* بابٌ من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله
_________________
(١) مناسبة هذا الباب لكتاب التّوحيد: أن الصبر على أقدار الله من مكمِّلات التّوحيد، وأنّ عدم الصبر على أقدار الله يكون من منقِّصات التّوحيد؛ وهذا الكتاب المبارك صنفه الشيخ في بيان التّوحيد ومكمِّلاته وفي بيان منافياته ومنقِّصاته. فقوله: "بابٌ" مرفوع على أنه مبتدأ محذوف تقديره: هذا بابٌ. "من الإيمان بالله" أي: من خصال الإيمان بالله، ومن شعب الإيمان بالله ﷿: الصبر على أقداره ﷾، أي: أن ذلك يدخل في الإيمان بالله، الذي هو أول أركان الإيمان الستة. والإيمان- كما عرّفه أهل السنّة والجماعة-: "قول باللسان، وعمل بالأركان" يعني: الجوارح "واعتقاد بالجَنان" يعني: بالقلب "يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية". هذا هو الإيمان. "الصبر على أقدار الله" الصبر لغة: الحبْس، قال الله تعالى لنبيه: ﴿وَاصْبرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أي: احبسها مع هؤلاء. وأما في الشرع فالصبر هو: حبس النفس على طاعة الله ﷾ وترك معصيته. وذكر العلماء: أن الصبر له ثلاثة أنواع: صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن محارم الله، وصبرٌ على أقدار الله المؤلِمة. فالأول: صبرٌ على طاعة الله: بأن يؤدي الإنسان ما أمر الله تعالى به؛ وإن كان فيه مشقّة عليه، وإن كانت نفسه تريد الراحة؛ فإنه يصبر، فيقوم للصلوات الخمس، ويقوم لصلاة الفجر ويترك النوم، ويقوم لصلاة الليل ويترك النوم، ويصوم ويترك الطعام والشراب، ويترك الأهل؛ طاعة لله ﷾، ويجاهد في سبيل الله ويصبر على الجراح وعلى الآلام وعلى ملاقاة الأعداء، ويصبر على طاعة الله ﷾، لأن الطاعة لابد فيها من تعب. الثاني: صبرٌ عن محارم الله: فيتجنّب ما نهى الله تعالى عنه، والنفس تنازعه تريد الشهوات المحرَّمة، فهو يصبر على حبسها عنها وإمساكها عنها، وإن كانت
[ ٢ / ٧٩ ]
تنازعه وتدعوه، وكذلك شياطين الإنس والجن يدعونه ويرغِّبونه ويحسِّنون له القبيح، لكن يمسك نفسه ويحبسها عن محارم الله.
والثالث: صبرٌ على أقدار الله المؤلِمة: فإن أصابه مرض أو أصابته مصيبة في ماله أو ولده أو في قريبه فإنه يصبر ولا يجزع. هذا من الإيمان بالله، قال- تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾، يعرفون أن هذا من الله، وأنه بقضاء الله وقدره؛ فلا يجزعون ولا يتسخّطون.
أما أقدار الله غير المؤلمة التي تلائم النفس فهذه لا تحتاج إلى صبر، لأن النفس تميل إليها.
وهذا النوع الأخير- الصبر على أقدار الله المؤلمة- ذكروا أنه ثلاثة أنواع - أيضًا-:
النوع الأول: حبس النفس عن الجزع.
والنوع الثاني: حبس اللسان عن التشكِّي لغير الله ﷾.
والنوع الثالث: حبس الجوارح عن لطم الخدود وشقِّ الجيوب.
ويقول أمير المؤمنين علي ﵁: "الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد؛ فلا إيمان لمن لا صبر له"، ويقول الإمام أحمد ﵀: "وجدت أنّ الله ذكر الصبر في القرآن في تسعين موضعًا"؛ مما يدلّ على أهميّته، وعلى عِظَم شأنه.
فالصبر له مقامٌ عظيمٌ في الدين، ولابد للمؤمن من الصبر لِمَا يواجه في هذه الحياة من المشاكل ومن المشاق والصعوبات لكنه يصبر عليها طاعة لله ﷾.
