* بابُ قول الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
_________________
(١) قال الشيخ ﵀: "باب قول الله تعالى" أي: ما جاء في تفسير هذه الآية من أقوال الصّحابة. والتّفسير إنّما يُعرف من كلام الله، فكلام الله يفسِّر بعضه بعضًا، أو يُعرف من كلام الرّسول ﷺ أو من كلام أصحابه، أو من كلام التّابعين الذين هم تلاميذ الصّحابة، هذه مصادر التّفسير، لا يفسِّر القرآن بالرأي أو بكلام المتأخِّرين الذين لم يأخذوا عن الرسول ﷺ ولم يأخذوا عن أصحابه الذين أخذوا عنه، لأنّ الله أنزل القرآن ووَكَل بيانَه إلى الرّسول ﷺ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ من ربهم. فالمصدر في تفسير القرآن - كما ذكر العلماء- خمسة أشياء: المصدر الأوّل: تفسير القرآن بالقرآن، لأن القرآن يفسِّرُ بعضهُ بعضًا. المصدر الثّاني: تفسير القرآن بكلام الرّسول ﷺ، لأنّه هو المبيِّن. المصدر الثّالث: تفسير القرآن بتفسير الصّحابة، لأنّهم تلاميذ الرّسول ﷺ. المصدر الرّابع: عند بعض العلماء تفسير القرآن بأقوال التّابعين، لأنّهم أخذوا عن الصّحابة، وهم أدرى بمعاني القرآن الكريم من غيرهم. المصدر الخامس: تفسيره بمقتضى اللغة العربية لأنه نزل بها. فلهذا تجدون المصنف في هذا الباب وفي غيره يسوق في تفسير الآيات كلام الصّحابة أو كلام التّابعين، لأنها من مصادر التفسير. قوله: " ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ " هذا آخرُ آيةٍ من سورة البقرة، وأولها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ . قال العلماء: هذا أوّلُ نداءٍ في المصحف الشريف: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا
[ ٢ / ١٥٤ ]
رَبَّكُمُ﴾ . لأنّ الله ﷾ ذكر في مطلَع هذه السّورة انقسامَ النّاس أمامَ القرآن الكريم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الذين آمنوا بالقرآن ظاهرًا وباطنًا، وهم المتّقون المذكورون في قوله تعالى: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ .
القسم الثاني: الذين كفروا بالقرآن ظاهرًا وباطنًا، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ .
الصّنف الثّالث: الذين آمنوا بالقرآن ظاهرًا وكفروا به باطنًا وهم المنافقون، وهم شرٌّ من الكُفّار الذين كفروا بالقرآن ظاهرًا وباطِنًا، ولهذا أنزل الله فيهم بِضعَ عشر آية، بينما ذكر في الكفّار آيتين، لأنّهم أخطر من الكُفّار، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، هذه الآيات كلّها في المنافقين، وهم الصّنف الثّالث.
ثم قال بعد ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ نادى النّاس جميعًا، المؤمن والكافر، والعربي والعجمي، ناداهم جميعًا وأمرهم بعبادته. وهذا دليل على عموم رسالة محمد ﷺ، وأنه بعث إلى النّاس كافة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾، ووصف القرآن بأنه هدىً للنّاس وأنّه هدًى للعالَمين، فرسالتُه ﷺ عامّة لجميع الثّقَلين.
وقوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ هذا أمرٌ من الله ﷾ بعبادته وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه.
[ ٢ / ١٥٥ ]
ومعنى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ وحِّدوا ربّكم، وأفردوه بالعبادة، لأنّ العرب في وقت نُزول القرآن كثيرٌ منهم يعبُدون الله، ولكنّهم يعبُدون معه غيرَه، فإذا كانت العبادة غير خالِصة لله فإنّها تكون عبادة باطلة، ولهذا أمرهم أن يُفردوه بالعبادة، ويُخلِصوا له العبادة.
ثم ذكر الدليل على وُجوب عبادة الله تعالى فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ لأنّ العبادة لا تصلُح إلا للخالِق ﷾، فالذي لا يخلُق لا يصحّ أن يُعبَد، وهذا فيه: إبطال عبادة الأصنام، وعبادة الموتى، وعبادة الأولياء والصّالحين، وعبادة الأشجار والأحجار، لأنّها لا تقدر على الخلْق، وما لا يقدر على الخلق لا يصحّ أن يُعبَد، ولهذا قال في سورة الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، الخالق وهو الذي يستحق العبادة، وهم لا يجحدون هذا، بل يُقرِّون بأن الله هو الذي خلق: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ .
