سعيد الخدري ﵁ " هو سَعْدُ بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل، وأبوه صحابي. "عن رسول الله ﷺ قال: قال موسى: يا رب، علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به" طلب من ربه أن يعلمه كلامًا يعظّمه به، ويطلب منه به حاجاته، ويتوسل به إليه. "قل يا موسى: لا إله إلاَّ الله" أي: لا معبود بحق إلاَّ الله. "قال" أي: موسى، "يا رب، كل عبادك يقولون هذا" أي: وإنما أريد شيئًا تخصني به من بين عموم عبادك. "قال" أي: الرب ﷾ مبينًا لموسى وغيره فضل هذه الكلمة على غيرها من ألفاظ الذكر، "لو أن السماوات السبع" أي: الطباق، "وعامرهن" أي: من فيهن من العمّار "غيري" أي: غير الله سبحانه، لأنه سبحانه في السماء. ففيه دليل على إثبات العلو "والأرضين السبع" أي: ومن فيهن من السكان. وفيه أن الأرض سبع طباق كالسماء، "في كِفَّة" أي: إحدى كفتي الميزان، "ولا إله إلاَّ الله في كفة" أي: في الكفة الأخرى، "مالت بهن لا إله إلاَّ الله" أي: رجحت بالسماوات السبع ومن فيهن غير الله، وبالأرضين السبع ومن فيهن، وذلك لما اشتملت عليه هذه الكلمة من نفي عبادة غير الله، وإثبات العبادة لله، وتقرير التّوحيد، وإبطال الشرك. ففي هذا الحديث: فضل لا إله إلاَّ الله، وأنها أفضل الذكر، وأنه لابد من الإتيان بها كلها، وما فيها من النفي والإثبات، وأنه لا يكفي الإتيان بلفظ الجلالة (الله) أو لفظ (هو هو) كما تفعله الصوفية الضلاَّل. وفيه أن الذكر وغيره من أنواع العبادة توقيفي، لأن موسى ﵇ طلب من ربه أن يعلمه شيئًا يذكره به، فيه أن لا إله إلاَّ الله ذكر ودعاء.
[ ١ / ٧٢ ]
وللترمذي - وحسنه- عن أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا؛ لأتيتك بقرابها مغفرة".
_________________
(١) قوله "وللترمذي وحسّنه" أي: رواه في سننه، وقال: إنه حديث حسن. "عن أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا" قراب الأرض- بضم القاف-: ملؤها أو ما يقاربه، "لأتيتك بقرابها مغفرة". فيه: أن مغفرة الذنوب مشروطة بتجنب الشرك، وفيه فضل التّوحيد، وفيه الرد على الخوارج الذين يكفّرون بالكبائر، وفيه سعة فضل الله ورحمته. وبالله التوفيق.
[ ١ / ٧٣ ]