وقوله: "على أقدار الله" أقدار جمع قدر، والقدر: ما قضاه الله ﷾ في خلقه، فإن كلَّ شيء يجري في هذا الكون فإنه مقدَّر، ليس هناك شيء يجري بدون تقدير الله ﷾؛ فالله علِمه وقدّره وكتبه ووقّته بوقت يحدُث فيه، فإنه ﷾ أول ما خلق القلم قال له: "اكتب"، قال: ما أكتب؟ قال: "اكتب ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة"، فكتب في اللوح المحفوظ كلَّ شيء؛ فما من شيء يجري إلاَّ وهو مقدّرٌ من الله ﷾ ومؤقّتٌ بوقت لا يتقدّم عليه ولا يتأخّر عليه ومكتوب في اللوح المحفوظ.
والإيمان بالقضاء والقدر أحد أركان الإيمان الستّة. كما قال جبريل للنبي ﷺ:
[ ٢ / ٨٠ ]
وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ .
قال علقمة: "هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلِّم".
_________________
(١) أخبرني عن الإيمان؛ قال: "الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"؛ فجعل الإيمان بالقدر ركنًا من أركان الإيمان؛ والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾، وكما في "الصحيح": "قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء". فما من شيء يجري في هذا الكون من صغير أو كبير إلاَّ وقد قدّره الله ﷾. قال: "وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ "هذا بعض آية من سورة التغابُن، وأولها قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ . فقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ يعني: أن جميع المصائب التي تنزل بالنّاس من أول الخليقة إلى آخرها، فإن الله قدّرها، ليس هناك مصيبة تحدُث في العالم إلاَّ وقد قّدرها الله ﷾. ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: بقضائه وقدره؛ لأن إذن الله على نوعين: إذنٌ قدري كوني، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: بتقديره ومشيئته. والنوع الثاني: الإذن الشرعي، مثل: قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أي: بشرعه. قوله: "قال: علقمة" هو: علقمة النخعي التابعي من كبار التابعين، وأحد النَّخَعييِّن الثلاثة الذين هم: علقمة والأسود وإبراهيم من تلاميذ ابن مسعود. ومعنى قوله: "هو الرجل تصيبه المصيبة" يعني: تنزل به المصيبة، إما في نفسه وإما في ماله وإما في ولده وإما في أهله وإما في أقاربه، فلا يجزع، ولكن يعلم أنها من عند الله، يعلم أن الله قد قدّرها وقضاها، وما قضاه الله وقدّره فلابد أن يقع، فلا يقول: لو أني فعلت كذا، لو أني عملت كذا ما نزلت بيَ المصيبة. فالمؤمن
[ ٢ / ٨١ ]
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "اثنتان في النّاس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت".
_________________
(١) يعلم هذا فيهون عليه الأمر، يعلم أنها من عند الله فيرضى بقضاء الله، ولا يجزع ولا يسخط، ويسلِّم لله ﷿، ولقضاء الله وقدره. وقد سمّى الله هذا التسليم وهذا الرضى إيمانًا، فقال: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ﴾ يعني: يرضى بقضاء الله ويسلِّم له، وهذا هو الشاهد: إن الله سمى الصبر على المصيبة والرضى بقضاء الله وقدره إيمانًا. ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ فثمرة الرضاء بقضاء الله والصبر والاحتساب: هداية قلبه، لأن الله يجعل في قلبه الإيمان والبصيرة والنور، وهذه ثمرة الصبر على قضاء الله وقدره. أما الذي يجزع فإن ذلك يسبِّب العكس، يسبِّب عمى قلبه، واضطراب نفسه، فهو يكون دائمًا في اضطراب وقلق. أما المؤمن فهو مرتاح، من هذا كله. فدلّت الآية على مسائل عظيمة: المسألة الأولى: أن المصائب كلها بقضاء الله وقدره. المسألة الثانية: أن الرضى بها والصبر عليها من خصال الإيمان، لأن الله سمّاه إيمانًا. المسألة الثالثة: أنّ ذلك يُثمر هداية القلب إلى الخير وقوة الإيمان واليقين. قال: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "اثنتان من النّاس" إلخ. قوله ﷺ: "اثنتان" يعني: خَصْلتان. "في النّاس" في بني آدم حتى ولو كانوا مسلمين فإنه يوجد في بعض المسلمين بعض خصال الجاهلية وبعض خصال الكفر الذي لا يخرج من الملة. " هما بهم كفر" هو كفر أصغر، لأن الكفر إذا نُكِّر فإنه يُراد به: الكفر الأصغر، أما إذا عُرِّف بـ (الألف واللام) فإنه يُراد به: الكفر الأكبر، كما في قوله: "بين العبد وبين الكفر والشرك: تركُ الصلاة"، وليس كلُّ من قام به خصلة من خصال الكفر يكون كافرًا خالصًا، وإنما يكون فيه خصلة من خصال الكفر، كما أنه
[ ٢ / ٨٢ ]
ولهما عن ابن مسعود مرفوعًا: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية".