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ إذا ذكرتم بأنّه هو الخالق لكم ولمن قبلكم، لعلّ تذكُّركم لذلك يبعثكم على تقوى الله ﷾، فتعبدونه وتتقون عذابه، لأنّه لا يقي من عذاب الله إلاَّ عبادة الله ﷾، فهو الذي خلقكم، وخلق لكم المصالح التي تستعينون بها على عبادته ﷾، خلقكم وخلق لكم هذه الأشياء، لستم أنتم خلقتم لأنفسكم شيئًا، لستم الذين أنبتم الزرع، ولستم الذين أنزلتم المطر، ولستم الذين خلقتم الأرض وجعلتموها صالحة للنبات والإنبات، ولستم الذين خلقتم السماء وجعلتموها سقفًا للعالم، وفيها مصالحُ العباد.
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ تجلسون عليها، وتنامون عليها، وتعيشون على ظهرها، وتدفنون في بطنها إذا متم، وتبعثون منها: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦)﴾ .
ثم هذه الأرض الواسعة أثبتها الله وأرساها بالجِبال الرواسي من أجل أن لا تميد بالنّاس وتضطرب.
﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ يعني: سقفًا، لأنّ السماء فوق الأرض، وجعل الله فيها
[ ٢ / ١٥٦ ]
الكواكِب والشمس والقمر التي بها مصالح العباد، وحفظها من الشياطين، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ .
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ هو المطر، والسماء هو السّحاب، لأنّ السماء على قسمين: السماء بمعنى: العلوّ والارتفاع، فكلّ ما علا وارتفع يقال له: سماء، والثّاني: السموات المبنيّة، وهي: الطِّبَاق السبع.
﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ بهذا المطر.
﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ هذا المطر ماءٌ واحد ومع هذا يُخرج الله به ثمرات مختلِفة ومتنوّعة، والتُّربة واحدة، ومع هذا يُخرِجُ في هذه التُّربة ومن هذا الماء أصنافًا من الثمرات مختلفة الطُّعوم، ومختلفة الألوان، مختلفة الرّوائح، مَن الذي نظّمها هذا التنظيم؟، هو الله ﷾.
﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ تأكُلون منه قوتًا وتتفكّهون به فواكه متنوّعة، من الذي أوجد هذه الأشياء؟، بل إنّ الجنس الواحد تحته أنواعٌ لا يعلم حصرها إلاّ الله سبحانه.
﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ هذا نهيٌ من الله ﷾ عن الشرك بعد الأمر بالتوحيد.
والأنداد: جمعُ نِدّ، والمراد به: المثيل، والشّبيه، والنّظير.
أي: فلا تجعلوا لله نُظراء وأمثالًا تشبِّهونهم به، وتُشركونهم معه في العبادة، وهم خلْقٌ مثلُكم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياةً ولا نُشورًا.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه لا نِدّ له ﷾، وتعلمون أنّ أحدًا لم يشارك الله في خلقه وفي تدبيره.
أقام ﷾ الدليل في هاتين الآيتين بعدّة أُمور: خلقُه لهم، وجعله الأرض فراشًا، والسماء بناءً، وإنزال المطر، وإخراج الثمرات، كلّها أدلّة عقليّة واضحة هم يعترفون بها، فهذا من إلزامهم بالحُجّة، على التوحيد. وإبطال الشّرك الذي هم عليه، وبيان أنّه لا بُرهان له ولا دليل عليه، وإنما الدليل والبُرهان على وُجوب عبادة الله ﷾: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ لا بُرهان لهم على الشّرك
[ ٢ / ١٥٧ ]
وقال ابن عبّاس في الآية: "الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل.
