* باُب بيان شيء من أنواع السحر
_________________
(١) مناسبة هذا الباب بعد الباب الذي قبله ظاهرة، لأنه في الباب الذي قبله بَيّن ما جاء من الأدلة في كتاب الله وسنّة رسوله في حكم السحر وحكم الساحر، فتطلَّعت الأنظار إلى أن يعرف النّاس ما هو السحر، وما هي أنواعه حتى يتجنّبوه. ومن ثَمّ يتعيّن على العلماء وطلبة العلم أن يبيّنوا للناس الحق والباطل، أن يبينوا للناس الحق وأدلّته، وأن يبيّنوا للناس الباطل وأدلّته وأنواعه؛ من أجل أن يأخذوا بالحق على بصيرة، وأن يتركوا الباطل على بصيرة، وإلاَّ فإنه إذا لم يبيّن الحق والباطل التبس على الناس، وظنوا الحق باطلًا والباطل حقًّا. ومن هنا يتعيّن على الدعاة وعلى الخطباء في المساجد وعلى المدرِّسين أن يعتنوا بهذا الأمر، وأن يبيّنوا للناس أمور عقيدتهم، وأمور دينهم. ومما حمل المصنِّف- أيضًا﵀ على عقد هذا الباب: أن هناك خوارق تجري على أيدي بعض النّاس خارجة عن الأسباب المعروفة، مثل: المشي على الماء، والطَّيَران في الهواء، والإخبار عن الأشياء الغائبة، وإحضار الشيء البعيد. وهذه الخوارق إن جرت على أيدي الصالحين فهي كرامات من الله ﷾، والكرامات ثابتة عند أهل السنّة والجماعة، تجري على أيدي الصالحين إكرامًا لهم من الله ﷾، وقد تجري على أيدي الكفرة، والفسّاق، والمنافقين، فتكون هذه الخوارق شيطانية، يفتِنون بها الناس، ويلبِّسون بها على الناس، وهي إما سحر، وإما بسبب استخدام هؤلاء الفسّاق للشياطين، فيخدمهم الشياطين بهذه الأمور التي ليست من مقدور بني آدم، وإما أن لها أسبابًا خفيّة لم تظهر للنّاس من حِيَل، يعملونها. فمن أجل التباس الحق بالباطل في هذه الخوارق أراد الشَّيخ أن يعقد هذا الباب ليبيّن أن هذه الخوارق من السحر، وليست من الكرامات. فيجب أن نعرف هذا الباب، والفرق بين الكرامات وخوارق الشيطان، لئلا يلتبس الأمر، ولئلا يتخذ المخرِّفون والمنحرفون الخوارق الشيطانية دليلًا على الولاية لله ﷿، فيعبدون هؤلاء من دون الله ﷿.
[ ١ / ٣٥٧ ]
قال أحمد: حدّثنا محمَّد بن جعفر، حدّثنا عوف، وحدّثنا حَيَّان بن العلاء، حدّثنا قَطَن بن قَبِيصة، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ قال: "إن العِيافة والطَّرْق والطِّيَرة من الجبت".
ال عوف: العِيافة: زجر الطير. والطَّرْق: الخطُّ يُخطُّ بالأرض.
والجبت: قال الحسن: رنّة الشيطان. إسناده جيّد.