_________________
(١) ليس كلُّ من فيه خصلة من خصال النفاق يكون منافقًا خالصًا، وإنما تكون فيه خصلة من خصال النفاق. فالخصلة الأولى: "الطعن في النسب" تقدم الكلام عليه في باب سابق. والخصلة الثانية: "النِّياحة على الميِّت" والنياحة معناها: إظهار الجَزَع على الميت، كما كان أهل الجاهلية يفعلونه. والمطلوب والواجب: الصبر على موت الأقارب أو موت الأحباب. ولا يمنع هذا أن الإنسان يتألّم ويبكي، فالبكاء لا مانع فيه، والنبي ﷺ بكى على ابنه إبراهيم، وقال: "إن العين تَدْمَع، والقلب يحزن، ولا نقول إلاَّ ما يُرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون". وهذا من الرحمة، وأيضًا هذا لا يستطيع الإنسان حبسه. فالآية دلّت على أن الصبر والرضى من خصال الإيمان، والحديث دلّ على أن الجزع من المصيبة وإظهار الجزع أنه من خصال الكفر؛ فهما متضادّان. قال: ولهما عن ابن مسعود مرفوعًا "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب" إلخ. قوله: "ولهما" أي: البخاري ومسلم. "عن ابن مسعود مرفوعًا" أي: إلى النبي ﷺ. "ليس منا" هذه الكلمة كثيرًا ما تأتي عن الرسول ﷺ على معاص تصدُر من النّاس من باب التحذير منها، مثل قوله: "من غشّنا فليس منا"، وقوله ﷺ: "ليس منا من تشبّه بغيرنا"، ومنه هذا الحديث. وهذه الكلمة "ليس منا" معناها: البراءة ممّن فعل ذلك، ولكن ليس معناها أنه يخرُج من الإسلام، وإنما معناها: التنفير من هذا العمل. وأحسن ما يُقال فيها: أنها من ألفاظ الوعيد، ولا تُفسّر، لكن مع اعتقاد أنّ هذا لا يدل على الخروج من الدين لأدلّة أخرى دلَّت على أن أصحاب الكبائر التي دون الشرك لا يخرجُون من الدين.
[ ٢ / ٨٣ ]
والنياحة من الكبائر، لكنها دون الشرك؛ فلا تُخرِج من الدين.
وقوله ﷺ: "من ضرب الخدود" ضرب الخدود جزعًا من المصيبة كفعل الجاهلية. لأن المشروع الصبر، وهذا عكسه، وهذا من باب الغالب.
"وشَقَّ الجيوب" أي: جيوب الثياب؛ جزعًا من المصيبة.
"ودعا بدعوى الجاهلية" يعني: نادى عند المصيبة بالألفاظ التي تقولها الجاهلية، والمراد بالجاهلية: ما كان قبل بِعْثة الرسول ﷺ في وقت الفترة. فلا يجوز أن نقول بعد بعثة النبي ﷺ: النّاس في الجاهلية، أو النّاس في جاهلية جهلاء. هذا لا يجوز أبدًا، لأن الله رفع الجاهلية ببعثة الرسول ﷺ، ولكن: قد تبقى خصالٌ من خصال الجاهلية، فيقال- مثلًا-: هذا من الجاهلية، وهذا من خصال الجاهلية. وليس مَنْ قام به خصلة من خصال الجاهلية يكون من أهل الجاهلية. فلا يجوز إطلاق الجاهلية بعد بِعثة النبي ﷺ.
ومن دعوى الجاهلية: أن يتلفّظ بألفاظ الجاهلية، كأن ينادي ويقول: واعضداه، وانصيراه، واكذا وكذا. وكذا إثارة العصبيات والقوميات والحزبيات، وما إلى ذلك. كل ذلك من دعوى الجاهلية. وكذا التعصب للأقوال والمذاهب التي لا دليل عليها.