_________________
(١) أبدًا، وإنما البراهين القاطعة هي على توحيد الله ﷾ وإفراده بالعبادة. ودلَّ ذلك على أن الإقرار بتوحيد الربوبية لا يكفي، فالذين يقولون: بأنّ التوحيد هو الإقرار بأنّ الله هو الخالق الرازق المحيي المميت. هؤلاء مخطئون، لم يعرفوا التّوحيد، لأنّ هذا لو كان توحيدًا كافيًا لكان المشركون موحِّدين، لأنّ الله أخبر بأنهم يعلمون أنّ الله هو الخالق الرّازق الذي ينزّل المطر والذي فعل هذه الأفعال، يعلمون هذا ولم يكونوا موحِّدين، بل أمرهم بعبادته فقال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، فدلّ على أن علمهم بهذه الأشياء لا يكفي حتى يُفردوا الله ﷾ بالعبادة، إذًا: فالتوحيد هو إفراد الله تعالى بالعبادة، وليس التوحيد هو الإقرار بتوحيد الرّبوبيّة كما يقوله علماء الكَلام الذين لم يفهموا التّوحيد، بل جعلوا كلّ همّهم ومناظَراتهم واستدلالهم على توحيد الرّبوبية، وهذا تحصيل حاصل، وموجود عند أبي لَهب وأبي جهل وغيرهما، فهم يقرّون بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت. قال: "وقال ابن عبّاس في الآية: الأنداد هو الشرك" الشرك منه نوعٌ جليٌّ واضحٌ كالذبح لغير الله، والنّذر لغير الله، ودُعاء غير الله، والاستغاثة بغير الله، هذا شرك واضحٌ جلي، لأنّه يُرى ويُسمَع. وهُناك شركٌ خفي، وهو نوعان: النوع الأول: شركٌ في المقاصد والنيّات، وهذا خفيّ لأنّه في القُلوب، والقُلوب لا يعلم ما فيها إلاَّ ﷾، كالذي يصلِّي، لكن يصلّي رياءً وسُمعة، وهذا لا يعلمُه إلاّ الله. والنوع الثاني: شركٌ خفيّ، لأنّه لا يعلمه كثيرٌ من النّاس، وهو الشرك في الألفاظ دون الاعتقاد، وهو المذكور هنا. قال ابن عبّاس: "الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلُمة الليل" سُمّي خفيًا: لأنه قَلَّ من يتنبّه له.
[ ٢ / ١٥٨ ]
وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي، وتقول: لولا كُلَيْبَة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص.
وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلانًا؛ وهذا كله به شرك".
_________________
(١) ثم ضرب له أمثلة بكلمات يقولها بعض النّاس بألسنتهم. "وهو أن يقول: والله وحياتِك يا فلان، وحياتي" فالحلف بغير الله من الشرك الذي يجري على ألسنة كثيرٍ من النّاس، ولا يعلمون أنه شرك، فكثيرًا ما يقول بعضهم: والنبي، والأمانة، وحياتك. وقد قال النبي ﷺ: " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك". والحلف بغير الله شركٌ أصغر، إنْ كان لا يقصد تعظيم المحلوف به كما يعظِّم الله. وإنْ كان يقصد تعظيم المحلوف به مثل ما يعظِّم الله فإن الحلف يكون شركًا أكبر. والذين يحلفون بالقُبور والأضرحة، ويعظِّمونها كما يعظِّمون الله، هو من هذا النوع. لأنّ كثيرًا منهم يتساهل بالحلف بالله، ولا يتساهل بالحلف بالضريح أو الوليّ، إذا قيل له: احلف بالله؛ بادَر بالحلف، إذا قيل له: احلف بمعبودك وبمعظِّمك وبالوليّ الذي أنت تعظِّمه؛ ارتعد وأبى أن يحلِف، يخاف من البطش من هذا الولي، فهذا شرك أكبر بلا شك. ومن الشرك في الألفاظ قول الرّجل: ما شاء الله وشئت، لولا الله وفُلان. لأنه لا يجوز، الجمع بين الله وغيره بالواو، لأنّ الواو تقتضي التشريك. والصواب: ما أرشد إليه النبي ﷺ أن تقول: ما شاء الله، ثُمَّ شاء فلان. لأنّ "ثُمَّ" ليست للتشريك، وإنّما هي للترتيب، وجعل مشيئة المخلوق بعد مشيئة الخالق، كما قال تعالى: " ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ "، فالعبد له مشيئة بلا شك، ولكنها تابعة لمشيئة الله سبحانه. هذا ما قاله ابن عبّاس في تفسير هذه الآية: " ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ "، فالآية نهت عن اتّخاذ الأنداد، وهذا يشمل الشرك الأكبر والشرك الأصغر.