_________________
(١) قوله: "قال أحمد: حدَّثنا محمَّد بن جعفر" المراد به: غُنْدُر. "حدثنا عوف " هو: عوف بن أبي جميلة، المسمى بعوف الأعرابي، إمام ثقة مشهور. "حدثنا حيان بن العلاء" حيان- بالياء المثنّاة- بن العلاء، بصريٌّ مقبول. "حدثنا قَطَن بن قَبِيصة" قَطَن بن قَبِيصة تابعي، بصري ثقة. "عن أبيه": قَبِيصة بن المُخَارق الهلالي، صحابي معروف. "أنه" يعني: قبيصة﵁-. "سمع النبي ﷺ قال: " إن العِيافة والطَّرْق والطِّيَرة من الجبت". وتفسير هذه الألفاظ مروي عن: "عوف"، وهو: عوف بن أبي جميلة، المسمى بعوف الأعرابي؛ أحد رواة هذا الحديث. قال: "العيافة: زَجْر الطير" ومعناه: التشاؤم بأصواتها وأسمائها ومسارها. "والطَّرْق: الخطُّ يخطّ في الأرض" من أجل استطلاع الأمور الغائبة، وهي طريقة جاهلية، وهم لا يعلمون بها الغيب بذاتها، وإنما الشياطين هي التي تأتي لهم بما يريدون إذا تقرّبوا إليهم بالعبادة، وكفروا بالله ﷿، لأن الشياطين تريد إضلال بني آدم مهما استطاعت. قوله: "قال الحسن " هو الحسن البصري إمام التابعين. "الجبت: رنّة الشيطان" أي: صوت الشيطان، وصوت الشيطان يشمل أشياء كثيرة، منها: الأغاني والمزامير، قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ . وصوت الشيطان: كل كلام باطل، وكل كلام كفر أو شرك. فهذا فيه بيان الشيء من أنواع السحر:
[ ١ / ٣٥٨ ]
ولأبي داود والنسائي وابن حبّان في "صحيحه" المسند منه.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "من اقتبس شُعبة من النجوم، فقد اقتبس شُعبة من السحر، زاد ما زاد" رواه أبو داود، وإسناده صحيح.
_________________
(١) فالعِيافة نوع من أنواع السحر. والطَّرْق نوع من أنواع السحر. والطِّيَرة نوع من أنواع السحر. كلها من أنواع السحر؛ لأنها من الجبت، والجبت السحر كما سبق، فالسحر إذًا كلمة عامة تجمع شرورًا كثيرة، إما قولية، وإما عمليّة. ثم قال المصنِّف ﵀: "إسناده جيّد" أي: إسناد الإمام أحمد جيد، لأن رواته ليس فيهم أحد مجروح. قال: "وروى أبو داود والنسائي وابن حيان في صحيحه المسنَدَ منة" أي: رووا أصل الحديث، دون التفسير المذكور الذي ذكره عوف. "وأبو داود"، هو الإمام المشهور، سليمان بن الأشعث، صاحب السنن المشهورة بسنن أبي داود وهي إحدى السنن الأربع. "والنسائي" هو: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، الإمام الجليل، صاحب "السنن الكبرى" إحدى السنن الأربع. "وابن حبّان في صحيحه" ابن حبّان هو: أبو حاتم، محمَّد بن حبان البُسْتي، صاحب الصحيح المسمّى بـ"صحيح ابن حبان". قال: "وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من اقتبس شُعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد" رواه أبو داود، وإسناده صحيح". قوله ﷺ: "من اقتبس شُعبة" يعني: تعلَّم. والشُّعبة: الطائفة أو القطعة. "من النجوم" يعني: من علم التنجيم. والتنجيم معناه: اعتقاد أن النجوم تؤثِّر في الكون،- كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- هو: نسبة الحوادث الأرضيّة إلى الأحوال الفلكيّة.
[ ١ / ٣٥٩ ]
وللنسائي من حديث أبي هريرة: "من عقد عُقْدة ثمّ نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلَّق شيئًا وُكِل إليه".
