* باب لا يقال: السلام على الله
في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: كُنا إذا كنا مع النّبي ﷺ في الصلاة؛ قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النّبي ﷺ: "لا تقولوا: السلام على الله؛ فإن الله هو السلام".
_________________
(١) مناسبة هذا الباب الكتاب التّوحيد: أنّه لَمّا كان السلام من أسماء الله ﷾ فإنّه لا يقال: "السلامُ على الله" لأنّه هو السلام ﷾". وأيضًا: لَمّا كان معنى السلام الدعاء للمسلَّم عليه بالسّلامة من الآفات، والله جل وعلا منزّه عن أن ينالَه شيءٌ من النقص أو من الآفات أو من المكروهات، فليس بحاجة أن يدعى له ﷾ لغِنَاهُ عن كلِّ شيء وحاجة كلِّ شيء إليه ﷾، بل هو المدعو، ولا يُدعى له ﷾، لأنّ الدعاء إنّما يكون للمخلوق المحتاج، أمّا الله جل وعلا فإنّه غنيٌّ لا يحتاج إلى شيء، فمن دعا لله فقد تنقّص الله ﷿، وهذا يُخِلُّ بالتّوحيد. قال: "في الصحيح " يعني: في "الصحيحين ". "عن ابن مسعود ﵁ قال: في بعض الروايات: "السلامُ على جبريل وميكائيل"، فقال النّبي ﷺ: "لا تقولوا: السلام على الله، فإنّ الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيَّاتُ لله، والصلوات، والطيِّبات " إلى آخر الحديث في التشهُّد. فقولُه: "لا تقولوا: السلامُ على الله" هذا نهيٌ منه ﷺ عن هذه الكلمة، والنّهيُ يقتضي التحريم. ثم بيَّن ﷺ السبب في هذا النّهي فقال: "فإن الله هو السلام" أي: أنّ "السلام" من أسماء الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ . و"السلامُ" من أسمائه ﷾ معناه: السالم من الآفات والعُيوب والنقائص، فالله جل وعلا سالمٌ من الآفات والعُيوب والنقائص لذاتِه ﷾ لا أنّ أحدًا يسلِّمه، وإنّما
[ ٢ / ٢١٥ ]
هو سالم بذاته ﷾.
وأيضًا: "السلام" هو الذي يُطلَبُ منه السلام، كما كان النّبي ﷺ إذا سلَّم من الصلاة قبل أن ينصرف إلى أصحابه يستغفرُ الله ثلاثًا وهو متوجِّهٌ إلى القبلة، ثم يقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام" "ومنك السلام ": أنت الذي تمنحُ السلام لعبادِك، وأنت الذي يُطلَب منك السلام، بمعنى: أنّ العباد يسألونك أن تسلِّمهم من الآفات والنقائص والمكاره.
"السلام" من أسماء الله له معنيان كما ذكر أهلُ العلم:
المعنى الأوّل: السالم من النقائص والعيوب.
والثاني: المسلِّم لغيره.
أي: السالم في نفسه، المسلِّم لغيره، ﷾.
فحينما يقول المسلِّم على النّاس: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) فمعناه: أنّه يقول: أدعوا لكم بالسَلامة من الله ﷾، أو (السلام عليكم) أي: اسمُ الله عليكم، بمعنى: أن الله يحفظُكم ممّا تكرهون.
فهذا الحديث فيه مسائل:
المسألة الأولى: أنه لا يُقال: "السلام على الله" من عبادِه، لأنّ هذا معناه: الدعاء، والله جل وعلا لا يدعى له.
المسألة الثانية: في الحديث بيان الحكمة في النّهي عن أنْ يقال: "السلام على الله" لأنّ الله جل وعلا هو السلام، يعني: وإذا كان هو السلام فليس بحاجة إلى أن يسلَّم عليه.
المسألة الثالثة: أنّ مَن نهى عن شيء فإنّه يبيِّن السبب في هذا النّهي، لأنّ النّبي ﷺ لَمّا نهى بقوله: "لا تقولوا: السلام على الله" بيّن المعنى الذي من أجلِه نهى عنه فقال: "إن الله هو السلام"، ففيه: بيان الحكم بعِلَّته، لأنّ هذا أثبت في ذِهْنِ السامع وأدعى للامتثال.
المسألة الرابعة: في الحديث دليلٌ على أنّ مَن نهى عن شيء وكان لهذا
[ ٢ / ٢١٦ ]
الشيء بديلٌ صالح فإنه يأتي بالبديل، لأنّ النّبي ﷺ لَمّا نهى عن هذه الصِّيغة أتى بالصيغة اللائقة فقال: "قولوا: التحيّات" إلى آخره، ففيه: أنّ مَن نهى عن شيء وله بديلٌ صالح فإنّه يأتي بالبديل، ولا يترُك الشخص لا يدري ماذا يفعل.
المسألة الخامسة: في الحديث دليلٌ على أن الله جل وعلا يحيّي ولا يسلَّم عليه، لأن التحيّة تعظيم له والسلام دعاء له، والله جلّ وعلا يعظَّم ولا يُدعى له.
المسألة السادسة: في الحديث دليل: على الفرق بين التحيّة والسلام: التحيّة تُقال في حقّ الله تعالى التحيات لله، وأمّا السلام فلا يقال في حق الله، وقد عرفنا الفرق: أن التحيّة تعظيم، والله مستحقٌّ للتعظيم، وأمّا السلام فإنّه دعاء والله ليس بحاجة إلى الدعاء.
[ ٢ / ٢١٧ ]