[ ٢ / ١٥٩ ]
وابن عبّاس ﵄ مثَّل بالشرك الأصغر لينبِّه به على ما هو أشدّ منه وهو الشرك الأكبر، فإذا كان الشرك الأصغر لا يجوز فكيف بالشرك الأكبر؟، والسّلف يستدلون بالآيات النّازلة في الشرك الأكبر على منع الشرك الأصغر، لأنّه نوعٌ من الشّرك، وقوله تعالى: " ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ " يشمل هذا وهذا.
يُستفاد من هاتين الآيتين مع قول ابن عبّاس ﵄ مسائل كثيرة:
المسألة الأولى: أن التّوحيد هو أعظمُ مأمورٍ به، لأن الله بدأ به في أوّل نداء في المصحف الشريف.
المسألة الثانية: في الآية دليلٌ على أنّ الإقرار بتوحيد الرُّبوبية لا يكفي في التّوحيد، لأن الله أخبر أنّ المشركين يعلمون هذا فقال: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . أنه لا خالق لهذه الأشياء المذكورة وغيرها إلا الله فلماذا تعبدون معه غيره ممن لا يخلق شيئًا.
المسألة الثالثة: في الآيتين الاستدلال بتوحيد الرّبوبيّة على توحيد الإلهيّة، وأنّ توحيد الرّبوبيّة وسيلة وتوحيد الألوهيّة غاية، لأنّه هو المقصود وهو المطلوب من الخلْق، لأنّه لَمَّا أمر بعبادته ذكر توحيد الرّبوبية، ففيه الاستدلال بتوحيد الرّبوبية على توحيد الأُلوهية.
المسألة الرابعة: أنّه لا يكفي الأمر بالتوحيد، بل لابد من النّهي عن الشّرك، لأنّ الله قال في الآية الأولى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، وقال في ختام الآية الثانية: " ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ "، فدلّ على أنّه لابد من الجمع بين الأمرين: الأمر بالتوحيد والنّهي عن الشرك، فالذي يقتصر على الأمر بالتّوحيد ولا ينهى عن الشّرك لم يقم بالمطلوب لأن ذلك لا يحقِّق شيئًا، وهذا في القرآن كثير دائمًا بجانب الأمر بالتّوحيد النّهي عن الشّرك، قال تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ هذا أمر ونهي، ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ﴾ هذا فيه: الكفر بالطّاغوت، والإيمان بالله، فالإيمان بالله لا يكفي، بل لابد من الكفر بالطّاغوت، وكلّ رسول يقول لقومه: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، ﴿اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، فلا بد من الجمع بين الأمر بالتوحيد والنّهي عن الشّرك.
المسألة الخامسة: أنّ هذه الألفاظ التي ذكرها ابن عبّاس تجري على ألسنة
[ ٢ / ١٦٠ ]
وعن عمر بن الخطاب ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" رواه الترمذيّ وحسّنه، وصححه الحاكم.