_________________
(١) ولا تزال آثار هذه الخصلة الجاهلية في عصرنا الحاضر فيما يظفر عند المنجِّمين والذين يذهبون إليهم، وبما يُكتب في بعض الصُّحف والمجلاّت من أحوال البُرُوج، لأن نسبة هذه الأمور إليها في طلوعها أو غروبها، أو إلى الأفلاك في تحرُّكها؛ شرك بالله ﷿، لأن الذي يدبِّر النجوم، ويدبِّر الأفلاك، ويدبِّر الكون كله هو الله ﷾، فيجب أن نؤمن بذلك. أما النجوم، وأما الأفلاك، وأما جميع المخلوقات فليس لها تدبير، وليس لها إحداث شيء، أو جَلْبُ نفع، أو دفع ضر إلاَّ بإذن الله ﷾، فالأمر يرجع كلّه إلى الله. ويجب على المسلم أن يعتمد على الله، وأن يتوكّل على الله، ولا يتأثّر بما يقوله المنجِّمون والفلكيُّون. أما تعلّم حساب منازل القمر من أجل معرفة مواقيت العبادات، ومواقيت الزراعة والبذور؛ فلا بأس به، وهذا ما يسمِّيه العلماء بعلم التَّسْيِير. وأما الاعتقاد بالنجوم بأنها تؤثِّر فهو علم التَّأْثير، وهو المحرّم. قوله: "فقد اقتبس شُعبة من السحر" وهذا هو الشاهد من الحديث للباب، حيث دلّ على أن التنجيم نوع من أنواع السحر، لأن كلًاّ من المنجِّم والساحر يدّعي علم الغيب الذي اختص الله تعالى بعلمه. وقوله: "زاد ما زاد" يعني: كل ما زاد من الاقتباس زاد من السحر، فمُقِلٌّ ومُسْتَكْثِر. فهذا تحذير من الرسول ﷺ. فالإنسان لا يجوز له أن يتعلم التنجيم الذي عليه المشركون، لأنه سحر وشرك بالله ﷾، وادِّعاءٌ لعلم الغيب الذي لا يعلمه إلاَّ الله ﷾. والنجوم إنما خُلقت لفوائد بيّنها الله ﷾ في كتابه قال: "وللنسائي من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من عقد عُقدة" هذا من عمل السحرة؛ يعقدون الخيوط ثمّ ينفثون فيها، والنفث هو: النفخ مع الرِّيق، ينفث فيها من ريقه الخبيث، لأنه متكيِّف بالشيطان، فريقه ممزوج بالخُبث وتأثير الشيطان.
[ ١ / ٣٦٠ ]
وقد يضرّ من وُجّه إليه بإذن الله ﷿، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ .
وقد أمر الله نبيّه بالاستعاذة منه في سورة الفلق، قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾، ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾: السواحر، و﴿الْعُقَدِ﴾ هي: العُقد التي في الخيوط.
وقوله: "فقد سحر" يدل على أن هذا العمل سحر.
وقوله: "ومن سحر فقد أشرك" هذا هو الشاهد من الحديث؛ أن من أنواع الشرك: عقد العُقد والنفث فيها بقصد السحر، لأن الساحر لا يتوصّل إلى سحره إلاَّ بالاستعانة بالشياطين، وإذا استعان بالشياطين فقد أشرك بالله ﷿.
قوله: "ومن تعلّق شيئًا وُكِل إليه" أي: من اعتقد في شيء من دون الله أنه ينفع أو يضر وَكَله الله إلى ذلك الشيء.
فمن اعتقد في السحرة والكُهّان والمشعوذين والمنجِّمين والأموات والأولياء أنهم ينفعون أو يضرُّون من دون الله وُكِل إليهم؛ عقوبةً له، وتخلّى الله ﷾ عنه، وَوَكَله إلى هؤلاء الذين لا يملكون ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، ولا وتنقطع صلته بالله الذي بيده المُلْك، والذي بيده الخير، والذي يرحم عباده ويرزقهم، ويكلِه الله إلى هذه المخلوقات الضعيفة، لأنه اعتمد عليها، وتوكّل عليها، وخاف منها، ورجاها، فيوكل إليها.
فمن ذهب إلى مشعوذ يريد منه العلاج والشفاء من المرض وَكَله الله ﷾، ومن سأل كاهنًا أو عرَّافًا عن شيء من الأشياء وَكَله الله إليه إذ اعتمد عليه.
ومن توكّل على الله، وتعلّق بالله ﷾، وخاف الله ورجاه فإن الله يتولّى أمره، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾، فالذي يتوكّل على الله، ويؤمن بالله، ويعتمل! على الله؛ فإن الله يكفيه، ويصونه من شر عباده، قال تعالى ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾،.
فمن توكّل على الله كفاه، ومن تركل على غير الله وَكَله الله إلى ضعيف، عاجز لا يُغني عنه من الله شيئًا، لا في الدّنيا ولا في الآخرة.
[ ١ / ٣٦١ ]
وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "ألا هل أنبئكم ما العَضْةُ؟ هي النميمة، القالة بين الناس" رواه مسلم.
