* باب لا يُرد من سأل بالله
عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "من سأل بالله فأعطوه، ومن استعاذ بالله فأعيذوه، ومَن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإنْ لم تجدوا ما تكافئونَه فادعوا له حتى تُرَوا أنكم قد كافأتموه" رواه أبو داود والنسائيّ بإسناد صحيح.
_________________
(١) قول الشيخ ﵀: "باب لا يُرد مَن سأل بِالله" لأنّ هذا فيه تعظيمٌ لله ﷾، وهو من كمال التّوحيد، أمّا إذا رُدّ السائل بالله ففيه إساءة في حقّ الله ﷾. وفي ردّه نقصٌ في التّوحيد. والسؤال بالله جائز، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ ومعنى ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ يعني: يسأل بعضُكم بعضًا بالله، وفي هذا الحديث: "مَن سأل بالله فأعطوه " فدلّ على جواز السّؤال بالله. لكن من سُئل بالله لا يجوز له أن يردّ السائل إجلالًا لله ﷾. قوله ﷺ: "مَن سأل بالله" كأن يقول: أسألُك بالله، وهذا معناه: الإقسام بالله ﷿، كأنّه قال: والله لتُعطينِّي هذا الشيء، لأنّ الباء باء القسم، فإذا قال: أسألُك بالله أي: أُقسم عليك بالله لتعطينِّي كذا وكذا. "فأعطوه" هذا أمرٌ من النّبي ﷺ بإعطاء مَن سأل بالله، وظاهرُه الوُجوب. ولكن هذا فيه تفصيل؛ فإذا سأل بالله شيئًا له فيه حقّ كالذي يسأل من بيت المال؛ فكلّ مسلم له حقٌّ في بيت المال، فإذا سأل بالله وجب إعطاؤه، وكذلك إذا سألك مضطرٌ إلى شيء من طعام أو كسوة أو غير ذلك مضطرًا، وأنت عندك فضل زائد عن حاجتك؛ فإنّه يجب عليك أن تُعطيه دفعًا لضرورته، وإنْ لم تعطه فقد عصيتَ الله. وقد جاء في الحديث الذي سبق في قصّة الأعمى والأقرع والأبرص: أن الله غضب على اللذين سُئِلا في حالة ضرورة ولم يُعطيَا، فسؤال المضطّر والمحتاج من شيء فاضل عن حاجة المسؤول يجب بذلُه له، فإن لم يبذله فقد عصى الله.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
حتّى إنّه إذا كان مضطّرًا فإنّه له الحق في أنْ يأخُذ من مال غيرِه ما يدفع ضرورته.
أما إذا سأل شيئًا ليس له فيه استحقاق، وهو ليس محتاجًا ولا مضطرًا؛ فهذا يستحبّ للمسؤول أن يُعطيَه، فإن لم يعطِه في هذه الحالة الأخيرة يكون فاعلًا لمكروه، وإذا أعطاه كان فاعلًا لمستحبّ.
"ومن استعاذ بالله فأعيذوه" استعاذ: طلبَ العوذ، وهو: اللُّجوء.
فمن استعاذَ بالله عن شرك فإنّه يجب عليك أن تُعيذَه، ولا يجوز لك أن لا تُعيذَه.
"ومن دعاكم" أي: طلب منكم حضور مناسبة عنده؛ كأن دعاكم إلى حُضور طعام وليمة، فإنه يجب عليكم الإجابة، إلاّ إذا كان هُناك مانع، لأنّ هذا من حقّ الأُخوة.
وظاهرُ الحديث عامٌّ في كلّ دعوة، ولكن العلماء يقولون: إجابة الدعوة إنّما هي خاصّة بوليمة العُرس، أما ما عداها من الولائم فيستحبّ حُضورُها، أمّا وليمة العُرس فيجب حُضورُها لقوله ﷺ: "شرُّ الطعام طعامُ الوليمة؛ يُدعى إليها الأغنياء ويُمنع منها الفقراء" وقال: "ومن لا يجب فقد عصى الله ورسولَه" الشَّاهدُ في قوله: "عصى الله ورسولَه"، فدلّ على وجوب الحُضور لولائم الزّواج.