_________________
(١) كثيرٍ من النّاس وهي من الشّرك، لكنه شرك أصغر، ويسمّى شرك الألفاظ، ولو لم يقصد بقلبه، وهو من اتّخاذ الأنداد. المسألة السّادسة: فيه أنّ السلف يستدلّون بالآيات النازلة في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر، لأنّ ابن عبّاس استدلّ بالآية على ذلك، لأنّ الشرك الأصغر يجُرُّ إلى الشرك الأكبر، ففيه: الابتعاد عن الشّرك من كلّ الوُجوه، باللّفظ، وبالنّيّة، وبالفعل. قوله ﷺ: "من حلف بغير الله" أي: أقسم بغير الله، كأن يقول: والنّبي، أو يقول: والأمانة، أو يقول: وحياتِكَ ما فعلتُ كذا، أو ما أشبه ذلك، بأن يقسم بمخلوق. فالحلف والقسم: تأكيد شيء بذكر معظّم على وجه مخصوص. وهو تعظيمٌ للمُقْسَم به، والتعظيم إنّما يكون لله ﷾، فالمخلوق لا يُقْسِمُ إلاّ بالله أو بصفةٍ من صفات الله ﷾. أمّا الله ﷾ فإنّه يُقْسِمُ بما شاء مِن خلقه، أمّا المخلوق فلا يقسِم إلاّ بالله، ولا يجوز له أن يقسم بغيره كائنًا مَنْ كان: لا يقسِم بالأنبياء، ولا بالملائكة، ولا بالصالحين، ولا يُقسم بالكعبة، ولا يقسم بأي شيء إلا بالله ﷾. وفي هذا الحديث: أنّ النبي ﷺ قال: "مَن حلَف بغير الله" كائنًا مَنْ كان من ملائكة، أو أنبياء، أو أولياء، أو مشاعر مقدّسة، أو غير ذلك. "فقد كفر أو أشرك" وهذا إمّا شكٌ من الراوي، يعني: هل قال الرّسول: كفر، أو قال: أشرك، أو أنّ (أو) بمعنى (الواو)، لأنّ (أو) تأتي أحيانًا بمعنى (الواو) في لغة العرب، يعني: فيكون المعنى: "فقد كفر وأشرك"، يعني: جمع بين الكفر والشّرك، لأنّ بين الشرك والكفر عموم وخُصوص، فكل مشرك كافر وليس كل كافر يكون مشركًا. وقد يَرِد سؤال هنا وهو: أنّه جاء في بعض الأحاديث الحلف بغير الله، كقول النبي ﷺ: "أَفْلح َوأبيه إنْ صدَق"، مع قوله: "مَن حلَف بغير الله فقد كفر أو أشرك". فما الجواب؟.
[ ٢ / ١٦١ ]
وقال ابن مسعود: "لأنْ أحلِف بالله كاذبًا أحبُّ إليّ من أنْ أحلِف بغيره صادقًا".
وعن حُذيفة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثُمَّ شاء فلان" رواه أبو داود بسند صحيح.
_________________
(١) أجاب عنه العلماء بجوابين: الجواب الأوّل: أن هذا وأمثاله لا يُقصد به اليمين، وإنما يجري على الألسنة من غير قصد اليمين. والجواب الثاني: أنّ هذا كان قبل النّهي، فكان في الأوّل يجوز الحلِف بغير الله، وبعد ذلك نُهي عن الحلِف بغير الله، فقوله: "أفلح وأبيه" وأمثاله يكون منسوخًا بالنّهي عن الحلف بغير الله، وهذا هو الذي رجّحه في الشرح. والشاهد من الحديث للتّرجمة: أن الحلف بغير الله من اتّخاذ الأنداد لله ﷾، لأنّ النّد معناه: النّظير والشّبيه، فالذي يحلف بغير الله يجعل المحلوف به نِدًّا لله وشبيهًا لله ﷾. قوله: وقال ابن مسعود: "لأن أحلِف بالله كاذبًا أحبُّ أليّ من أنْ أحلِف بغيره صادقًا" الكذب حرام، وكبيرة من كبائر الذّنوب، ولكنّه أسهل من الحلف بغير الله، لأنّ الحلف بغير الله شرك، والحلف بالله كاذبًا محرّم ومعصية، ولكنه دون الشرك، لأن الشرك أكبر الكبائر. وسيِّئة الكذب أخف من سيِّئة الشرك. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لأن الحلف بالله كاذبًا فيه توحيد، والحلف بغير الله صادقًا شرك، وحسنة التّوحيد أعظم من حسنة الصّدق" وسيِّئة الشرك أشدّ من سيِّئة الكذب. قوله ﷺ: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثُمَّ شاء فلان" هذا نهيٌ من الرّسول ﷺ عن الجمع بين الله وبين المخلوق في المشيئة بأن يقول: "ما شاء الله وشاء فلان"، لأنّ (الواو) لمطلق الجمع والتّشريك، فكأنّك جعلت المشيئة صادرة من الله ومن المخلوق، وهذا شركٌ في اللّفظ، وتصحيح العبارة أن يقال: "ما شاء الله، ثُمَّ شاء فُلان".
[ ٢ / ١٦٢ ]
وجاء عن إبراهيم النخعي: "أنه يكره: أعوذ بالله وبك، ويجوز أن يقول: بالله ثم بك". قال: "ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان".