_________________
(١) أما في الدّنيا فيكِله الله إلى هؤلاء الذين يضلُّونه، ويُفسدون عقيدته، أو يوهِّمونه، ويتسلَّطون عليه حتى يعيش عيشة القلق والأوهام والضّعف والخَوَر. ولذلك نجد الخرافيّين والقبوريين دائمًا في قلق، ودائمًا في خوف، ودائمًا في ذلّ، لأنهم تعلَّقوا بغير الله. أما في الآخرة فمعلوم مصيره إن لم يتب. ونجد الموحِّدين الصادقين في قوة وفي أمن، وفي سرور بال وراحة نفس وطُمأنينة، لأنهم توكّلوا على الله. ومن عبد الله وحده تولى الله أمره في الدُنيا والآخرة، ونجاه من العذاب، وأدخله الجنة. ومن عبد الشياطين والمخلوقين والقبوريين وغير ذلك وَكَله الله إليهم يوم القيامة، يقول لهم: اذهبوا إلى من كنتم تعبدونهم في الدنيا، وإذا ذهبوا إليهم تبرأوا منهم: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾، هذا في الدّنيا. وفي الآخرة: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾، وقت الحاجة ووقت الخطر كفروا بعبادتهم وتبرأوا منهم، فيذهبون إلى النار، لأنهم لم يعقدوا مع الله صلة تصلهم بالله ﷿، ولم يعبدوا الله ويوحِّدوه، بل عبدوا غيره. قال: "وعن ابن مسعود" ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "ألا هل أنبئكم ما العَضْةُ؟ "" العضه: السحر، أي: ما هو السحر؟. وهذا فيه التعليم وطريقة السؤال الجواب، لأن ذلك أوقع في النفس، إذا صار الشيء مهمًّا وخطيرًا فإنه يُلقى على النّاس بطريق السؤال، من أجل أن يتنبّهوا. ثمّ قال ﷺ في الجواب: "هي النميمة" وهذا لبيان خطر النميمة، كأن النبي ﷺ حصر السحر فيها تحذيرًا منها. ولماذا صارت النميمة بهذه الخطورة؟، لأن النميمة تعمل عمل السحر، فتفرِّق
[ ١ / ٣٦٢ ]
ولهما عن ابن عمر ﵄ رسول الله ﷺ قال: " إن من البين لسحرًا".
_________________
(١) بيّن النّاس كما يفرِّق بينهم السحر، بل هي أشد، كما قال بعضهم: "يُفسد النمّام في ساعة ما يُفسده الساحر في سنة"، فالنميمة أشدّ تأثيرًا من السحر، لأنها تفرِّق بين المسلمين والسحر إنما يؤثر فيمن وقع عليه. والنميمة معناها: نقل الحديث بين النّاس على وجة الوشاية والإفساد، يذهب إلى شخص فيقول له: إن فلانًا يسبُّك ويتنقَّصك، ويقول فيك كيت وكيت. ثمّ يغضب هذا الشخص على فلان. ثمّ يذهب إلى الثاني، ويقول: إن فلانًا يقول فيك كذا وكذا، ويسبّك، ويتنقّصك. فيغضب هذا على هذا، وهذا على هذا، ثمّ تقوم القطيعة بين الوالد وولده، وبين الأخ وأخيه، وبين المسلم وأخيه المسلم، حتى ربّما تقوم الحروب الطاحنة بين النّاس بسبب النميمة. والنميمة من الكبائر، وقد بين النبي ﷺ أن النميمة من أسباب عذاب القبر، كما جاء في الحديث أن النبي ﷺ مرّ بقبرين فقال: "إنهما ليعذّبان، ما يعذّبان في كبير، أما إنه كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله". فدلّ على أن النميمة تسبِّب عذاب القبر. وفي الحديث الصحيح: "لا يدخل الجنة نمّام" وفي رواية: "لا يدخل الجنة قتّات". والنمام ليس له حكم الساحر، فلا يكفر كما يكفر الساحر. وإنما النميمة محرَّمة كما يحرُم السحر، إلاَّ أن السحر كفر، والنميمة فسق. قال: "ولهما" أي للشيخين: البخاري ومسلم. "من حديث ابن عمر ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إن من البيان لسحرًا"" البيان هو: البلاغة والفصاحة، لأن النّاس يُصغون إلى المتكلِّم إذا كان فصيحًا في كلامه، وبليغًا في منطقه، بخلاف ما إذا كان ثَرْثَارًا، فإنهم لا يُصغون إلى كلامه، ويستثقلونه، ويملُّون من سماعه، فإن استعمل هذه القوّة البيانيّة في الخير والدفاع عن
[ ١ / ٣٦٣ ]
الحق، والردّ على الباطل، فهو مأجور، أما إن استعملها بضدّ ذلك، فاستعملها في نُصرة الباطل، وهدم الحق فهو آثم، وهذا هو المذموم.