وإن لم يحضُر من غير عُذر يكون آثِمًا.
أمّا إذا كان هناك عُذر كأن يكون في الوليمة منكَر ولا يستطيع إزالة هذا المنكر فإنّه لا يحضُر، لأنّ هذا مانع من إجابة الدعوة؛ فإنْ كان يستطيع إزالته وجب عليه الحُضور، حتى إنّ الصائم يجب عليه الحُضور، ولكن إنْ كان صيامُه واجبًا فإنّه يدعو وينصرِف، وإنْ كان صيامُه مستحبًا فإنّه يخيّر بين أنْ يُفطِر ويأكُل أو يدعو وينصرف.
"ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه" يعني: مَن أحسن إليك بإحسان مالي أو عملي أو قولي.
والمعروف: ضدّ المنكر، والمراد به هنا: الخير، يعني: من أسدى إليك خيرًا من مال أو جاه أو كلام طيِّب أو غير ذلك، فكلّ هذا من المعروف، فإنّه يجب عليك أن تكافئه، بمعنى: أن تفعل له من المعروف مثل ما عمِل لك، وتقابل إحسانه بالإحسان، وهذا من باب المكافأة من ناحية، وأيضًا فيه قطعٌ للمنّة من ناحية أُخرى، لأنك لو لم تكافئه بقيَ له منّة عليك، ورِقٌّ منك له.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
حتى ولو كان صانعُ المعروف كافرًا فإنّك تكافئه على معروفه، لأنّ هذا من باب مكارم الأخلاق ومن باب قطع المنّة ومن باب جزاء الإحسان بالإحسان: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ (٦٠)﴾، وقال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾، هذا في الكافر الذي يحسن إلى المسلم فالمسلم يكافئه، بل يتأكَّد في حقّ المسلم مكافأة الكافر على صنيعهِ ليقطع منّتَهُ عليه، ولا يكون منه رقٌّ للكافر، ولأنّ هذا يدخل في باب الدعوة إلى الله ﷿، فإذا رأى الكفّار من المسلمين هذه الأخلاق الطيِّبة والفاضلة كان ذلك مدعاة لدخولهم في الإسلام.
"فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له" أي: ادعوا له بالخير والتيسير والتوفيق.
"حتى تُرَوْا" بضمّ التّاء، يعني: تظنُّوا، ويجوز الفتح، بمعنى: تعلَموا.
فدلّ هذا: على أنّ المحسِن يكافأُ على إحسانِه إمّا بالقول وإمّا بالفعل.
فهذا الحديث فيه مسائل عظيمة:
المسألة الأولى: فيه ما ترجم له المصنِّف وهو: لا يُرَدّ مَن سأل بالله، لقوله: "من سألكم بالله فأعطوه"، لأنّ في هذا إجلالًا لله ﷾ الذي سَأل به، وفي ردِّه إساءة في حقّ الله تعالى ونقصٌ في التّوحيد، وفي إعطائِه احترامٌ لحقّ الله تعالى، وتكميلٌ للتّوحيد.
المسألة الثانية: فيه وُجوب إعاذة من استعاذ بالله وعدم المساس به بمكروه، لأن هذا يكون تعدِّيًا على من استجارَ بالله ﷾، وذلك من نقص التّوحيد، وفي إعاذَتِه إكمالٌ للتّوحيد.
المسألة الثالثة: فيه وُجوب إجابة دعوة المسلم لأخيه المسلم، لِمَا، في ذلك من جَبْر القُلوب وتثبيت المحبّة وإزالة النُّفرة بين الإخوة، أمّا إذا لم يُجب فهذا يسبِّب العكس، يسبِّب النُّفرة ويسبِّب التباغُض بين النّاس والقطيعة.
المسألة الرابعة: في الحديث دليلٌ على وجوب مكافأة صانع المعروف بمثل معروفِه إذا أمكن، فإن لم يمكن فإنّه يكافئه بالدعاء له بالخير.
المسألة الخامسة: في الحديث: النّهي عن عدم مكافأة صانع المعروف، لأنّ ذلك من صفات اللّئيم التي لا تليق بالمسلم.
[ ٢ / ٢٢٥ ]