_________________
(١) فهذا فيه مسألتان: المسألة الأولى: النّهي عن عطف مشيئة المخلوق على مشيئة الخالق بـ (الواو)، وجواز عطفها بـ (ثُمَّ)، والفرق: أنّ (الواو) تقتضي التشريك، و(ثُمَّ) تقتضي الترتيب والتعقيب، فتجعل مشيئة المخلوق بعد مشيئة الخالق ومترتِّبةً عليها. المسألة الثانية: فيه دليل على إثبات المشيئة للمخلوق، رَدًّا على الجبريّة الذين يقولون إنّ المخلوق ليس له مشيئة وإنّما هو مجبَر ومسيَّر، ليس له اختيار ولا مشيئة، وهو مذهبٌ باطل، فالمخلوق له مشيئة، لكنها بعد مشية الله: قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾، ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ فأثبت ﷾ للمخلوق مشيئة، وجعلها بعد مشيئة الله ﷾، فمشيئة المخلوق مترتّبة على مشيئة الخالق ﷾. وفي حديث حذيفة مسألة ثالثة: وهو أنّه مَن منع من شيء فإنّه يذكُر البديل الصّحيح عنه إن كان له بديل، لأن النبي ﷺ لَمّا مَنع من هذه العبارة ذكر البديل الصحيح عنها وهو قولُ: "ما شاء الله ثم شاء فلان". قوله: "وجاء عن إبراهيم النخعي: أنه يكره: أعوذ بالله وبك" الاستعاذة نوعٌ من أنواع العبادة، لا يجوز صرفُها إلاَّ لله ﷾، فلا يجوز أن تقول: "أعوذ بالله وبك"، لأنّك إذا قلتَ هذا شرَّكت بين الخالق والمخلوق، والتجأت إليها جميعًا، وهذا شرك، لكن تصحيح العبارة أن تقول: (أعوذ بالله، ثُمَّ بك) فتأتي بـ (ثُمَّ)، والفرق بين (ثُمَّ) وبين (الواو): أن (ثُمَّ) تجعل الالتجاء إلى المخلوق بعد الالتجاء إلى الخالق ﷾، فالمخلوق يلتجأ إليه فيما يقدر عليه، فتذهب إلى شخص وتطلُب منه أنه يمنع عدوّك عنك، إذا كان هذا الشخص حيًا يقدر على منع عدوّك عنك. أمّا العياذ المطلَق فإنّه لا يكون إلاَّ بالله ﷾ ولا يجوز العياذ بالميت مطلقًا. وقوله: "ويقول: لولا الله ثُمَّ فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفُلان" سبق شرحه.
[ ٢ / ١٦٣ ]
وهذا مما يدل على أنه يجب تعليم النّاس أُمور العقيدة، وما يُخِلُّ بها وما ينقِّصُها، لأنّ أغلب النّاس الآن - إلاّ ما شاء الله- أعرضوا عن تعليم العقيدة وتعلُّمها، ولا يعتنون بها، ولا يدعون إليها إلاّ ما شاء الله، وإلاّ فالأكثر يركِّزون على أمورٍ أخرى جانبيّة لا تُفيد شيئًا إذا اختلّت العقيدة، حتى ولو صحّت هذه الأغلاط الجانبية التي يريدون إصلاحها، لو صلحت وصحّت ما نفعت بدون إصلاح العقيدة، فالعقيدة هي الأساس، يجب أن نتعلّمها أوّلًا، وأن ندعوَ إليها أوّلًا، وأن نصحِّح الأخطاء فيها قبل تصحيح الأخطاء في المعامَلات، وتصحيح الأخطاء في الآداب والأخلاق. وما انتشرت هذه الأُمور في النّاس إلاَّ لَمّا قَلّ تدريس التوحيد وشرح العقيدة والدعوة إليها في المحاضرات والندوات والصُّحف والمجلات فانتشرت هذه الأمور، بسبب شياطين الإنس والجن الذين يريدون إفساد عقائد النّاس، فالاهتمام بأمر العقيدة وتصحيحها هو أمّ المهمّات: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ بدأ بالعلم بمعنى ﴿لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾ قبل العمل والاستغفار، لأنّه هو الأساس الذي تنبني عليه أمور الدين كلّها.
[ ٢ / ١٦٤ ]