والنبي ﷺ لم يذم البيان مطلقًا، وإنما ذم البيان الذي يقلب الحق باطلًا والباطل حقًّا، فإن البليغ الفصيح يستطيع بأسلوبه أن يزيّن للناس الباطل، وان يزوّره بكلامه حتى يظنّوه صحيحًا، ويستطيع أن يؤثِّر على الحق حتى يخيّل إلى النّاس أنه باطل.
فالواجب على المسلم إذا أعطاه الله مقدرة في الكلام والمحاورة أن يستعمل هذا في طاعة الله ﷾، وفي الدعوة إلى الخير، وترغيب النّاس في الخير، وتنفيرهم من الشرّ.
أما أن يستعمله بضدّ ذلك بأن يستعمله بالكلام في أعراض العلماء الربانيين وتبديعهم، وتجهيلهم؛ فهذا من السحر.
أو يستعمله في تزيين الشرك، وعبادة القبور، وتزيين البدع والخرافات والمحدثات؛ فهذا من السحر، لأن السحر يقلب الحق باطلًا والباطل حقًّا، كذلك البليغ الذي يستعمل فصاحته في الدعوة إلى الشر.
وما ضلّ كثير من النّاس إلاَّ بسبب الدعاة البُلغاء المنحرفين إما في الإذاعات، وإما في الصحف، وإما فوق المنابر، وإما في مدرّجات الجامعات، إذا تكلموا استمالوا الحاضرين، وملئوا أدمغتهم بكلام مزوّر، حتى يخرجوا وهم يُبغضون الحق ويحبون الباطل- والعياذ بالله-، فهذا خطر عظيم.
ما يًستفاد من هده الأحاديث:
أولًا: في حديث قبيصة ﵁ أن العِيَافة والطَّرْق والطِّيُرة من الجبت، والجبت هو السحر، وكما سبق: أن الجبت كلمة عامة تشمل السحر، وتشمل الكهانة، وتشمل العِيَافة، وتشمل الخطّ يخطّ في الأرض. يعني: تشمل كل ما فيه ادّعاءٌ لعلم الغيب.
ثانيًا: في حديث ابن عباس تحريم تعلّم التنجيم، وأنه نوع من أنواع السحر.
ثالثًا: في حديث أبي هريرة أن عقد الخيوط والنفث فيها بقصد التأثير
[ ١ / ٣٦٤ ]
والإضرار بالنّاس أن هذا سحر، ومن سحر فقد أشرك، فالسحر نوع من أنواع الشرك، لأن الساحر يستعين بالشيطان، ويتقرّب إلى الشيطان، وهذا هو الشرك.
رابعًا: في حديث أبي هريرة أن من تعلّق على السحرة والمشعوذين والدجّالين أنه يوكل إليهم، ويتخلى الله ﷾ عنه، وإذا تخلى الله عنه وَوَكَله إلى غيره هلك.
خامسًا: في حديث ابن مسعود ﵁ تحريم النميمة، وأنها من الكبائر، وأنها نوع من أنواع السحر.
سادسًا: في حديث ابن عمر تحريم البلاغة التي تُستخدم لنصر الباطل والدعوة إليه، والتنفير من الحق، وتشويه الحق، وأن هذا نوع من أنواع السحر.
[ ١ / ٣٦٥ ]