قال ابن القيِّم ﵀: "المراد بدعوى الجاهلية: كل من تعصّب إلى مذهب، أو تعصّب إلى قبيلة".
فالعصبية الجاهلية والنخوة الجاهلية كلُّه يدخل في دعوى الجاهلية، فلا يجوز للمسلم أنه يتعصّب لأحد العلماء أو لأحد المذاهب ولا يقبل غير هذا المذهب أو لا يقبل غير هذا الرجل من العلماء، فهذه عصبية جاهلية. أو يتعصّب لقبيلته إذا كانت على خطأ، كما يقول الشاعر:
وهل أنا إلاَّ من غَزِيّة إنْ غَوَتْ غَوَيْتُ وإن تَرْشَد غزية أَرْشَد
والواجب على المسلم: أن يَتْبع الحق سواء كان مع إمامه أو مع غيره، وسواء كان مع قبيلته أو مع غيرها، والله ﷾ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ .
[ ٢ / ٨٤ ]
وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له بالعقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة".
_________________
(١) فلا تجوز العصبية للمذاهب، ولا تجوز العصبية للأشخاص، ولا تجوز العصبية للقبائل، وإنما المسلم يَتْبَع الحق مع من كان، ولا يتعصّب، ولا يترك الحق الذي مع خصمه. فالمسلم يدور مع الحق أينما كان، سواءً كان في مذهبه، أو مع إمامه، أو مع قبيلته، أو حتى مع عدوه. والرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل، والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، والنبي ﷺ يقول: "قل الحق ولو كان مُرًّا". قال: "وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أراد الله" إلخ". قوله ﷺ: "إذا أراد الله بعبده الخير" أي: من علامة إرادة الله بعبده الخير: أن يعجِّل له العقوبة على ذنوبه؛ لأن الذنوب تصدُر من الإنسان بكثرة، ليس هناك أحدٌ معصوم إلاَّ الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فيما عصمهم الله منه، "كلكم خطّاء وخير الخطّائين التوّابون"؛ والإنسان تصدُر منه ذنوب كثيرة ومخالفات؛ فإذا أراد الله بعبده خيرًا عجّل له العقوبة على هذه المعاصي في الدنيا حتى يطهِّره، وحتى ينتقل إلى الدار الآخرة ليس عليه ذنوب فيدخل الجنة. وقوله ﷺ: "وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه" فلا تنزل به عقوبة، مع أنه يعصي ويزني ويخالف أوامر الله ﷾، ومع هذا يُنَعَّم ويُصَحّ في جسمه، ولا يمرض. وهذه علامة شر، من أجل أن تبقى عليه ذنوبه. "حتى يوافي به يوم القيامة" يعني: يرجع إلى الله في الدار الآخرة وذنوبه عليه لم يُحَطُّ عنه منها شيء، فيعذَّب بها يوم القيامة، فدلّ هذا على أن صحّة الإنسان الدائمة ليستْ علامة خير. ودلّ هذا على أن الخير والشر كلُّه مقدَّرٌ من الله ﷾ وبقضاء الله وقدره، وهو قدّر الشر لحكمة وقدّر الخير لحكمة لا يقدِّر شيئًا إلاَّ لحكمة عظيمة، ابتلاءً وامتحانًا.
[ ٢ / ٨٥ ]
وقال النبي ﷺ: "إن عِظَم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط" حسّنه الترمذي.
_________________
(١) قال: "وقال النبي ﷺ: "إن عظم الجزاء" إلخ. قوله: "وقال النبي ﷺ" هذا حديث آخر، والمؤلف ﵀ قرن بينهما لأن راويهما واحد وهو أنس، والذي خرّجهما واحد وهو الترمذي، فلذلك ساقهما المصنِّف سياقًا واحدًا. "إن عِظَم الجزاء" أي: عند الله ﷾. "مع عِظَم البلاء" وذلك أن المبتَلى إذا صبر ورضيَ بقضاء الله وقدره فإن الله يجزيه على ذلك الخير العاجل والآجل، فيجزيه الجزاء العظيم آجِلًا وعاجلا ًكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وهذا مع الصبر والاحتساب. والمراد بالبلاء هنا: الابتلاء والامتحان، فيصاب الإنسان بالشدّة، ويصاب بالمرض ويصاب بضياع المال ويصاب بموت القريب. ومن النّاس من تتكاثر عليه المصائب وتتابع، وهذه علامة خير إذا كان مؤمنًا وصبر. وقوله: "وإن الله تعالى ذا أحبَّ قومًا ابتلاهم" هذه- أيضًا- حِكمة أخرى، وهِي: أن وجود الابتلاء والامتحان الذي يصيب المسلمين دليلٌ على محبة الله لهم، ولَمّا أحبهم ابتلاهم من أجل أن يخفِّف عنهم، ومن أجل أن ينتقلوا إليه وهم مخلِّصون من الذنوب. ومفهوم الحديث: أن الله إذا لم يحب قومًا يُمسك عنهم الابتلاء، من أجل أن ينتقلوا إلى الآخرة بذنوبهم فيعاقَبون عليها. "فمن رضي" بقضاء الله وقدره "فله الرضا" من الله ﷾. وهذا دليل على أنّ الجزاء من جنس العمل. "ومن سخِط" على قضاء الله وقدره "فله السخط" من الله ﷾ جزاءً وفاقًا. فهذا فيه دليل على أن الجزاء من جنس العمل، ران من رضي بالقضاء والقدر، وصبر على المصائب؛ فإن الله يرضى عنه ويحبُّه، وأن من لم يرضَ بالقضاء والقدر فإن الله يبغضه.
[ ٢ / ٨٦ ]
وهذه المصائب إنما هي ابتلاء وامتحان ليظهر الصابر من غير الصابر، وليترتّب الجزاء على ذلك من الله ﷾.
فيُستفاد من هذه النصوص التي ساقها المصنِّف فوائد كثيرة:
الفائدة الأولى: أن جميع المصائب بقضاء الله وقدره: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ .
الثانية: أن الرضى بقضاء الله وقدره من الإيمان: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ﴾ يعني: يرضى ويصبر، سمى ذلك إيمانًا.
الثالثة: أن الإيمان له خصال، منها: الرضى بقضاء الله وقدره، وكما قال ﷺ: "الإيمان بِضْعٌ وسبعون شُعبة أعلاها: قولٌ لا إله إلاَّ الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعبةٌ من الإيمان".
الرابعة: أن الرضى بقضاء الله وقدره يسبِّب هداية القلوب: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ .
الخامسة: يُستفاد من حديث أبي هريرة ﵁ أن الطعن في الأنساب والنياحة على الميّت من خصال الجاهلية.
السادسة: أنه ليس كلُّ من اتّصف بشيء من أمور الجاهلية يكون كافرًا الكفر الأكبر.
السابعة: أن الكفر أنواع؛ كفرٌ أكبر يُخرج من الملة، وكفرٌ أصغر لا يُخرِج من الملّة.
الثامنة: يُستفاد من حديث ابن مسعود: أن شق الحبوب ولطم الخدود ودعوى الجاهلية أنها كبائر، لأن النبي ﷺ تبرأ ممّن فعلها.
التاسعة: فيه أنه يجب على المسلم الابتعاد عن خصال الجاهلية، وأنّ كل ما كان من أمور الجاهلية فهو مذموم.
العاشرة: في حديث أنس ﵁: وصفُ الله ﷾ بالرضى والسخط؛ وهما صفتان من صفاته ﷾ تليقان بجلاله، ليس كرضى المخلوق ولا كسخط المخلوق.
الحادية عشرة: في حديث أنس الأول: أنّ من علامة إرادة الخير بالمؤمن: أن
[ ٢ / ٨٧ ]
يُصاب في بدنه أو في ماله أو في قريبه، وأن من علامة إرادة الشر به: أن يُمسك عنه فلا يقع به مصيبة حتى يوافي بذنوبه؛ ومن هنا يؤخذ الرد على هؤلاء الذين يقولون: المسلمون لا يزالون متخلِّفين وفيهم تأخُّر، وفيهم..، وفيهم..، وفيهم المصائب. وأما الكفّار فإنهم عندهم تقدُّم وحضارة ورُقي وأسلحة، وإلى آخره. فهذا الحديث يبيِّن أنّه ليست السلامة من المصائب والسلامة من النَّكَبات دليلٌ على رضى الله ﷾، وإنما هذا من باب الاستدراج لهم: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، وأما المسلمون فإنهم يصابون بهذه الأمور ليكفِّر الله بها عنهم، ومن أجل أن يحاسبوا أنفسهم ويرجعوا عن أخطائهم.
[ ٢ / ٨٨ ]